كشفت
صحيفة غلوب أند ميل الكندية، نقلاً عن مسؤولين حكوميين كبار، أن القوات المسلحة أعدّت نماذج عسكرية افتراضية تتناول سيناريو غزو عسكري أمريكي محتمل لكندا، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ أكثر من قرن، رغم تأكيد مسؤولين وخبراء أن هذا السيناريو يظل نظرياً وغير مرجّح عملياً.
وبحسب المسؤولين، فإن هذه النماذج ليست خططاً عسكرية تنفيذية، بل أطر نظرية تُستخدم لتقدير المخاطر القصوى، وتفترض أن الولايات المتحدة، في حال قررت التدخل عسكرياً، ستكون قادرة على السيطرة على المواقع الاستراتيجية البرية والبحرية الكندية خلال أيام، وربما خلال 48 ساعة فقط.
في ظل الفجوة الهائلة في القدرات العسكرية التقليدية بين البلدين، تفترض النماذج الكندية أن الرد الممكن لن يكون عبر مواجهة مباشرة، بل من خلال حرب غير تقليدية تعتمد على مجموعات صغيرة من العسكريين أو المدنيين المسلحين، تستخدم الكمائن، والتخريب، والطائرات المسيّرة، وتكتيكات “اضرب واهرب”.
ويشير أحد المسؤولين إلى أن هذه التكتيكات مستوحاة من أساليب المجاهدين الأفغان في قتال
الجيش السوفييتي خلال ثمانينيات القرن الماضي، ثم من الأساليب ذاتها التي استخدمتها حركة طالبان لاحقاً ضد القوات الأمريكية وقوات حلف الناتو، بما فيها القوات الكندية. ويهدف هذا النهج، وفق التصور، إلى إيقاع خسائر بشرية كبيرة في صفوف القوات الأمريكية المحتلة، ما يجعل الاحتلال مكلفاً وغير قابل للاستدامة.
اظهار أخبار متعلقة
ويأتي هذا التفكير العسكري في سياق تصاعد التوترات السياسية خلال عهد الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب، الذي لوّح مراراً بضم غرينلاند، وهدد بفرض رسوم جمركية على دول أوروبية، وسبق أن أطلق تصريحات مثيرة للجدل حول إمكانية أن تصبح
كندا “الولاية الأمريكية الحادية والخمسين”.
كما أفادت الصحيفة بأن كندا تدرس إرسال قوة رمزية إلى غرينلاند للمشاركة في مناورات عسكرية أوروبية، في خطوة تضامنية مع الدنمارك، وسط قلق متزايد في أوتاوا من تحولات الخطاب الأمريكي، خصوصاً في منطقة القطب الشمالي.
ورغم هذه النماذج، يؤكد مسؤولون كنديون أن العلاقات العسكرية مع واشنطن لا تزال إيجابية، وأن التعاون مستمر ضمن قيادة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية (NORAD)، إضافة إلى العمل المشترك على منظومة دفاع قاري جديدة تعرف باسم “القبة الذهبية”، لمواجهة تهديدات صاروخية محتملة
من روسيا أو الصين.
وتفترض النماذج أيضاً أن أي هجوم أمريكي سيكون مسبوقاً بإشارات سياسية وعسكرية واضحة، من بينها إنهاء التعاون في NORAD. وفي حال حدوث ذلك، قد تطلب كندا دعماً من دول نووية حليفة مثل بريطانيا أو فرنسا. كما جرى استبعاد التجنيد الإجباري في هذه المرحلة، مقابل الاعتماد على قوة احتياطية ضخمة من المتطوعين قد يتجاوز عددهم 400 ألف عنصر.
من جهته، قال اللواء المتقاعد ديفيد فريزر، الذي قاد قوات كندية في أفغانستان، إن فكرة اضطرار كندا للتخطيط لغزو أمريكي “غير معقولة”، لكنها تعكس واقعاً سياسياً جديداً. وأضاف أن كندا يمكنها استخدام طائرات مسيّرة وأسلحة مضادة للدبابات على غرار ما استخدمته أوكرانيا ضد روسيا، مؤكداً أن احتلال كندا سيكون بالغ الصعوبة حتى على الجيش الأمريكي.
بدوره، وصف الفريق المتقاعد مايك داي فكرة الغزو بأنها “خيالية”، لكنه أقر بأن كندا لا تملك القدرة على صد غزو تقليدي واسع، معتبراً أن السيطرة على دولة بحجم كندا تتجاوز القدرات العملية لأي قوة عسكرية، بما فيها الولايات المتحدة.
ويجمع خبراء دفاعيون وأكاديميون على أن هذه السيناريوهات، رغم بعدها، تسلط الضوء على حاجة كندا الملحّة لتعزيز قدراتها الدفاعية الوطنية، ليس فقط كرادع محتمل، بل لضمان أمنها السيادي في ظل تحولات غير مسبوقة في النظام الدولي.