في
الوقت الذي تواجه فيه دولة
الاحتلال أزمة متراكمة في علاقاتها الدولية، تظهر أصوات
إسرائيلية تطالب الحكومة بعدم خسارة شراكاتها مع الاتحاد الأوروبي، بزعم أنه شريك
تجاري رئيسي، وركيزة تنظيمية، ومورد أمني واقتصادي للاحتلال، وفي ظل الواقع
الأمريكي المتقلب، تعتبر هذه الأصوات أنّ بروكسل تعتبر بمثابة بوليصة تأمين، وليس
خصماً أيديولوجياً.
شاي
غال، خبير السياسة الدولية، وإدارة الأزمات، والاتصالات الاستراتيجية، أكد أن
"التصريحات الأخيرة لوزير القضاء ياريف ليفين ضد الاتحاد الأوروبي لا تعكس
سياسة الحكومة الإسرائيلية، وليست بياناً استراتيجياً، بل مجرد طعنة انتخابية وصلت
أصداؤها لجهات خارجية، فالاتحاد الأوروبي ليس معسكراً أيديولوجياً، وليس مجموعة من
الدول اليسارية، بل هو أكبر اقتصاد متكامل في العالم، والشريك التجاري الرئيسي للاحتلال،
والجهة التنظيمية التي تحدد القطاعات".
وأضاف غال في
مقال نشرته صحيفة معاريف، وترجمته "عربي21" أن
"أكثر من ثلث الواردات الإسرائيلية تأتي من الاتحاد الأوروبي، وثلث صادراتها
تتجه إليه، حيث تعتمد مئات الشركات الإسرائيلية على الوصول إلى الأسواق الأوروبية،
بل هو عنصر أساسي من عناصر الأمن الاقتصادي الوطني، لأن دولة الاحتلال تُعدّ من
أكثر الدول ارتباطًا بالأنظمة الأوروبية على مستوى البنية التحتية الحيوية:
الطيران، والمعايير، واللوائح المالية، والبحث العلمي، وأمن البنية التحتية،
والأمن السيبراني المدني، والطاقة".
وأشار غال إلى أن "كلا الجانبين، الإسرائيلي والأوروبي، يعملان ضمن فجوة دائمة، حيث تطغى الضوضاء
السياسية على جوهر المشكلة، ففي
أوروبا ينظرون إلى دولة الاحتلال على أنها "حالة
نموذجية"، منفصلة عن سياقها، تعيش في خط اتصال يومي مع منظمات مسلحة، ودول
داعمة لها، وساحة تُرتكب فيها الأخطاء بشكل مباشر، والضغط الذي لا يفهم آلياتها
يُعزز الشكوك الأوروبية تجاهها، ويُبعدها عن اتخاذ القرارات، وفي الوقت نفسه، يحافظ
الاحتلال على وهم معاكس ومفاده أن إسرائيل تعتمد كليًا على أوروبا".
من
جهة أخرى، أوضح الكاتب أن "أوروبا تعتمد على دولة الاحتلال في الأصول
العملياتية: التكنولوجيا، والأمن السيبراني، والاستخبارات، والأمن، والطاقة،
والبنية التحتية، وإن تصويرها على أنها "إشكالية" يُهمّش المصالح
الأوروبية، وأي إسرائيلي سيجد أن النقد الأوروبي للاحتلال ينزلق أحيانًا إلى ازدواجية المعايير والتلميحات، وتلميح جماعي ضد اليهود".
اظهار أخبار متعلقة
وأكد
أن "تل أبيب مطالبة بأن تُميّز بأنه ليس كل نقد للاحتلال هو معادٍ للسامية،
حتى وإن كان قاسياً، أو ذا طابع سياسي، لأن خلط معاداة السامية بالجدل السياسي
يُضعف مكافحة معاداة السامية الحقيقية، ويُضرّ بالمصداقية، وتسعى أوروبا، في
معظمها، إلى حوار صادق وهادف، لا إلى حرب شعارات، حيث تُخطئ إسرائيل في فهم
الاتحاد عندما تخلط بين العناوين الرئيسية وآلية العمل".
وبين غال أن "مواقف إسبانيا، وصراخ أيرلندا، وإدانة بلجيكا، لا يعني استنتاجا إسرائيليا
بأن "أوروبا ضدنا"، هذا خطأ، فالاتحاد الأوروبي آلية قوة: مفوضية،
ومجلس، وبرلمان، وقواعد تصويت مختلفة، وائتلافات متناوبة، وأغلبية مؤهلة هنا،
وأغلبية مطلقة هناك، وخطاب غير مُلزم، وقرار مُلزم، وفي النهاية فإن بروكسل مهمة لتل
أبيب في واقع تُقاس فيه التحالفات بالصفقات في واشنطن، بل إنها بمثابة بوليصة
تأمين ضد التقلبات الأمريكية".
ودعا
الكاتب إلى "متابعة السلوك الأمريكي في قضية جزيرة غرينلاند التي كشفت عن نمط
ترامب في التعامل، واعتبار السيادة بوصفها دالّة للمصالح، والنظر للتحالف على أنه
يتماشى مع مصالحهم، ومن لا يتماشى يدفع الثمن، فلا وعود، ولا أدوات، ولا التزام،
وتداخل يومي للمصالح، وفي تل أبيب، سُجّل الاستنتاج: إذا كان هذا هو سلوكهم تجاه
كوبنهاغن، فسيكون هذا هو سلوكهم تجاه الاسرائيليين عندما تنقسم المصالح".
واعتبر
أن "الصداقة الاسرائيلية مع ترامب ليست ركيزة، بل شرط، لأنه عندما تصبح سيادة
الحليف ورقة مساومة، يصبح كل شيء مكشوفًا، ومن هنا تأتي المصلحة الإسرائيلية في
الموقف الدنماركي، فإذا كان من الممكن الضغط على حليف غربي دون ثمن، فهذه طريقة، وآخرون
يختبرونها على دولة الاحتلال، وفي الوقت نفسه، هناك تنسيق عميق بين تل أبيب
وبروكسل، على الصعيدين السياسي والمهني، في مجالات عديدة".
توضح
هذه القراءة الإسرائيلية أن الانطباع السائد في تل أبيب أن التنسيق مع بروكسل أقل
شخصية، وأقل تقلبًا، وأكثر آلية، وبالتالي يُحقق نتيجة، وفي الخفاء، يجري بناء
تنسيق إسرائيلي هادئ مع العواصم الأوروبية المحيطة بترامب، أي أن الاسرائيليين
والأوروبيين ليسوا ضد الولايات المتحدة، بل ضد التقلبات، والخطر من السيناريوهات
غير المتوقعة، والخطوط الحمراء التي يتجاوزها الرئيس دائما.