رحلة الإسراء والمعراج بين السنن الجارية والسنن الخارقة.. قراءة مختلفة

إن الله أراد أن ينقل المسألة الدينية من ذلك الإيمان المتردد إلى الرسوخ والاستقرار واليقين والتضلع بقيم الإيمان الكبرى على يد النبوة الخاتمة، فكان ذلك من جملة الرحمة الإلهية بالناس.
إن الله أراد أن ينقل المسألة الدينية من ذلك الإيمان المتردد إلى الرسوخ والاستقرار واليقين والتضلع بقيم الإيمان الكبرى على يد النبوة الخاتمة، فكان ذلك من جملة الرحمة الإلهية بالناس.
شارك الخبر
في هذه المقالة الخاصة بـ "عربي21"، يقدّم الدكتور حاتم عبد العظيم، الباحث المصري في الشؤون الفكرية والإسلامية، رؤية متعمقة لواحدة من أعظم الأحداث في السيرة النبوية: رحلة الإسراء والمعراج. ولا يقتصر هذا البحث على استكشاف المعجزات الخارقة للرحلة، بل يتناول البعد السنني والعقلي لهذا الحدث العظيم، موضحًا كيف تتكامل الآيات الخارقة مع السنن الجارية في الكون لتشكّل أساسًا للإيمان الراسخ والمستمر عبر الأجيال.

وتتجاوز أهمية هذا البحث مجرد التأمل في المعجزات؛ فهو يؤكد البعد الديني الراسخ الذي يجعل من مسرى رسول الله ﷺ قضية ذات معنى عميق لدى المسلمين، إذ لا تُختصر قيمته في الإثارة الروحية، بل تمتد لتشمل تدريب العقل على فهم الغيب، وتفعيل اليقين بالإيمان، واستيعاب الحكمة الإلهية في السنن الظاهرة والمستترة.

من خلال هذه الدراسة، يُفتح الباب أمام إعادة قراءة آية الإسراء والمعراج قراءة سننية شاملة، تُمكّن العقل والوعي من فهم الرسالة النبوية بطريقة تتجاوز المعجزات الفردية لتصل إلى تجسيد الفاعلية الدينية في الحياة العملية، وتعميق الصلة بين الإنسان وربه عبر اليقين بالغيب والتمسك بالقيم الكبرى للإيمان.


حدث استثنائي

تبدو رحلة الإسراء والمعراج حدثا استثنائيا في السيرة النبوية الشريفة، وهي حدث كثيف الدلالات والمعاني والدروس، بيد أن البعد السنني في ذلك الحدث المهيب مغفول عنه أو يكاد.

صحيح أن الرحلة الشريفة جاءت بعد سلسلة من الأحزان والنوازل الشديدة، فقد سبقها حصار قاس امتد لثلاث سنين في شعب أبي طالب، وما برح النبي ﷺ يخرج من ذلك الحصار حتى فجأه موت أبي طالب وخديجة لا يفصل بينهما إلا أيام، ليفقد بموتهما الظهير الداخلي المتمثل في الزوجة الحنون الرؤوم المواسية المواتية، والظهير القبلي المتمثل في أبي طالب زعيم بني هاشم الصلب العنيد، ولتنال قريشا من رسول الله ﷺ ما لم تنله من قبل، ثم تأتي رحلة الطائف بما عقده النبي عليها من آمال الحماية لأصحابه والحماسة لدينه من قبيلة بينها وبين قريش تنافس وعداوة باديان، غير أن عصبية ثقيف لوثنيتها غلبت عداءها لقريش فردت النبي ﷺ ردا جافيا قاسيا لتأتي الرحلة الميمونة إسراء ومعراجا لتمسح عن رسول الله ﷺ ما مسه من الأذى والكدر ويعود مزودا من مشاهد الغيب الهائلة ما تهون أمامه كل آلام الحياة، ولتجري سنة الله في أن الكرب منقطع لا محالة، وأن الفرج وارد على الشدة وأن مع العسر يسرا.

تبدو رحلة الإسراء والمعراج حدثا استثنائيا في السيرة النبوية الشريفة، وهي حدث كثيف الدلالات والمعاني والدروس، بيد أن البعد السنني في ذلك الحدث المهيب مغفول عنه أو يكاد.
لكن سورة الإسراء تضعنا أمام مفارقة أخرى لافتة في فهم الحدث الجليل ودلالاته السننية، فقد دعت قريش رسول الله ﷺ للتفاهم والتفاوض، ووضعت قائمة مطالب زعمت أن لو أجاب إليها رسول الله ﷺ زعمت قريش أنها ستتبعه وتدخل في دينه، وقد سجلت آيات الإسراء تلك المطالب القرشية: " وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا".

ويروي ابن عباس تلك المساجلة مختصرة، فيقول: "إن رؤساء أهل مكة أرسلوا إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم جلوس عند الكعبة، فأتاهم فقالوا يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لننتفع فيها، وفجر لنا فيها ينبوعا أي : نهرا وعيونا نزرع فيها، فقال: لا أقدر عليه، فقال قائل منهم: أو يكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، فقال: لا أقدر عليه، فقيل: أو يكون لك بيت من زخرف. أي: من ذهب. فيغنيك عنا، فقال: لا أقدر عليه، فقيل له: أما تستطيع أن تأتي قومك بما يسألونك، فقال: لا أستطيع، قالوا: فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر، فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفا. أي : قطعا بالعذاب، وقوله: كما زعمت إشارة إلى قوله تعالى:" إذا السماء انشقت " (الانشقاق:1)، وقوله:"إذا السماء انفطرت" (الانفطار:1) فقال عبد الله بن أمية المخزومي - وأمه عمة رسول الله ﷺ :لا والذي يُحلف به لا أومن بك حتى تشد سلما فتصعد فيه ونحن ننظر إليك، فتأتي بأربعة من الملائكة يشهدون لك بالرسالة ثم بعد ذلك لا أدري أنؤمن بك أم لا" ( التفسير الكبير للفخر الرازي ج 21 / ص 48) وقد أورد ابن إسحق الرواية على وجه أكثر تفصيلا ووضوحا.

كان الطرح القرشي واضحا: نريد جملة من الآيات الحسية تخرق النواميس المعتادة فتثبت نبوتك على نحو ما جرى للأنبياء من قبل، وتكون لنا في تلك الآيات منافع دنيوية ظاهرة، ومفاخر من القصور الفارهة والجنات الوارفة نباهي بها العرب والعجم!

ولما لم يستجب النبي لذلك عدلوا إلى طلب خرق النواميس ولو بآيات العذاب بشق السماء وفطرها على الأرض ـ استبعادا لقدرته على ذلك ـ .

فإن لم تفعل هذا ولا ذلك فاصعد إلى السماء ونحن نراك، وأنزل علينا كتابا جديدا يمحو ذلك الكتاب السابق ويبطله ربما باعتباره كتاب المستضعفين، أو طلبا لذكر سادة قريش بخير في ذلك الكتاب الجديد!

كانت قريش ترغب في عودة النبوة لمربع الآيات الخارقة، ولا ترى إمكانا للإيمان إلا على قاعدة تلك الآيات الحسية الخارقة، بيد أن المنهج الذي بعث به النبي ﷺ كان مختلفا، فالإيمان لا يتم تمامه إلا إذا كان قائما على التصديق بالغيب، ولذلك التحول في المنهج تفسيراته الواضحة التي تتسق تماما مع كمال الدين وتمام النعمة الإلهية على جملة البشر نجملها فيما يأتي:

ـ كل النبوات قبل محمد ﷺ كانت محدودة زمانا ومكانا وجمهورا، فلا ضير في أن يُخاطب الجيل المقصود بشيء من الآيات الخارقة لتكون برهان النبوة، أما من بعثه الله للعالمين، وجعل نبوته خاتمة النبوات، وأرادها عابرة للزمان والمكان فلا يستقيم أن تُبنى دعوته على آيات لا يراها إلا أهل زمانه، ثم يحرم منها من يأتون بعدهم إلى يوم القيامة!

كانت قريش ترغب في عودة النبوة لمربع الآيات الخارقة، ولا ترى إمكانا للإيمان إلا على قاعدة تلك الآيات الحسية الخارقة، بيد أن المنهج الذي بعث به النبي ﷺ كان مختلفا، فالإيمان لا يتم تمامه إلا إذا كان قائما على التصديق بالغيب، ولذلك التحول في المنهج تفسيراته الواضحة التي تتسق تماما مع كمال الدين وتمام النعمة الإلهية على جملة البشر
لو كان ذلك لقيل: إن فيه ظلما وحرمانا للأجيال اللاحقة، فكان لا بد من أن تكون الآيات الدالة على صدقه ونبوته ﷺ باقية جديدة يأخذ منها كل جيل حظه من الفهم والهداية، ولا تقبل التشكيك في حصولها، ومن ثم كان القرآن هو الآية الكبرى التي بعث بها ﷺ لتبقى محفوظة قادرة على إحداث أثرها الأول في أي مرحلة زمانية أو مكانية من الحياة البشرية.

ـ الأيات الحسية تخاطب في الإنسان أدنى مراتب إداركه ووعيه، فالإنسان كما يدرك بحواسه، يدرك بعقله وشعوره، وإصرار الإنسان على أن يُخاطب في مسألة الإيمان خطاب الحس وحده طفولةٌ ينبغي أن يأتي وقت للفطام منها، ولإطلاق العنان لمستويات أكثر عمقا من الوعي والإدراك، ومن ثم فقد أراد الله أن يبنى الإيمان على التدبر في آيات الخلق في الأنفس والآفاق، وآيات الأمر في الشرائع والأخلاق، ولا ريب أن هذا الخطاب الأخير أليق بالأمة الوارثة والنبوة الخاتمة بل أليق بالإنسان المكرم المستخلف في الأرض المزود بالعقل القادر على اكتساب المعرفة صاحب الإرادة الحرة والقدرة على الاختيار والكسب.

ـ لعل من البصيرة كذلك ونحن نعالج هذه المسألة أن نسأل: هل انعقد بتلك الآيات الخارقة إيمان فاعل ممتد منشئ للعمران، أو كانت المسألة مجرد تأثر لحظي سرعان ما يزول أثره بانقضاء الآية، ثم تبدأ المطالبة بالمزيد من الآيات دونما ري ولا شبع؟

ولعل ذلك الحوار الذي دار بين السيد المسيح - عليه السلام- وبين حوارييه يكشف عن ذلك المعنى الدقيق :"إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ۝ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ۝ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ"]  المائدة:112-115[ فبعد رحلة طويلة من الآيات الحسية شملت إحياء الموتى وإبراء المرضى والإخبار بأشكال من الغيوب لا زال أتباع عيسى متطلعين لمزيد من الآيات ولو بطلب مائدة طعام! ثم يرهنون الإيمان والتصديق بالنبي والاطمئنان إلى دعوته والشهادة لنبوته بحصول تلك المائدة!

ومن ثم فإن الله أراد أن ينقل المسألة الدينية من ذلك الإيمان المتردد إلى الرسوخ والاستقرار واليقين والتضلع بقيم الإيمان الكبرى على يد النبوة الخاتمة، فكان ذلك من جملة الرحمة الإلهية بالناس.

جاءت إذن رحلة الإسراء على غير ما اشترطت قريش، فقد رقي النبي في السماء لكن دون أن تراه قريش وهو يرقى، ودون أن يقتطع قطعا من السماء فيسقطه على الأرض كسفا كما طلبت، ودون أن يلغي ما سلف من الوحي بكتاب جديد كما أرادت، وإنما أجرى الله آية الإسراء والمعراج كرامة خاصة برسول الله ليثبت الله فؤاده، ويريه من الآيات الكبرى ما تحصل به المؤانسة الإلهية الكريمة، ولتتحول رحلة الإسراء ذاتها بما فيها من إعجاز خارق إلى امتحان جديد يتطلب التسليم بالغيب، وتثبت به الصديقية لمن سلم إيمانه وتم يقينه، ولتكون ـ وهي أعظم آية خارقة أيد بها النبي ﷺ ـ شاهدة للمنهج الكامل الذي بعث به رسول الله ﷺ

ولتقول تلك الآية الجليلة بوضوح لرسول الله ولأمته من بعده: إن الآيات الخارقة غير ممتنعة، وقد أريناك منها ما رأيت يقينا لا زيغ فيه ولا طغيان، فإمكان الآيات موضع إيمان وتسليم لا يرد عليه سؤال: "هل يستطيع ربك"؛ إذ إنها مردودة للقدرة الإلهية المطلقة التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء.

بيد أن الآيات الخارقة وإن سلم المؤمنون بإمكانها ورأتها قلوبهم بعين اليقين لا تُطلب ولا تُنتظر، وقد تعبد الله عباده بالسنن الجارية وجعل آياته الكبرى تجري في أعطاف تلك السنن الجارية  فيتنزل أمر الله الغالب مستورا بالفاعلية البشرية وكامنا في سعي أولياء الله لإقامة الدين الحق الذي ارتضاه لهم ربهم.

وليست هذه الإضاءة إلا مجرد مقدمة لفتح الباب أمام العقل المسلم لإعادة قراءة آية الإسراء والمعراج قراءة سننية شاملة تفعل فعلها في صياغة العقل والوعي، وصناعة الفاعلية التي يتحقق بمثلها الإيمان الحق والشهود لله على الخلق.
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم