المحكمة العليا تقّوض تفرّد ترامب في الداخل والخارج!

عبد الله الشايجي
البيت الأبيض
البيت الأبيض
شارك الخبر
وكأنني تنبأت في مقالي الأسبوع الماضي في “القدس العربي” توالي الانتكاسات … وبدء أفول عصر حكم ترامب المطلق؟!

قدمت في المقال-ظواهر وشواهد عديدة عن تراجع نفوذ وإمساك ترامب بالقوة المطلقة، وتدخلاته وتهديداته وفرض الرسوم الجمركية التي تثقل عاهل المواطن والمستهلك الأمريكي-وخسارته جميع القضايا التي رفعها ضد نواب وأعضاء مجلس شيوخ، وإرساله الحرس الوطني إلى المدن لترهيب المواطنين، وتراجع شعبية ورضا الناخبين الأمريكيين بشكل عام لمستويات متدنية. كلها أمور تجعل ترامب أقل رئيس شعبية في سنته الأولى، وبرغم ادعاءات ترامب أنه أنهى ثماني حروب إلا أنه يستمر بحشد تعزيزات عسكرية، وقرع طبول الحرب ضد إيران، تبدو اليوم أقرب للاندلاع من أي وقت مضى. ويستمر ترامب بالتذمر لحرمانه من أحقية الفوز بجائزة نوبل للسلام.

شهدنا آخر استعراضات وتناقضات الرئيس ترامب بتنصيب نفسه متفردا بأحادية قراراته، بتشكيل وترؤس أول اجتماع لمجلس السلام العالمي في معهد السلام في واشنطن، وتطبيقا لعقدة تسمية مؤسسات أمريكية باسمه “معهد دونالد جي ترامب للسلام” الجمعة الماضي في واشنطن في جلسة استعراضية مسرحية. وكان ترامب أنشأ المجلس من 26 عضواً مؤسسا بينما وجهت الدعوات لستين دولة. وبمشاركة مجرمي حرب يتقدمهم مجرم الحرب نتنياهو المطلوب اعتقاله بمذكرة اعتقال من محكمة الجنايات الدولية لارتكابه جرائم حرب إبادة في غزة، وطوني بلير الذي ارتكب جرائم حرب بمشاركة بلاده مع بوش الابن في حربه على أفغانستان والعراق.

وفرض رسوم مليار دولار لعضوية دائمة في المجلس تذهب لصندوق يشرف عليه ترامب الذي نصب نفسه رئيسا لمجلس السلام العالمي مدى الحياة، حتى بعد تركه البيت الأبيض. وقام بتعيين أعضاء المجلس الذي قاطعته ورفضت عضويته معظم الدول الأوروبية الحليفة وعلى رأسها بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا والنرويج وكرواتيا وكندا ونيوزيلندا وكذلك الفاتيكان!! لعدة أسباب أبرزها تجاهل دور وعضوية فلسطين، ومصادرة دور الأمم المتحدة واستبدالها بمجلس السلام، وإلغاء أي مرجعية قانونية وتاريخية تلزم إسرائيل بالانسحاب من غزة ويصفي القضية الفلسطينية وحق العودة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. والملفت مقاطعة المجلس من جميع الدول دائمي العضوية في مجلس الأمن ومجموعة السبع!!

أهداف ميثاق مجلس السلام العالمي تحقيق السلام وجمع الأموال لإعادة إعمار غزة وحل الأزمات والصراعات حول العالم. فيما يقدم جاريد كوشنير مشروعا عقاريا ضخما لغزة بكلفة 25 مليار دولار لتحويل غزة لمنتجع للأثرياء على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

وأعلن ترامب عن تقديم الولايات المتحدة مساهمة 10 مليارات لصندوق المجلس من أموال دافعي الضرائب!! وذلك يحتاج لمصادقة الكونغرس.. فيما أعلنت تسع دول تقديم 7 مليارات دولار للصندوق الذي يشرف عليه ترامب!!

والواقع أن مجلس السلام العالمي يصادر ويلغي دور الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن والمرجعيات الدولية ومعها تصفية القضية الفلسطينية. فيما أولوية المواطن والناخب الأمريكي ليست أيا من تلك المغامرات ورفع الرسوم الجمركية التي يدفعها بالنهاية المستهلك الأمريكي نفسه. وكذلك خفض الأسعار وضمان الوظائف وتحقيق الاستقرار وإنهاء الانقسام والاستقطاب الواسع داخل المجتمع الأمريكي، الذي تفاقم قراراته بإرسال الحرس الوطني للمدن وتقويض المؤسسات والانسحاب من المنظمات الدولية!!

وهدد ترامب برفع الرسوم الجمركية بنسبة 200 في المئة على وارادات الشمبانيا والنبيذ الفرنسي إلى الولايات المتحدة، بعد رفض الرئيس ماكرون الانضمام للمجلس-ما يؤكد توظيف ترامب لعصا التهديد والترهيب بزيادة الرسوم الجمركية حتى على الحلفاء كورقة ضغط لإخضاعهم لمطالبه وليس لخدمة مصالحهم!!

حكمت المحكمة العليا يوم الجمعة الماضي بحكم تاريخي مزلزل للمحكمة الأمريكية أعلى سلطة قضائية في الولايات المتحدة بعدم الشرعية الدستورية في تفرد ترامب برفع الرسوم والتعريفات الجمركية الشاملة حسب قانون الطوارئ على واردات البضائع من أكثر من 100 دولة حول العالم. ينهي الحكم تفرد ترامب الأحادي وبدون تفويض من الكونغرس رفع رسوم جمركية، ما يشكل تحولا كبيرا يقيد تفرد الرئيس ترامب باتخاذ القرارات التي تحكم فيها في رئاسته الأولى والثانية.
طوفان كسر احتكار ترامب التفرد بالحكم بتداعيات تشجع على تحديه في الداخل، ورفض الحلفاء والخصوم الخضوع لترهيبه

أتى حكم المحكمة العليا أشبه بزلزال ضرب أجندة ومشروع ترامب. ويُضعف نموذج حكمه القائم على التفرد التنفيذي الذي يتبنّاه. ويُقوّض أركان حكمه ويحجم قدراته ودوره وطموحه. وهيمنة تفرده بالقرارات وترهيب الدول بتهديدها برفع الرسوم والتعريفات الجمركية لإجبارها على الانصياع.

كشف حكم المحكمة العليا الذي رحب به المتضررون، عن مأزق سياسات الرئيس ترامب بعد سيطرته وحزبه على مفاصل النظام السياسي في الولايات المتحدة بكافة مؤسساته وسلطاته. ترامب هو الرئيس وسيد البيت الأبيض ورأس السلطة التنفيذية وصاحب القرارات الفردية. ويهيمن ترامب على السلطة التشريعية بسيطرة الجمهوريين على الأغلبية الضئيلة في مجلس النواب والشيوخ. ويظهرون ولاء أعمى لأطروحات ومشاريع قوانين ترامب. كما صوتوا بأغلبية ضئيلة على جميع مرشحي ترامب لمناصب وزارية ومدراء الوكالات الفيدرالية برغم الشكوك الفاضحة عن عدم أهلية وكفاءة كثير منهم. لذلك ينجح ترامب بتمرير جميع قوانينه وأجندته. وأبرزها تمرير قانون أكبر خفض للضرائب لمصلحة الأثرياء وحلفاء ترامب.

ومؤسف في نظام تساوي السلطات الدستورية، خضوع أغلبية الجمهوريين، وعجزهم عن تحدي ترامب، ومطالبته بتفويض الكونغرس لشن حرب على إيران في يونيو الماضي وحشد استعدادات حربه اليوم!! وعلى نشر ملفات إبستين الفضائحية. وتحديه برفض مصادرة حق الكونغرس الدستوري بزيادة الرسوم على وارادات البضائع كما يفعل ترامب!!

وبرغم تعيين ترامب ثلاثة قضاة للمحكمة العليا، لكن صُدم ترامب بتصويت قاضيين ضد قانونية تفرده برفع التعريفات الجمركية.. وهذه بداية طوفان كسر احتكاره التفرد بالحكم بتداعيات تشجع على تحديه في الداخل، ورفض الحلفاء والخصوم الخضوع لترهيبه واستفزازات ترامب حول العالم!!

القدس العربي
التعليقات (0)