دخلت الأزمة النقابية في
تشاد منعطفا جديدا عقب صدور حكم قضائي بسجن رئيس النقابة المستقلة للمعلمين، دجيمودويل فاوستين، لمدة عام مع النفاذ.
هذا الحكم، الذي وصفته الأوساط النقابية بـ "السياسي بامتياز"، لم يعد مجرد قضية قانونية، بل تحول إلى شرارة تهدد بتوسيع رقعة الاحتجاجات في البلد الأفريقي الواقع في منطقة شديدة الاضطراب.
وأصدرت محكمة في العاصمة التشادية نجامينا، قبل ثلاثة أيام حكما يقضي بسجن رئيس النقابة المستقلة للمعلمين في تشاد دجيمودويل فاوستين مدة عام مع النفاذ، بعد إدانته بتهمتي "التمرد" و"الإخلال بالنظام العام".
اظهار أخبار متعلقة
ووصف محامي فاوستين الحكم بأنه "محاكمة صورية"، وقال إن موكّله "لم يرتكب أي جرم سوى رئاسته لنقابة" مضيفا أن الحرية النقابية حق أساسي لا ينبغي أن يكون محل جدل أو ترخيص.
وحذر المحامي من تدهور صحة فاوستين نتيجة ظروف الاحتجاز منذ اعتقاله يوم السادس من كانون الثاني/ يناير الماضي، وأكد أنه سيتقدم باستئناف على أمل أن تنظر محكمة الاستئناف القضية خلال شهر وتقرر الإفراج عنه.
متى بدأت الأزمة؟
بدأت الأزمة الحالية في الخامس من كانون الثاني/ يناير الماضي، حين أعلنت النقابة المستقلة للمعلمين في تشاد دخولها في إضراب شامل ومفتوح، عقب ما وصفته بـ "تعنت الحكومة" في الوفاء بتعهدات سابقة أُبرمت خلال جولات حوار سابقة.
ولم يكن هذا التحرك وليد اللحظة، بل هو تراكم لسنوات من التوتر بسبب سياسات التقشف التي طالت مخصصات التعليم منذ عام 2016، وفق متابعين.
وتطور المشهد في السادس من كانون الثاني/ يناير، عندما قامت السلطات الأمنية باعتقال رئيس النقابة، دجيمودويل فاوستين، بتهم وُصفت بأنها محاولة لـ "عسكرة النزاع النقابي".
لكن هذا الاعتقال لم يكسر شوكة الإضراب كما كان متوقعاً، بل حول "فاوستين" إلى رمز للمظلومية النقابية، مما أدى إلى تمديد الإضراب حتى الرابع من شباط/ فبراير الجاري، مع تهديدات بالدخول في "عصيان مدني" شامل حال استمرار نهج الملاحقات القضائية للنشطاء النقابيين.
جوهر المطالب
وقد تجاوزت موجة الاحتجاجات الحالية في تشاد مجرد التوقف عن العمل، لتتحول إلى حراك مطلبي شامل يعكس ما يراه متابعون حالة من الإحباط العميق داخل القطاع التربوي.
وتتمحور مطالب "النقابة المستقلة للمعلمين" حول ضرورة تفعيل "المرسوم 2850"، الذي يمثل حجر الزاوية في تحسين الأوضاع المعيشية للمعلمين، بالإضافة إلى المطالبة بزيادة الرواتب لمواجهة التضخم الجامح وصرف المتأخرات المالية العالقة.
اظهار أخبار متعلقة
وتتهم النقابات الحكومة بـ "التضحية بالمدرسة التشادية على مذبح اللامبالاة"، مؤكدة أن الإضراب الذي انطلق في أوائل يناير الماضي لم يكن خياراً تصعيدياً بقدر ما كان "صرخة استغاثة" بعد استنفاد كافة سبل الحوار السلمي.
ومع سجن القيادي دجيمودويل فاوستين، اتخذت الاحتجاجات بعداً جديداً يربط بين الحقوق المادية والحريات النقابية، حيث يشدد المضربون على أن العودة إلى الفصول الدراسية مرهونة بتحقيق كرامة المعلم والإفراج الفوري عن قياداتهم، محذرين من "انهيار تربوي" وشيك إذا استمر نهج "التهميش الممنهج" من قبل السلطات.
"منعطف خطير"
ويرى الناشط السياسي والاجتماعي محمد البشير حسن حسن صالح، أنه "لم يعد خافياً أن التعليم في تشاد يمر بمنعطف خطير، ليس بسبب نقص الكفاءات، بل نتيجة السياسات الحكومية التي تتقن فن التسويف وتتعامل مع حقوق المعلمين كأوراق للمناورة السياسية مع بداية كل عام دراسي".
وأوضح في تصريح لـ"عربي21" أن ما يشهده المعلمون من إضراب مستمر ليس ترفاً ولا "تمرداً" كما تحاول الحكومية تصويره، بل هو صرخة استغاثة لمواجهة واقع اقتصادي مرير.
وأضاف: "كيف يستقيم العدل في بلد يتقاضى فيه المعلم - الذي يبني عقول الأجيال - راتباً زهيداً أقل من 800 دولار، وينتهي به المطاف بديون البقالة في نهاية الشهر، بينما ينعم المستشارون والوزراء برواتب فلكية تتجاوز الـ 7000 دولار؟ هذا التفاوت الطبقي الصارخ هو الفساد الحقيقي الذي ينخر في جسد الدولة".
"استراتيجية تخدير"
ولفت حسن صالح، في حديثه لـ"عربي21" إلى أن الحكومة التشادية اعتمد على مدار السنوات الأخيرة "استراتيجية تخدير المعلمين بوعود كاذبة لفك الإضرابات مع انطلاقة العام الدراسي".
وتابع: "لكن الأمر تجاوز الوعود الشفهية في العام الماضي، فقد وقع رئيس الجمهورية مرسوماً رسمياً يقضي بتحسين ظروف المعلمين وزيادة رواتبهم، ولكن انتهى العام الدراسي وبدأ عام جديد والمرسوم حبر على ورق".
وأكد أن المعلمين في تشاد لم يخرجوا اليوم للمطالبة بجديد، بل يطالبون بتنفيذ ما وقعت عليه الدولة بنفسها.
واعتبر أن "التمنع عن تطبيق مرسوم رئاسي يخص المعلم، هو استهتار بهيبة الدولة وبكرامة المعلم أيضاً، لذا فإن قرار النقابة والمعلمين بالاستمرار في الإضراب حتى التنفيذ الفعلي هو الموقف الوحيد المتبقي لاسترداد الحقوق".
"شيطنة قادة العمل النقابي"
وتحدث حسن صالح عن محاولات "شيطنة قادة العمل النقابي" من خلال اتهامهم بالتحريض على التمرد وسجنهم، معتبرا ذلك "أسطوانة مشروخة" تلجأ إليها الحكومات حين تعجز عن تقديم الحلول.
وشدد على أن المطالبة بالحقوق المشروعة ليست خروجاً عن النظام، بل هي قمة الوعي الوطني "فالمعلم الذي يطالب ببيئة عيش كريمة، إنما يحمي مستقبله ومستقبل أبنائنا الطلاب من الانهيار".
أين الحل؟
يعتبر حسن صالح أن الحل لا يكمن في التهديد أو السجون، بل في تطبيق المرسوم الرئاسي فوراً، فالمعلم الذي يقضي شهره في "الاستدانة" ليطعم أطفاله، لا يمكنه أن يقدم علماً أو يبني أمة، بحسب تعبيره.
وتضع قضية سجن دجيمودويل فاوستين الدولة التشادية أمام اختبار حقيقي لمصداقية شعارات الحوار الاجتماعي التي ترفعها.
فبينما تراهن الحكومة على أن الحكم القضائي سيعيد الهيبة لمؤسسات الدولة ويضع حداً لما تصفه بـ "التحريض"، يرى مراقبون أن هذا النهج قد يؤدي إلى نتائج عكسية؛ حيث تحول فاوستين من مجرد قائد نقابي إلى "أيقونة" لحراك أوسع يضم فئات مجتمعية متضررة من السياسات الاقتصادية الحالية.
ومع اقتراب موعد الاستئناف المقرر خلال شهر، يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات: فإما أن تغلب لغة العقل عبر تسوية سياسية-قانونية تطلق سراح المعتقلين وتفتح باب المفاوضات المالية، أو أن ينزلق القطاع التربوي نحو "سنة بيضاء" قد تكون تكلفتها السياسية والأمنية أكبر بكثير من تكلفة الاستجابة لمطالب المعلمين.