من فنزويلا إلى غرينلاند وصولا لإيران.. ترامب يستمتع بصناعة "عالم مجنون"

قالت صحيفة الغارديان إن ترامب يجد متعة في التناقضات لدرجة أصبح فيها الجنون هو النهج- البيت الأبيض
قالت صحيفة الغارديان إن ترامب يجد متعة في التناقضات لدرجة أصبح فيها الجنون هو النهج- البيت الأبيض
شارك الخبر
بات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يستخدم "نظرية الرجل المجنون" لمحاولة تغيير العالم، حيث يسعى إلى إقناع خصومه بأنه قادر على فعل أي شيء وفق حالته المزاجية، وفقا لعلماء السياسة.

كما وأصبح العالم الذي يشكله ترامب، يقوم على الجنون الممنهج، حيث يجد الرئيس الأمريكي متعة في التناقضات لدرجة أصبح فيها الجنون هو النهج، وهذا واضح في تعامله مع فنزويلا ومطالبه المتكررة بالسيطرة على جزيرة غرينلاند وتهديده بضرب إيران، بحسب وصف افتتاحية صحيفة "الغارديان".

في تحليل لكبير مراسلي شبكة "سي أن أن"، للشؤون السياسية ستيفن كولينسون، ومع ازدياد قبضة الرئيس الأمريكي الاستثنائية -والمرهقة للغاية- على النفسية العالمية، قال فيه إن التوتر خيم بشدة على واشنطن، وامتد عبر المحيط الأطلسي، وغطى الشرق الأوسط.

اظهار أخبار متعلقة


ومع عالم مجنون كما يصف الوضع ترامب، انتظر الجميع رؤية نيرانًا من السماء، وسط تساؤلات "هل سيشن الرئيس ضربة على إيران للوفاء بوعده بأن المساعدة قادمة بعد القمع الوحشي للمتظاهرين، أم أنه ينسحب، بناءًا على ما يبدو أنها تأكيدات مشكوك فيها من مصدر في إيران بأن عمليات الإعدام ستتوقف؟، حيث قال ترامب للصحفيين: "سنراقب ونرى ما سيجري"، ما جعل الجميع ينتظرون ليروا ما سيفعله ترامب لاحقًا.

كولينسون أكد أن ترامب يعشق ذلك، فهو يجلس خلف مكتبه في المكتب البيضاوي، يطلق التهديدات والخداع والإهانات مثل قائد أوركسترا يقود فرقة موسيقية - لكنه لا يخلق الانسجام بل الفوضى العالمية.

وعندما سُئل كيف يمكنه أن يثق في وعود نظام إيراني فرض للتو حملة قمع وحشية وقتل ما لا يقل عن عدة آلاف من شعبه بعد عقود من الاستبداد الشديد، ترك ترامب الأمريكيين في واحدة من نهاياته المعلقة الكلاسيكية، اكتفى بالقول للصحفيين: "سنكتشف الأمر. سأكتشفه بعد ذلك. ستكتشفونه أنتم أيضًا، لكننا تلقينا معلومات من مصادر موثوقة، وآمل أن تكون صحيحة. من يدري؟ من يدري. عالم مجنون".

مناقشة الهجوم على إيران بالتزامن مع الترويج للحليب

كبير مراسلي شبكة "سي أن أن"، تطرق إلى ما عده تناقضا غريبا في سلوك الرئيس، حيث اختار ترامب التحدث مطولًا عن قضية خطيرة تتعلق بالحرب والسلام خلال فعالية أقيمت في المكتب البيضاوي للترويج للحليب كامل الدسم الذي ستتمكن المدارس من تقديمه للأطفال بموجب قانون تم إقراره حديثًا.

ترامب قال ومن حوله عدد من الأطفال والمسؤولين الأمريكيين: "أتذكرون الأيام الخوالي عندما كنا أطفالًا؟" سأل ترامب مجموعة من الصحفيين الذين كانوا يتوقون إلى إجابات حول ما إذا كان على وشك شن هجوم على إيران.

وفي استطراد مُربك، تابع الرئيس قائلًا: "كان الجميع يتشاركون زجاجة. أما اليوم، فنحن لا نميل إلى فعل ذلك. ولكن إذا كنت ترغب في ذلك، وإذا كنت تثق بالشخص الذي ستشرب منه بعدها، فهي هنا، إنها لك. حسناً؟"، قال الرئيس عن زجاجة حليب كانت موضوعة على مكتبه: "إنها شبه طازجة - عمرها 5 أو 6 أيام".

منعطف غير عادي في ملحمة غرينلاند

استقبل البيت الأبيض وفدًا من غرينلاند والدنمارك عقب مطالبة ترامب بامتلاك أكبر جزيرة في العالم.
يجدر التأكيد على مدى غرابة هذه الزيارة، كان المسؤولون في واشنطن للإصرار على أن الإقليم الدنماركي شبه المستقل ليس للبيع، وأنه لا ينبغي لترامب أن يحاول شراءه أو غزوه.

في ولاية ترامب الأولى، كانت فكرة محاولته ضم غرينلاند، سعيًا منه لتخليد اسمه في التاريخ كأحد الرؤساء الذين حققوا "القدر المحتوم" لأمريكا بمنحها أراضٍ جديدة، تُعتبر ضربًا من ضروب المزاح. أما في ولايته الثانية، فقد بات هذا القائد الأعلى المتهور يُؤخذ على محمل الجد من قبل القادة الأوروبيين الذين توعدت استراتيجيته للأمن القومي باستبدالهم بشعبويين يمينيين.

هنا، المواجهة تزداد غرابة لأن غرينلاند تابعة لحلف الناتو. مزاعم ترامب بأن الدنمارك عاجزة عن الدفاع عنها لا معنى لها: فالدنمارك جزء من أقوى تحالف عسكري في العالم. أي هجوم على الجزيرة سيُعتبر هجومًا على جميع أعضاء الناتو بموجب ضمانة الدفاع المشترك.

كان أسوأ ما يمكن أن يحدث في المحادثات مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو هو نشوب خلاف حاد يُذكّر بتوبيخ فانس للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي العام الماضي. ويبدو أن مثل هذه الكارثة قد تم تجنبها، على الرغم من أن الوفد الذي بدا عليه القلق الشديد خرج ليقول إن هناك "خلافًا جوهريًا" لا يزال قائمًا حول مصير غرينلاند.

وفي وقت لاحق، في المكتب البيضاوي، اشتكى الرئيس من أنه يحتاج إلى غرينلاند من أجل درع الصواريخ المقترح "القبة الذهبية"، وحذر من أن روسيا والصين تستعدان للتحرك إلى المنطقة، حيث توجد بالفعل قاعدة أمريكية.

كما انتقد بشدة القدرات العسكرية لحليف شجاع في الناتو أرسل قواته للموت إلى جانب الأمريكيين في حروب ما بعد 11 أيلول/سبتمبر بسبب نفس شعار "الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع" الذي استندت إليه الدنمارك وجميع الأعضاء الآخرين لصالح الولايات المتحدة بعد هجمات القاعدة في عام 2001.

وبعد سخرية الرئيس من غرينلاند، قائلا: "لقد وضعوا زلاجة كلاب إضافية هناك الشهر الماضي. وأضافوا زلاجة كلاب ثانية. هذا لن يحل المشكلة"، وخلال اليوم نفسه، اتخذت الأزمة منعطفًا غير مسبوق. حيث أعلنت الدنمارك إرسال قوات عسكرية إضافية إلى الجزيرة، وانضمت إليها دول إسكندنافيا المجاورة.

كما وأرسلت السويد عددًا غير محدد من القوات إلى الجزيرة، بينما تنشر النرويج جنديين. وأعلنت ألمانيا أنها سترسل 13 عسكريًا في "مهمة استكشافية" للانضمام إلى حلفائها في الناتو، أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فقد أعلن أنه أرسل قوات فرنسية للانضمام إلى عملية "القدرة على التحمل في القطب الشمالي" التي تم تنظيمها على عجل في غرينلاند.

من الواضح أن هذه الانتشارات ذات طابع رمزي؛ فهي لن تُضاهي قوة القوات المسلحة الأمريكية. ومع ذلك، فإن دلالتها الرمزية هائلة. إذ تُرسل الدول الأوروبية جنودها لإظهار قدرتها على الدفاع عن أراضي الناتو، ليس ضد روسيا أو الصين أو أي جماعة إرهابية، بل ضد رئيس الولايات المتحدة - الزعيم الأقوى والأكثر أهمية في التحالف الغربي.

كولينسون يسأل: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل سيواصل ترامب ضغوطه لمحاولة إجبار الدنمارك على بيع غرينلاند - على الرغم من أنه لم يقدم أي خطة بشأن مصدر مئات المليارات من الدولارات التي من المحتمل أن ينطوي عليها الأمر؟".

ويضيف، "ما حجم المعضلة الحقيقية لكبار قادة البنتاغون الذين يُديرون حلف الناتو في حال اتبع ترامب غارته الجريئة التي أطاحت بالزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو والمغامرة بإرسال قوات أمريكية للاستيلاء على أراضي غرينلاند؟".

وكعادته، تاركا الباب أمام كل أنواع التأويلات، ترامب لا يقول شيئًا، بل يقول: "سنرى ما سيحدث مع غرينلاند"، مستخدمًا عبارة مفضلة لديه بينما يتخذ وضعية الشخص الخارجي الذي يعلق على الأحداث التي يكون هو الفاعل الوحيد فيها.

رئيس يتمايل بين أزمات متعددة

يختبر بقية العالم نمط الحياة في أمريكا على مدى 5 سنوات، خلال فترتي حكم ترامب. يواجهون رئيسًا يحكم وفقًا لأهوائه، واستراتيجيته تقوم على عدم وجود استراتيجية واضحة، بل إبقاء الجميع في حيرة من أمرهم.

يرى مؤيدو ترامب أن عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته ميزة، وأنه جعل العالم متوترًا وأعاد بناء قوة الولايات المتحدة ونفوذها. فإذا كان هو نفسه غير متأكد مما سيفعله لاحقًا، فكيف يمكن لخصوم الولايات المتحدة أن يكونوا متأكدين؟.

يستطيع ترامب أن يتباهى بإنجازات لا تُنكر في السياسة الخارجية، فقد ألحق ضررًا بالغًا بالبرنامج النووي الإيراني، ولم يُقابل ذلك إلا بردود فعل ضئيلة من طهران، وهي خطوة لم يجرؤ عليها رؤساء آخرون. قد لا يملك خطة لفنزويلا ما بعد مادورو، سوى بيع نفطها، لكن شعبها المنهك والفقير لن يفتقد الديكتاتور. 

كما وأعلنت الإدارة الأمريكية، بدء المرحلة الثانية من خطة ترامب للسلام في غزة، والتي تركز على بدء نزع سلاح حماس وإعادة إعمار القطاع، ورغم ذلك، لا يزال هناك شعور بأن ترامب يتصرف بشكل ارتجالي، كلاعب خفة يد يحاول جاهدًا إبقاء كرات متعددة في الهواء في آن واحد، ويكاد لا يستطيع منعها من السقوط. ورغم سلسلة من العمليات العسكرية الناجحة - والمثيرة - فإن حظ ترامب قد لا يدوم إلى الأبد. وقد يدفعه غروره إلى تجاوز الحدود.

إيران مثالًا على قيادة ترامب المتهورة

يُعد الوضع في إيران مثالًا واضحًا على قيادته المتهورة والتي غالبًا ما تكون عصية على الفهم،  فعلى مدى أيام، بدا أن ترامب يسير على طريق لا مفر منه نحو شن هجمات عسكرية جديدة على إيران بعد أن حذر مرارًا وتكرارًا من أنه سيعاقب النظام الإيراني المتعثر لتجاهله تحذيراته بعدم قمع المتظاهرين.

وكانت كل المؤشرات تنذر بالتحرك، وطلبت الولايات المتحدة من بعض أفرادها فعلا مغادرة قاعدتها الشاسعة في صحراء قطر، التي تُعد هدفًا محتملًا لأي رد فعل. وحثت دول عديدة مواطنيها على مغادرة إيران وتأجيل السفر إلى المنطقة.

وفي ليلة الأربعاء، أغلقت إيران مجالها الجوي، على ما يبدو لتسهيل رصد أي طائرات حربية أمريكية أو إسرائيلية متسللة. وأظهرت أجهزة تتبع الرحلات الجوية تدفقات من الطائرات المدنية وهي تحوّل مسارها حول أراضيها - وهو ممر جوي مزدحم عادة بين أوروبا وآسيا.

لبضع ساعات في وقت سابق من يومي الثلاثاء والأربعاء، أصبح من الممكن إجراء مكالمات هاتفية من داخل إيران إلى العالم الخارجي بعد انقطاع الاتصالات والإنترنت الذي تم فرضه وسط بعض من أخطر الاحتجاجات على الإطلاق ضد النظام الإيراني.

قالت نازيلا فتحي، التي عملت مراسلة لصحيفة نيويورك تايمز في طهران، لشبكة "سي أن أن": "بدأ الناس بالصراخ والاحتجاج. بدا أن الناس كانوا مرعوبين حقًا من المذبحة التي شنها النظام هذا الأسبوع. ولكن في الوقت نفسه، كانوا يتوقعون نوعًا من الضربة العسكرية".

رغم كل تهديداته، قد يكون ترامب يُعيد النظر في قراره. فإرسال القوات الأمريكية إلى القتال أمرٌ مُرهِق لأي رئيس. وأي هجوم على إيران يهدف إلى إضعاف آلة القمع التابعة للنظام سيتطلب أن يكون واسع النطاق وعميق التأثير. وقد لا يكون ذلك النوع من الصدمة السريعة والحادة التي ميزت الضربات الأمريكية في فنزويلا.

وبالطبع، قد يكون تراجع ترامب المحتمل عن العمل العسكري مجرد خدعة. فقبل أن يضرب البرنامج النووي الإيراني العام الماضي، أوحى بأن أمام طهران أيامًا معدودة للتوصل إلى اتفاق، ثم أرسل قاذفات أمريكية شبحية في مهمة جريئة حول العالم لاستهداف مواقعها النووية.

ترامب يخلق توقعات هائلة

حرص الرؤساء السابقون على تجنب أي انطباع بأنهم يدعون المتظاهرين الإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع. وذلك لتجنب منح النظام ذريعة للادعاء بأنه يتصرف نيابة عن الشيطان الأكبر، الولايات المتحدة.

ولكن لم تكن لدى ترامب مثل هذه المخاوف، حيث دعا قائلا: "أيها الوطنيون الإيرانيون، استمروا في الاحتجاج - استولوا على مؤسساتكم!!!... المساعدة في طريقها إليكم"، هكذا قال الرئيس في منشور على موقع "تروث سوشيال".

اظهار أخبار متعلقة


ومن المفترض أن يرى المتظاهرون الذين يتحدون وحشية قادتهم هذا بمثابة دعوة للعمل ووعد بالدعم، وقال كريم سجادبور، من مؤسسة "كارنيغي" للسلام الدولي، للشبكة: "إذا لم يفعل شيئًا، فسينظر إليه التاريخ على أنه خيانة استراتيجية وأخلاقية لأنه شجع المتظاهرين على النزول إلى الشوارع لأسابيع، واستمر في طمأنة الإيرانيين بأنه يدعمهم، وشاهد مقتل آلاف المتظاهرين".

وأضاف: "في الوقت نفسه، ينطوي العمل العسكري على مخاطر جمة. لا توجد حلول سحرية تمكننا من القضاء على النظام بشكل كامل وإرساء ديمقراطية علمانية".

من الصعب تصور كيف سينجو الرئيس من هذا المأزق. فالتهديدات والمراوغات ومحاولات التلاعب بجميع جوانب السياسة الخارجية لن تجدي نفعًا إلى الأبد، كما أن الرئيس الأمريكي الذي يحتقر عمليات السياسة التقليدية، ويتصرف بناءً على حدسه، ويقول إنه رجل سلام، يزداد ميله إلى العمل العسكري الصادم والعنيف، وكما يقول "إنه عالم مجنون".
التعليقات (0)