أفادت صحيفة "هآرتس" العبرية بأن المؤسسة الأمنية والدفاعية في دولة الاحتلال قررت رفع مستوى الاستعداد والجاهزية إلى درجات عليا، وذلك في ظل توترات إقليمية متصاعدة ومعلومات تشير إلى تحرك عسكري أمريكي محتمل تجاه
إيران.
وذكرت الصحيفة، أن هذا الاستنفار جاء مدفوعاً بمخاوف جدية لدى حكومة نتنياهو من أن الرئيس
ترامب قد اتخذ بالفعل قراراً بتوجيه ضربة عسكرية استراتيجية لإيران، ووفقاً للتقديرات، فإن هذه الضربة قد تدخل حيز التنفيذ خلال أيام قليلة، مما وضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان.
اظهار أخبار متعلقة
ومع تراكم الإشارات على اقتراب لحظة حاسمة في مسار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، سواء أكانت حلا دبلومسيا وتهدئة، أو إقدام أمريكي على توجيه الضربة، فأن النخب السياسية والعسكرية الاستراتيجية لدى الاحتلال باتت تعيد إنتاج سيناريوات متفاوتة لما سيكون عليه الموقف مع إيران خلال المرحلة المقبلة.
ومن بين تلك التقديرات، ما يورده رونين بيرغمان المحلل السياسي والعسكري لدى صحيفة "
يديعوت أحرونوت"، نقلاً عن مصادر في المؤسسة الأمنية
الإسرائيلية، من أن قيادة طهران "حسمت الجولة الحالية من التصعيد لمصلحتها"، وأن تقديرات إسقاط النظام "مُبالغ فيه، خصوصاً في ظلّ محدودية المعلومات الاستخباراتية الناجمة عن قطع الاتصالات.
فوضى طويلة لا انتقال منظّم للسلطة
ويطرح بيرغمان أسئلة تفصيلية حول اليوم التالي لأي حملة أمريكية - إسرائيلية مشتركة، من بينها: من سيحمي المتظاهرين؟ من سيسيطر على الشوارع والقواعد والمنشآت النووية؟ ومن سيضبط الحدود الطويلة مع العراق وأفغانستان؟ ليخلص إلى أن غياب أي قوة معارضة منظّمة قادرة على ملء الفراغ، وهو ما سيحوّل سيناريو "قطع الرأس" إلى "وصفة لفوضى طويلة" لا إلى انتقال منظّم للسلطة.
"الوضع في إيران لن يعود إلى ما قبل التظاهرات الأخيرة"
أمّا رون بن يشاي، المحلل العسكري فيربط وفق تقرير له نشرته "
يديعوت أحرونوت"، بين دينامية الاحتجاجات الداخلية في إيران وسلوك النظام الخارجي، منطلقاً من فرضية مفادها أن "الوضع في الجمهورية الإسلامية لن يعود إلى ما قبل موجة التظاهرات الأخيرة".
إذ على الرغم من "نجاح السلطة في تفريغ الشوارع بالقوة"، إلا أن قادة النظام في طهران، بحسب زعم بن يشاي، شعروا بأن "الأرض تهتزّ تحت أقدامهم، وانطلاقاً من ذلك، يرجّح الكاتب سيناريوَين متوازيَين وهما "تصعيد داخلي إضافي ضدّ المعارضين، ومحاولة تصدير الأزمة إلى الخارج.
حيث تقف دولة والمصالح الأمريكية في المنطقة، على رأس لائحة الأهداف الإيرانية بالطبع. وممّا يزيد من قلق تل أبيب في هذا السياق، بحسب بن يشاي، كون قرارات طهران أصبحت "أقلّ عقلانية وأكثر فوضوية"، بعد العملية العسكرية التي شنّتها إسرائيل العام الماضي ضدّها، الأمر الذي يرفع خطر سوء التقدير، حتى لو لم يكن النظام متحمّساً لمبادرة هجومية واسعة ما لم يتعرّض هو نفسه لضربة أولاً.
سيناريوهات أهداف أمريكا.. والرد الإيراني
بدوره، يقدّم "معهد أبحاث الأمن القومي" في تل أبيب، في دراسة صادرة عنه، مقاربة أكثر تفصيلاً للسيناريوات المحتملة لتدخّل أمريكي في إيران. وتذكّر الدراسة التي أعدّها عدد من باحثي المعهد، بأن ترامب سبق أن أقدم بالفعل على استخدام القوّة المباشرة ضدّ قادة وبنى تحتية كبرى في دول محدّدة.
وضرب المعهد مثالا لما حصل لدى اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، ومهاجمة المنشآت النووية الإيرانية في حزيران 2025، وصولاً إلى اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع 2026.
وإذ يجعل ذلك من تهديده بالتدخل العسكري في إيران أكثر قابلية للتصديق من تهديدات سابقيه، فإن ثلاثة مسارات رئيسيّة للعمل العسكري الأمريكي المُحتمل ضدّ طهران، ترتسم بالنسبة إلى الباحثين
وفق ما يلي:
أولاً - ضربة "رمزية" محدودة الحجم ضدّ مواقع أو شخصيات إيرانية، تهدف إلى إثبات جدّية التهديد وإعادة طهران إلى طاولة المفاوضات بشروط أفضل، من دون السعي الفوري لتقويض النظام.
ثانياً - ضربة أوسع مُخصّصة لـ"تقويض النظام" عبر استهداف الحرس الثوري والباسيج والأجهزة الأمنية وشخصيات في هرم السلطة.
ثالثاً - هجوم قوي يركّز على الأصول العسكرية - الصاروخية والنووية، والدفاع الجوي ومنظومات القيادة والسيطرة، بحيث يُصعّب على إيران الردّ، ويزيد تكلفة تمسّكها بالمسار النووي والصاروخي.
وفي مقابل تلك السيناريوات، تضع دراسة "معهد بحوث الأمن القومي" أربعة خيارات محتملة أمام إيران،
وهي:
أولاً - الردّ على القواعد والبنى التحتية الأمريكية في الخليج، بالاستفادة من مخزون الصواريخ القصيرة المدى والطائرات المُسيّرة الانتحارية، مع ما يحمله ذلك من خطر استدراج ضربات أميركية أشدّ قسوة قد تستهدف رأس النظام.
ثانياً - مهاجمة إسرائيل بالصواريخ والطائرات المُسيّرة كطريقة لتفادي مواجهة مباشرة مع الأمريكيين، مع احتمال جرّ "حزب الله" في لبنان إلى معركة جديدة.
ثالثاً - التلويح بخيار إغلاق مضيق هرمز كملاذ أخير يرفع الكلفة على الاقتصاد العالمي، مع ما يعنيه ذلك من تدويل للأزمة.
رابعاً- الانخراط في مسار دبلوماسي يُفضي إلى اتفاق جديد يقيّد تخصيب اليورانيوم وبرنامج الصواريخ الباليستية، بما ينعكس على طبيعة النظام وهويته الأيديولوجية، وهو خيار يشكّك المعهد في إمكانية تحقّقه من دون حدوث تغيّر في قمة الهرم الحاكم، وذلك عبر انقلاب داخلي مثلاً، أو حتى اغتيال المرشد علي
الخامنئي.
اظهار أخبار متعلقة
وعلى أيّ حال، تشير دراسة المعهد، إلى أن تهديدات ترامب المتكرّرة، مقرونة بتأخير التنفيذ، تعكس "استعداداً استثنائياً لاستخدام القوة" من جهة، وحدود القدرة العملانية الأمريكية من جهة أخرى.
وتخلص الدراسة إلى أن احتمالات العمل العسكري ارتفعت فعلاً، لكن أيّ عملية ستكون محكومة بقيود القدرات العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، وبالرغبة في تجنّب
حرب طويلة جديدة، ما يضع إدارة ترامب أمام معضلة بين ضرورة الحفاظ على صدقيّة التهديد، وعدم الانجرار إلى مستنقع استنزاف.