أثار تلويح وزير الخارجية التركي هاكان
فيدان، بعملية عسكرية تستهدف
حزب العمال الكردستاني في
سنجار ومخمور وقنديل شمال
العراق، تساؤلات عدة عن مدى إمكانية تنفيذ ذلك رغما عن إدارة السلطات العراقية، التي وصفت التصريحات بأنها انتهاك للسيادة.
وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان خلال مقابلة تلفزيونية، الثلاثاء، إن حزب "العمال الكردستاني" سيصبح قضية رئيسية في العراق، مشددا على أنه لا منطقة في
تركيا يمكن لهذا التنظيم أن يحتلها، بينما يقوم باحتلال مساحات واسعة من الأراضي العراقية.
وتساءل فيدان: "كيف يمكن لدولة ذات سيادة أن تسمح بحدوث ذلك؟"، لافتا إلى أن "تغييرات في المنطقة قد تحدث قريبا، بما في ذلك سنجار ومخمور وقنديل" شمال العراق، معربا عن أمله في أن يستخلص العراق الدروس من اتفاق اندماج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري.
حالتان مختلفتان
وفي هذه النقطة، قال الخبير في الشؤون العسكرية والأمنية الفريق أول جبار ياور، لـ"عربي21": "إذا كان كلام فيدان صحيحا عن أن الوقت مناسبا لإعادة تطبيق التجربة السورية في مناطق سنجار وقنديل في العراق، فهذا يعد تدخلا صريحا من الحكومة التركية في الشأن العراقي".
وفيما إذا كان هناك ضوء أخضر أمريكي للجانب التركي بإعادة رسم الخارطة الأمنية في المنطقة، قال ياور إن "الولايات المتحدة كانت تطالب بصورة غير رسمية بأنه من الأفضل للحكومة العراقية ألا تكون هناك قوات خارج سيطرة القيادة العسكرية للدولة العراقية، وأن هذا سيسبب مشكلات أمنية للعراق والمنطقة".
ولفت إلى أن "الوضع العراقي مختلف عما هو موجود في سوريا، وأن المناطق التي تتواجد فيها مقار حزب العمال الكردستاني على طول الحدود العراقية- التركية هي ضمن مناطق إقليم
كردستان العراق وهو إقليم دستوري، وليس كما في سوريا التي لا يوجد في دستورها ولا ضمن الحكومة الحالية ما يضفي القانونية على المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات قسد".
اظهار أخبار متعلقة
واستبعد ياور أن "تعطي الولايات المتحدة ضوءا أخضر للقوات التركية باجتياح العراق رغم وجود تشكلات عسكرية تركية على الأراضي العراقية بعمق نحو 40 كيلومترا، ولديها أكثر من 80 معسكر وثكنة عسكرية والجميع يعلم بهم، كانت موجودة أساسا قبل إعلان الاتفاق بين تركيا وحزب العمال الكردستاني".
ورأى الخبير العسكري أن "أي استخدام للقوة مرة أخرى سيؤثر على الحوار الموجود حاليا بين عبد الله أوجلان رئيس حزب العمال الكردستاني، وبين الحكومة التركية".
على إثر ذلك تصريحات فيدان، استدعت وزارة الخارجية العراقية، سفير أنقرة لدى بغداد، أنيل بورا إينان، حيث عدّ وكيل الوزارة للعلاقات الثنائية، السفير محمد حسين بحر العلوم، التصريحات بأنها تمثل إساءة إلى العلاقات الودية بين العراق وتركيا، وتُعد تدخلا في الشأن الداخلي العراقي وتجاوزا للأعراف الدبلوماسية.
وشدد وكيل الوزارة على أن ملف سنجار وسائر المناطق العراقية هو شأن وطني خالص، ويجري التعامل معه وفق الأولويات والآليات الوطنية، مؤكدا رفض أي تدخل خارجي لفرض حلول أو لاستخدام هذا الملف للتأثير سياسيا أو عسكريا.
من جانبه، أوضح السفير التركي أن تصريحات وزير الخارجية فهمت على نحو غير دقيق نتيجة ترجمة غير صحيحة، مبينا أن حديث الوزير كان يتعلق بعناصر حزب العمال الكردستاني المتواجدين في العراق، ولا علاقة له بالشأن العراقي الداخلي أو بالمواطنين العراقيين، وفقا لبيان الخارجية العراقية.
ثلاث رسائل
وفي المقابل، قال الخبير في الشأن التركي، محمود علوش لـ"عربي21" إن "تصريحات فيدان تعكس، أولا استكمال إستراتيجية تركيا خالية من الإرهاب من خلال مكافحة نشاط العمال الكردستاني في دول الجوار وتحديدا سوريا والعراق، كما أنها تشير إلى أن أنقرة مازالت تنظر إلى ملف وجود الحزب في الشمال العراقي على أنه يمثل أولوية في علاقتها مع بغداد".
الأمر الثالث، بحسب علوش هو أن التصريحات "تشير إلى رغبة تركيا في استنساخ التحولات الكبيرة التي طرأت على الملف الكردي في سوريا إلى العراق أيضا، وأن حزب العمال الكردستاني من القضايا الضاغطة على العلاقات التركية- العراقية، وربما أنقرة لديها تصور بأن الظروف الراهنة ملائمة لإزالة هذا الملف كعقبة على أجندة العلاقات التركية العراقية".
اظهار أخبار متعلقة
ورغم أن التصريحات تمثل رسالة سياسية، لكنها تأتي بالتوازي مع خطوات تقوم بها تركيا في هذا الملف بدءا من عمليات السلام الجديدة مع العمال الكردستاني والشروع في عملية نزع سلاح الحزب، ومرورا بالخطوات الكبيرة لإنهاء ملف "قسد" في سوريا، ووصولا إلى إعادة طرح ملف حزب العمال الكردستاني في شمال العراق على جدول الأعمال التركي، وفقا للخبير.
وأعرب علوش عن اعتقاده بأن "هذه التصريحات تمهد لمزيد من التحركات التركية، ويمكن أن نعتبرها أنها تهيئة للرأي العام الداخلي وأيضا في العراق إلى خطوات مقبلة ستقوم بها تركيا على صعيد إنهاء حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل وسنجار".
ورأى الخبير التركي أن "هناك ارتباط كبير بين الحالتين الكردية في سوريا والعراق، وكلتاهما لديهما ارتباط بحزب العمال الكردستاني، لذلك قاعة تركيا بأنه لا يمكن الوصول إلى استراتيجية تصفير الإرهاب بدون أن يتم معالجة وجود حزب العمال في دول الجوار".
وأشار إلى أن "تجربة تركيا أظهرت خلال الفترة الماضية أن مكافحة وجود حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي التركية لا يكفي للوصول إلى استراتيجية تركيا خالية من الإرهاب، بالتالي فإن عملية السلام مع هذا الحزب لا يمكن أن تنجح بدون إزالة وجوده في سوريا والعراق".
من جهة أخرى، رأى علوش أن "التصريحات التركية تأتي بالتزامن مع دفع إيراني باتجاه إعادة نوري المالكي إلى السلطة، وأن الرسالة التركية إلى بغداد وطهران واضحة من خلال التأكيد على أن أي تحول سياسي في بغداد يعيد إنتاج مشهد سابق لن يؤثر على مشهد إزالة العمال الكردستاني من شمال العراق".
وخلص الخبير إلى أن "هناك حاجة لتعاون تركي عراقي في هذه الملف، وأنه لا يمكن لتركيا وحدها أن تنتج حلا مستداما وطويل الأمد وسيتعين على صنّاع القرار في بغداد أن يدركوا أن مصالح تركيا هي جزء من مصالح العراق أيضا، لأن الأخير متضرر في النهاية من نشاط العمال الكردستاني".
اظهار أخبار متعلقة
ونوه علوش في ختام حديثه إلى أن "محاولة إيران عبر الحشد الشعبي توفير الدعم أو التحالف مع حزب العمال الكردستاني في سنجار لم يكن لمصلحة العراق بقدر ما أنها كانت لمصالح إيرانية بحتة، وبالتالي من مصلحة الجانب العراقي أيضا التعاون مع تركيا في هذا الملف".
وفي قراءة لتصريحات للوزير هاكان فيدان، قال المحلل السياسي التركي مهند أوغلو خلال مقابلة مع قناة "عراق24" الثلاثاء، إن "مسألة التغيير قد بدأت وستنتقل من سوريا ولن تتوقف في العراق، بل ستنعكس على لبنان أيضا، وأن تركيا ستقود أمن المنطقة في المستقبل".
وشدد أوغلو على أن "العراق إذا لم يأخذ الدرس من سوريا فإن التغيير على الواقع الأمني قادم لا محال، لذلك فإن بغداد أو أربيل إذا لم يتعاونوا مع تركيا فإن الأخيرة ستفرض هذا التغيير بالقوة".