على وقع الأنباء المتواترة عن تعيين سفير واشنطن في تركيا ومبعوثها في سوريا ولبنان، توم
باراك، بديلا عن مبعوث الرئيس الأمريكي إلى
العراق مارك سافايا، برزت تساؤلات عدة عن كيفية تعامله مع الملف العراقي، خصوصا مع مواقفه المعلنة ضد تغول إيران وسطوة الفصائل.
وأعلن وزير الخارجية العراقية فؤاد حسين، الاثنين، خلال مقابلة تلفزيونية مع قناة "كردستان24" العراقية، أن مارك سافايا لم يعد يشغل منصب مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون العراق، وإن توم باراك هو "من يدير الملف العراقي حاليا بدلا منه".
اظهار أخبار متعلقة
فيما أكدت وكالة "رويترز" "سوء إدارة" سافايا لبعض المواقف الرئيسية، بما في ذلك فشله في منع ترشيح رئيس الوزراء العراقي السابق نوري
المالكي لمنصب رئيس الوزراء، وهي خطوة حذر ترامب بغداد منها علنا، مشيرة إلى أن توم باراك، سيتولى ملف العراق في وزارة الخارجية.
"أكثر تشددا"
وبخصوص الجديد في إدارة توم باراك مع الملف العراقي، قال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، عصام الفيلي لـ"عربي21"، إن "الأخير انتقل من الخطاب إلى الفعل، بالتالي سيكون أكثر تشددا خاصة إذا ما نظرنا إلى فترة عمله في الملفين اللبناني والسوري، ودخوله على الملف العراقي عبر إقليم كردستان".
ورأى الفيلي أن "باراك يؤمن كرجل اقتصاد أن الحلول العملية يجب أن تأخذ مسارها سريعا، لذلك فإنه سيتبنى طروحات الرئيس ترامب بشكل من أشكال القوة، خاصة في ملف إبعاد العراق عن إيران، وإنهاء ملف الفصائل".
وتابع: "ذلك يأتي في ظل إعلان إيراني واضح أن محور الفصائل لم يدخل ضمن مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، لأن إيران ترى أن الموقع الجيوسياسي للعراق يمثل آخر الحصون التي تحمي النظام سواء من الجانب الاقتصادي أو الفصائلي إضافة إلى وجود أغلبية شيعية حاكمة".
ولفت إلى أن "الاقتصاد متداخل مع موضوع الأمن بالعراق، وأن هذه الفصائل تحكم قبضتها على كثير من المؤسسات الاقتصادية، بالتالي الخوف لدى الولايات المتحدة دائما أن تتحول هذه الفصائل إلى جناح رديف للحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي العراقية".
وأردف الفيلي قائلا: "الهدف من فرض الولايات المتحدة عقوبات على شركة (المهندس) العامة التابعة للحشد الشعبي في العام الماضي، تعود أسبابه إلى ذات التخوف الأمريكي".
اظهار أخبار متعلقة
وأشار إلى أنه في "العلاقة بين العراق والولايات المتحدة هناك مسار يتبناه القائم بالأعمال الأمريكية في بغداد جوشوا هاريس يتناول جانب العلاقة بين البلدين، لكن خطورة الملف العراقي دفعت الجانب الأمريكي إلى تعيين مبعوثا رئاسيا، قادر على إيصال الرسائل بقوة ووقت أقصر".
وبحسب الفيلي، فإن "طبيعة التهديدات الأمريكية للعراق واضحة، موضوع العقوبات التي تنذر حتى بإسقاط النظام في العراق عن طريق الجماهير وليس الفعل الخارجي، لأن اقتصاد البلد ركيك ومرتبط بالدولار، وغياب الرؤية الاقتصادية والشفافية في طبيعة التعامل، إضافة للتدخل السياسي في الاقتصاد يخلق إرباكا في الملف الاقتصادي".
وكان باراك قد غرّد قبل أسبوع على منصبة "أكس" بعد اتصال أجراه مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني، قائلا: "موقف الولايات المتحدة واضح: لن تنجح حكومة تنصبها إيران، لا في تحقيق تطلعات العراقيين والسوريين لمستقبل أفضل، ولا في إقامة شراكة فعالة مع الولايات المتحدة".
وعقب زيارة إلى بغداد في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، ولقائه برئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وجه باراك انتقاده الشديد للسياسات التي انتهجتها الإدارات الأمريكية السابقة في العراق، معتبرا أنها "قوّت إيران وجعلتها تملأ الفراغ" الذي خلفه الاحتلال الأمريكي للبلاد عام 2003.
وقال باراك خلال مقابلة مصورة مع "ذا ناشيونال"، إن الإدارات الأمريكية السابقة ارتكبت خطأً فادحا أدى في النهاية إلى توسيع نفوذ وامتيازات المليشيات المدعومة من إيران داخل البرلمان العراقي".
وأشار إلى أن "النظام السياسي في بغداد يعاني من الآثار طويلة المدى لتلك القرارات"، واصفا الحكومة العراقية الحالية بأنها "نموذج فاشل" ينبغي أن يكون درسا لواشنطن.
وفي تعليقه على رئيس الوزراء العراقي، قال "السوداني رجل كفؤ، لكنه لا يملك أي سلطة فعلية"، عازيا ذلك إلى "هيمنة قوات الحشد الشعبي وممثليها السياسيين في البرلمان، وأن هذه الجماعات "تعيق العملية السياسية وتمنع الرئيس الوزراء من تشكيل أي تحالفات جادة".
"تخوّف كردي"
على الصعيد ذاته، قال المحلل السياسي وأستاذ الإعلام في العراق، غالب الدعمي لـ"عربي21" إن "واقع الحال يشير إلى أن هناك تغييرات كبيرة على مستوى إدارة الملف العراقي وعلى مراكز القوة في العراق، بالتالي ثمة جهات فاعلة ستتراجع في تأثيرها".
وأوضح الدعمي أن "الوضع الدولي والتدخل الأمريكي يقول إن الفصائل ستتنحى وتترك سلاحها، وأن الحشد الشعبي سيرتبط بالقائد العالم للقوات المسلحة، رئيس الوزراء، أو يقوّض أو تحدد صلاحيته وحركته خلال المرحلة المقبلة".
ورجح الخبير السياسي أن "يقل تأثير مراكز المال والسلاح في العراق، فضلا عن التخوف الكردي من تولي توم باراك ملف العراق، كونه يميل إلى المركزية، وهذا يختلف تماما مع توجهات
الأكراد وحكومتهم في إقليم كردستان".
اظهار أخبار متعلقة
من جهته، قال الباحث في الشأن السياسي الكردي، علي باخ، إن "الهواجس الكردية تتفاقم مع التقارير التي تشير إلى تولي باراك ملف العراق إضافةً إلى مهامه كسفير لدى تركيا ومبعوث لسوريا، حيث يثير هذا الدمج مخاوف بنيوية من أن تصبح العدسة التركية- السورية هي المعيار الحاكم لقراءة الوضع العراقي".
وأضاف الباحث في حديث لصحيفة "العالم الجديد" العراقية أن "هذه الريبة تستند إلى مواقف باراك السابقة تجاه قسد في سوريا، التي مالت لتغليب ما يسمى الدولة المركزية والاندماج الواقعي، وهو منطق يخشى الأكراد سحبه على العراق لتقليص استثناءات الإقليم لصالح بغداد عند أي تعارض.
ونوه إلى أنه "رغم قتامة المشهد، إلا أن الخسارة ليست حتمية بالمطلق، فباراك، وبحكم منصبه التنفيذي الذي يفوق سلفه، قد يتيح لأربيل فرصة المقايضة إذا أحسنت تقديم نفسها كعامل استقرار وظيفي في المثلث العراقي- التركي- السوري".
وبناء على ذلك، يرى باخ أنه لا يمكن وصف الحزب الديمقراطي الكردستاني بـ"الخاسر الأكبر" من استبدال مارك
سافيا، بل الأكثر تعرضا لكلفة تغيير قواعد اللعبة من الرهان على الودّ السياسي إلى التعامل مع إدارة ملفات إقليمية متشابكة.
وشدد باخ على أن "الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة لاختبار الواقع، من خلال مراقبة مؤشرات ملموسة".