تسببت قرارات حكومية عراقية تتعلق بالجمارك والتعرفة الجمركية، بارتدادات كبيرة على السوق
العراقية والمواطنين، إضافة إلى عدم تحقيق الهدف من القرار، الذي كان يسعى إلى تحقيق إيرادات جمركية.
وأعلنت الحكومة العراقية خلال الأسبوع الماضي جملة قرارات
اقتصادية، تمثلت في إدخال نظام "الأسيكودا" حيز التطبيق، إضافة إلى رفع التعرفة الجمركية على أغلب السلع، وكذلك تغيير التعامل مع الحاويات من التعرفة على أساس الحجم إلى التعرفة على أساس قيمة البضائع التي تحملها.
وأثارت هذه القرارات تباينا كبيرا بخصوص تداعياتها وخصوصا على انسيابية العملية التجارية، وانعكاسات الأزمة على المواطنين رغم أن الحكومة سعت من خلال توقيت تطبيق ذلك إلى تحقيق إيرادات مالية تعوض فيها انخفاض أسعار
النفط لدفع رواتب الموظفين.
"أزمة مفتعلة"
وبخصوص الجدل الحاصل حول القرارات، قال الخبير الاقتصادي العراقي، عبد الرحمن المشهداني، إن "الموضوع جرى تضخيمه، لأن المسألة تنظيمية وليست مالية كما تفسر حاليا، وأن نظام الأسيكودا مطبق في أكثر من 110 دول، ووظيفته تنظيم التجارة".
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف المشهداني لـ"عربي21" أن "البرلمان العراقي شرّع قانون التعرفة الجمركية رقم 22 لعام 2010، ولم يستطع تطبيقه، وأن صندوق النقد الدولي حاول في عام 2016 توحيد المجاميع السلعية، على أمل إكمال البنية التحتية لأتمتة العملية الجمركية وتطبيق نظام الأسيكودا".
وأوضح أنه "جرى الاتفاق في حينها مع منظمة أممية تابعة للأمم المتحدة لتطبيق نظام الأسيكودا، والذي يعطي بيانات تفصيلية كاملة عن السلعة من المُصنّع إلى الشحن وحساباتها المصرفية، لتدخل إلى الموانئ من دون الحاجة إلى فتح الحاويات".
ولفت إلى أن العراق من نهاية عام 2017 اتبع نظاما متخلفا حيث يدفع التاجر مبلغا ماليا مقطوعا حسب حجم الحاوية، بغض النظر عن المواد المستوردة.
ولفت إلى أنه عندما تتم مقارنة المبلغ المحوّل مع قيمة السلع الداخلة للعراق نجد فجوة كبيرة، ففي عام 2025 أعلنت
الجمارك أن قيمة السلع الداخلة من كل المنافذ العراقية بما فيها منافذ إقليم كردستان كانت 35 مليار دولار، في حين أن المبالغ التي حوّلها البنك المركزي تصل إلى 85 مليار دولار.
وأردف: "إذا حسبنا وجود 10 مليارات عمليات تحويل أخرى غير التجارية، فإن مجموع المبلغ الفعلي الكلي يكون 45 مليارا، ويبقى 40 مليارا لا يعرف أحد مصيرها، وهذا كان السبب الرئيس في فرض عقوبات أمريكية على المصارف العراقية، لأن هناك عملية تهريب للأموال وغسيل وتمويل للإرهاب.
اظهار أخبار متعلقة
وأكد المشهداني أن تطبيق نظام الأسيكودا سيكون دقيقا في عملية مطابقة الشراء والمبالغ المالية المحوّلة لها، والمساءلة عن أي مبالغ مجهولة أخرى، وهذا الإجراء لا يروق للتجار، بالتالي هم من صنع الأزمة الحالية وليس غيرهم.
وبحسب الخبير فإن "هؤلاء التجار لجأوا إلى إقليم كردستان العراق ظنا منهم أنهم سيحرجون الحكومة بعدم التعامل مع المنافذ الاتحادية لمدة شهر، وبالتالي لا تحصل بغداد على النقد العراقي لدفع رواتب الموظفين، وهذا لا يدل إلا على تفكير ضيق الأفق وقاصر"، بحسب تعبيره.
وجزم المشهداني بعدم التراجع عن تطبيق نظام الأسيكودا بعد تطبيقه الآن، وأنه جرى ربطه بعملية التحويل الخارجية، لأن التجارة تموّل من البنك المركزي العراقي، بتقديم التاجر فاتورة أولية للشراء ويتم تحويل المبلغ.
وأشار إلى أن "إقليم كردستان لن يبقى خارج المنظومة".
ورأى المشهداني أنه إذا لم يلتزم الإقليم بتوحيد التعرفة الجمركية باعتبارها تعرفة اتحادية، فإن التاجر لن يستطيع التحويل إلا عن طريق البنك المركزي، لأن السوق الموازي لن يكون قادرا على تلبية رغباته.
وأكد الخبير الاقتصادي أن "إقليم كردستان إذا لم يلتزم بالتعرفة الجمركية الموحدة، فإن الحكومة العراقية ستضع ثلاث منافذ للبضائع القادمة من الإقليم، واحدة في الموصل واثنتين في كركوك، بالتالي يعاد ترسيم البضائع هناك".
وعن مدى تأثير رفع التعرفة الجمركية على المواطنين، قال المشهداني إنها لم تشمل المواد الغذائية، لكنها شملت السيارات والذهب والأجهزة الكهربائية.
تضرر المستفيدين
في السياق ذاته، قال المحلل الاقتصادي العراقي، ضرغام محمد علي لـ"عربي21" إن العراق كان يعاني من وجود خلل في عملية التحاسب الجمركي بسبب نوعية البضائع، لأن المبالغ كانت تقتطع على حجم الحاوية وليس لها علاقة بنوع البضاعة وهذا أدى إلى خسائر كبيرة جدا.
ولفت إلى أن "الأسيكودا نظام عالمي، وأن ردود الأفعال المبالغ بها بعد إعلان تطبيقه في العراق تنقسم إلى نوعين، الأول هم السياسيون الذين كانوا مستفيدين من المنافذ الحدودية والفساد الحاصل فيها، إضافة إلى سياسيين آخرين يهربون أموال
الفساد إلى خارج العراق".
الطرف الآخر، "التجار الذي تضايقوا من هذا النظام كونهم اعتبروه عرقلة للتجارة الحرة كون التعرفة الجمركية كانت على أساس حجم الحاوية، لذلك التلاعب بسعر صرف الدولار في السوق الموازي هو أمر مفتعل منهم، وليس بسبب تطبيق نظام الأسيكودا".
وأكد الخبير أنه "لا يوجد تراجع عن تطبيق هذا النظام نهائيا، وأن عملية أتمتة الجمارك تصب حاليا لصالح الإقليم، لذلك الحكومة العراقية ستواجه هذا الأمر بحصر البضائع القادمة من هناك إلى الجمرك وفرض رسوم عليها، أو الالتزام بالأسيكودا الذي يطبق في كل العراق، لأن من يستورد عن طريق الإقليم سيدفع الضريبة مرتين مرة في الإقليم ومرة خارجه".
وأشار إلى أن "تطبق الأسيكودا في الوقت الحالي سببه قلة السيولة النقدية لتأمين رواتب الموظفين، جراء انخفاض العائد النفطي بشكل كبير، لذلك ثمة توجه للحكومة لتنمية العائد غير النفطي ضمن سياسة الإصلاح الاقتصادي".
اظهار أخبار متعلقة
وبيّن علي أن "المنافذ والضرائب وجباية أجور الكهرباء والماء وأتمتة كل المعاملات الحكومية ستساعد على تقليل نسب الفساد وزيادة الإيراد الحكومي، وأن عمل الحكومة الإلكترونية سيقلل تدخل العنصر البشري في إنجاز المعاملات".
وتوقع الخبير أن تقلل هذه الإجراءات نسب الضائعات وتعزز الشفافية والدورة المالية داخل الحكومة، وبالتالي تمكنها من إصدار تقارير الحسابات الختامية التي يفتقر لها العراق حاليا، والتي من غير الممكن صياغة سياسات مالية جديدة تخدم البلد بدون وجودها ومعرفة التدفقات المالية الحقيقية.
وخلص إلى أن الشمول المالي ضعيف في العراق، وأن فرض الأتمتة في دفع العديد من الفواتير ساعد في الشمول، ولكن بنسب لم تصل إلى مستوى الطموح، لذلك عملية إحالة المصارف العراقية إلى مؤسسات عالمية بهدف تطويرها خلق ثقة أكبر بالجهاز المصرفي العراقي، إضافة إلى تأسيس شركة ضمان الودائع بهدف زيادة ثقة المواطن بالمصارف الخاصة وهذا انعكس إيجابا.
وأكد الخبير العراقي في ختام حديثه أن العراق يشهد حاليا هجرة كبيرة من المصارف الحكومية إلى المصارف الخاصة، فبعدما كانت الأولى تستحوذ على 90 بالمئة من ودائع المواطنين، انخفضت إلى 60 بالمئة.
ورغم إنفاق العراق لأكثر من 2 تريليون دولار في موازناته العامة منذ عام 2004 وحتى اليوم، لم يحدث أثر إنتاجي في اقتصاده وتنويع مصادر دخله، وإنما بقي اقتصاده ريعيا يعتمد على النفط، الذي يتعرض إلى صدمات خارجية من خلال التغيرات التي تحصل في أسعاره.