مارسيل خليفة يعود إلى الجزائر.. سهرات موسيقية تعيد الفن الملتزم إلى الواجهة

تميّزت مسيرة مارسيل خليفة بتشابك الموسيقى مع الشعر، حيث تعاون مع أهم الشعراء العرب، على رأسهم محمود درويش، وأدونيس، وسعدي يوسف
تميّزت مسيرة مارسيل خليفة بتشابك الموسيقى مع الشعر، حيث تعاون مع أهم الشعراء العرب، على رأسهم محمود درويش، وأدونيس، وسعدي يوسف
شارك الخبر
تحت رعاية وزيرة الثقافة والفنون الجزائرية، الدكتورة مليكة بن دودة، تستعد الجزائر لاستقبال الفنان اللبناني الكبير مارسيل خليفة في أوبرا الجزائر بوعلام بسايح، ضمن سلسلة من السهرات التي تمتد أيضاً إلى مدينتي وهران وقسنطينة.

تبدأ الأمسيات يومي 28 فيفري و01 مارس المقبل، ابتداءً من الساعة العاشرة ليلاً بقاعة العروض الكبرى، لتقدم تجربة فنية تتجاوز حدود الحفل الموسيقي، إلى لقاء مع ذاكرة جيل كامل تربّى على أغاني خليفة وحفظها عن ظهر قلب في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين كان الفن رسالة، والكلمة موقفًا، والموسيقى فعل مقاومة.

في هذا السياق، أكد الكاتب والإعلامي الجزائري حميدة العياشي في تصريحات خاصة لـ"عربي21" أن عودة خليفة اليوم لا تُقرأ من منظور رومانسي أو نوستالجي، بل هي جزء من تطور طبيعي في المشهد الموسيقي والثقافي: "مارسيل خليفة مرتبط بالجيل السابق، المتفتح على قضايا التحرر الوطني والقومي والتحرري، ربما تراجعت مكانة الأغنية العربية الملتزمة، لكن الجمهور موجود، الانفتاح على فلسطين كقضية إنسانية ومعادية للامبريالية، هذا موجود في نفوس الجزائريين".

وأوضح العياشي أن حضور خليفة أصبح يتقاطع مع الحراك الشبابي وأجيال جديدة: "عودة مارسيل خليفة تشكل فرصة لإعادة اكتشافه، هناك مفترق الأيديولوجيات والبحث عن خيارات جديدة، الشباب يحفر طريقه بطريقته، ويعيد الخطابات الجمالية على طريقته. حضور مارسيل ليس بنفس الرومانسية وإنما بطريقة مختلفة.. التقاطع يتمثل في البحث عن العدالة ورفض الإهانة والذل".

وأضاف: "يعتبر هذا الحدث فرصة للأجيال الجديدة للتعرف على تجربة فنية مختلفة، ترى في الفن موقفًا أخلاقيًا وثقافيًا، لا مجرد وسيلة للترفيه. وفي زمن تتراجع فيه الأغنية ذات المعنى أمام سطوة الصورة والاستهلاك السريع، تبدو حفلات خليفة كنوع من المقاومة الجمالية، تذكيرًا بأن الفن يمكن أن يكون عميقًا ومؤثرًا في آن واحد، وأن الموسيقى ليست فقط إيقاعًا بل فكرة، وليست فقط صوتًا بل ذاكرة".

ويشير حميدة العياشي إلى أن مقارنة فن الراي بالفن الملتزم تكشف أوجه تشابه في الجوهر، رغم اختلاف الشكل والأسلوب. فبينما ارتبط الفن الملتزم بأسماء مثل مارسيل خليفة وارتبط بالقضايا الوطنية والتحررية الكبرى، عكس الراي هموم وهواجس هامش المجتمع الجزائري، معبّرًا عن القهر والأحلام المهدورة بلغة الشباب ولغتهم الخاصة. وبذلك، يُمكن اعتباره نوعًا من الفن الملتزم بدوره، لأنه يطرح أسئلة اجتماعية وسياسية، ويعكس رفض الإهانة والذل، تمامًا كما يفعل الفن الملتزم التقليدي، لكنه من منظور آخر وحس مختلف.

وأضاف: "إن تقاطع الاهتمامات بين كلا النوعين يبرز استمرارية روح المقاومة والتعبير عن العدالة، سواء في النصوص الشعرية واللحن التقليدي، أو في كلمات الراي وإيقاعاته العفوية، مؤكدًا أن الالتزام الفني لا يقتصر على شكل محدد بل على الموقف والرسالة".

من جهته قال الكاتب والإعلامي الجزائري علي جري في مقال له نشره بصحيفة "الخبر" المحلية في الجزائر: "يعود مارسيل خليفة إلى الجزائر، لكن الأهم أن الجزائر تعود معه إلى لحظة كانت فيها الأغنية سؤالًا واللحن موقفًا. إنها ليست مجرد سهرات فنية، بل حدث ثقافي يعيد الاعتبار للفن الملتزم، ويؤكد أن الذاكرة لا تموت، وأن بعض الأصوات لا تغيب مهما طال الغياب".

وأضاف: "لم يكن مارسيل خليفة مجرد موسيقي أو مغنٍ عابر في المشهد العربي؛ بل جسد نموذج الفنان الملتزم، الذي اختار أن يجعل من العود صوتًا لقضايا الإنسان، ومن الأغنية فضاءً للشعر والحرية والكرامة. ارتبط اسمه بالقضية الفلسطينية، وبالعدالة الاجتماعية، وبالإنسان البسيط، وبالأسئلة الكبرى التي طرحتها الهزائم والانكسارات والأحلام المؤجلة في العالم العربي. لذلك لم يكن حضوره في الجزائر حضور فنان زائر فحسب، بل حضور رمز ثقافي يتقاطع مع تاريخ عرف بدوره معنى الثورة والتحرر".



وتجاوزت تجربة خليفة حدود الأغنية السياسية والعاطفية، إلى أعمال سيمفونية ومقطوعات آلية تمزج بين الموسيقى العربية الكلاسيكية والتقنيات الغربية، مؤسّسًا لنوع من الموسيقى العربية الحديثة التي تحترم المقام والروح الشرقية دون أن تنغلق على نفسها.

وتميّزت مسيرة مارسيل خليفة بتشابك الموسيقى مع الشعر، حيث تعاون مع أهم الشعراء العرب، على رأسهم محمود درويش، وأدونيس، وسعدي يوسف، فحوّل قصائدهم إلى أغاني خالدة مثل "جواز السفر" و"ريتا والبندقية" و"أحن إلى خبز أمي"، التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الثقافية العربية. خطّه الفني يتسم بالمزج بين الأصالة والتجديد، فهو يجمع بين الموسيقى العربية الكلاسيكية والتقنيات الغربية، مؤسسًا لمسار موسيقي ملتزم فكريًا وجماليًا في آن واحد، حيث تبقى الكلمة واللحن وسيلتين للتعبير عن الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.

الجزائر، التي عاشت تاريخًا طويلاً من الكفاح الوطني والتحرر، تربطها بالموسيقى الملتزمة علاقة خاصة، حيث كانت الأغنية دائمًا مرآة للقضايا الاجتماعية والسياسية. منذ السبعينيات، شكّلت الأغنية الملتزمة وسيلة للتعبير عن التضامن مع القضايا الكبرى، خصوصًا القضية الفلسطينية، وعن رفض الظلم والاضطهاد، لتصبح جزءًا من وعي المجتمع الجمعي. عودة مارسيل خليفة اليوم تعكس استمرار هذا الارتباط، وتؤكد أن الجزائر ما زالت تحتفظ بروح الفن الملتزم الذي يجمع بين الإبداع والرسالة، بين الجمال والموقف.
التعليقات (0)