قال عضو مجلس النواب
اليمني ووزير الصحة الأسبق، الدكتور
نجيب غانم، إن
إعلان
المجلس الانتقالي الجنوبي حل المجلس وكافة هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية
أصاب مشروع
الإمارات وأطماعها في اليمن في مقتل.
والجمعة، أعلن الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي، عبد الرحمن الصبيحي،
خلال اجتماع لهيئة رئاسة المجلس والقيادة التنفيذية بالعاصمة السعودية الرياض، حل المجلس
وكافة هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية، وإلغاء كافة مكاتبه في الداخل والخارج.
وأضاف غانم، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أن الحكومة الشرعية
نجحت، بدعم فاعل وحاسم من المملكة العربية السعودية، في إخماد ما وصفه بـ "أخطر
تمرد" واجهته البلاد خلال السنوات الأخيرة، مؤكدا أن "مؤتمر الرياض المرتقب
يشكّل محطة فاصلة لإعادة صياغة المشهد السياسي وتثبيت مسار استعادة الدولة وإنهاء المشاريع
الخارجة عن سلطتها".
وشدّد على أن "مؤتمر الرياض سيضع النقاط على الحروف، وسيعيد صياغة
مشهد جديد في اليمن"، لافتا إلى أن "تحصين القرار الوطني من أي تأثيرات أو
ضغوط أو أطماع خارجية، وعلى وجه التحديد الأطماع الإماراتية، سيكون العامل الحاسم في
تهيئة الأجواء السياسية والوطنية لإنجاح هذا المؤتمر الهام، وتحويله إلى محطة حقيقية
لإعادة بناء الثقة وصياغة مسار وطني جامع".
ونوّه عضو مجلس النواب اليمني، إلى أن "المشهد اليمني يتجه حاليا
نحو قدر أكبر من الوضوح والحسم، مع سعي السلطة الشرعية إلى استعادة زمام المبادرة بعد
سنوات من منازعتها من قبل مشاريع انقلابية متعددة، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي".
وإلى نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":
بداية، كيف ترى إعلان المجلس الانتقالي
الجنوبي باليمن حل المجلس وكافة هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية؟
حل المجلس الانتقالي
طوعيا، عبر إعلان قيادته المجتمعة في الرياض، لا شك أنه أصاب مشروع الإمارات وأطماعها
في اليمن في مقتل.
هل لديكم تخوفات من حدوث فراغ سياسي بعد قرار حل المجلس
الانتقالي؟
الساحة اليمنية، ولا سيما في المحافظات الجنوبية، لا تعاني من فراغ سياسي،
بقدر ما تعاني من تخمة واضحة في عدد المكونات السياسية. وستتحقق التعددية السياسية
الصحية عندما يتخلى فرقاء العمل السياسي في اليمن عن الأذرع والمليشيات العسكرية، وأعني
بذلك تحديدا المجلس الانتقالي الجنوبي، وجماعة الحوثيين، وقوات طارق في المخا؛ فالمعضلة
ليست في غياب الفاعلين السياسيين، بل في استمرار عسكرة السياسة وتقويض الدولة.
هل تُمثل الأحداث الأخيرة فرصة لإعادة هيكلة المشهد الجنوبي
على أسس وطنية جامعة أم أنها ستفتح بابا جديدا للفوضى؟
نعم، بكل تأكيد؛ فقد شكّلت الأحداث الأخيرة فرصة كبيرة وسانحة أمام مختلف
فرقاء العمل السياسي للمشاركة الفاعلة في إعادة صياغة المشهد الجنوبي، بل والمشهد الوطني
ككل، على أسس وطنية جامعة وغير إقصائية، تُعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، وتُنهي منطق
الغلبة وفرض الأمر الواقع.
هل نحن أمام لحظة فاصلة قد تعيد تعريف "القضية الجنوبية"
بعيدا عن احتكار المجلس الانتقالي لتمثيلها؟
نعم، نحن أمام لحظة مفصلية بامتياز. وأتوقع أن يقدّم المشاركون في مؤتمر
الرياض القادم للحوار الجنوبي رؤاهم وتصوراتهم ومقترحاتهم لصياغة مرحلة انتقالية يكون
في صلبها كيفية المعالجة العادلة والمسؤولة للقضية الجنوبية. ومن المنتظر أن تتجسد
هذه المعالجة في خارطة طريق واضحة وحاسمة، يُؤجَّل تنفيذ بعض مساراتها إلى المرحلة
الانتقالية، بما يساعد السلطة الشرعية والجيش الوطني على استكمال حسم بقية المشاريع
الانقلابية، وترسيخ مسار الدولة.
برأيكم، هل هناك عقلاء داخل المجلس الانتقالي الجنوبي يمكن
أن ينحازوا للمصلحة الوطنية؟
نعم، هناك عقلاء داخل المجلس الانتقالي قادرين على الإصغاء لصوت الحق،
ولصوت المصلحة الوطنية، ولصوت الأمن والاستقرار في اليمن، وهؤلاء سبق أن وقعوا على
اتفاق الرياض، ومن المفترض أن يلتزموا به.
في الواقع، لا بد من توحيد البندقية، ولا بد من توحيد القرار، ولا بد
من تنفيذ جميع بنود اتفاق الرياض. الاتفاق السابق كان واضحا فيما يتعلق بحسم التحديات
التي تواجه السلطة الشرعية، عبر توحيد الجيش، وتوحيد الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار
السيادي.
لكن ما حدث هو أن المجلس الانتقالي نسف هذه الاتفاقات، وخلق وضعا شديد
الإرباك، سواء في عدن أو في المحافظات الجنوبية التي كان له فيها نفوذ واسع، وتُوِّج
ذلك باجتياح قواته للمحافظات الشرقية، بدءا من شبوة، ثم حضرموت، ثم المهرة.
وكيف تقرأون تطورات الأحداث في اليمن؟ وهل يمكن القول إن الحكومة
الشرعية استطاعت القضاء على التمرد بصورة نهائية؟
المشهد اليمني الراهن يتجه نحو قدر أكبر من الوضوح والحسم، حيث تسعى السلطة
الشرعية إلى استعادة زمام المبادرة بعد سنوات نازعتها خلالها مشاريع انقلابية متعددة
صلاحياتها السيادية وقدرتها على اتخاذ القرار، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي،
فضلا عن أن المشروع الحوثي الانقلابي والتمردي شكّل، ولا يزال، أول المشاريع الانقلابية
على السلطة الشرعية. ويمكن القول إن الحكومة الشرعية، وبدعم بري وجوي فاعل وحاسم من
المملكة العربية السعودية، نجحت في إخماد أحد أخطر التمردات بصورة شبه نهائية، ما يعكس
تحولا نوعيا في ميزان القوى ومسار المواجهة مع هذه المشاريع الخارجة عن إطار الدولة.
إقالة محافظ عدن وإحالته للتحقيق بالتزامن مع ترتيبات أمنية:
هل نحن أمام "إعادة ضبط إداري" فقط أم خطوة ضمن مسار تفكيك شبكة نفوذ مرتبطة
بالمجلس الانتقالي؟
هذه الخطوة تتجاوز كونها إجراءً إداريا تقليديا؛ إذ تُمثل محطة مفصلية
ضمن مسار واضح لتفكيك شبكة نفوذ مترسخة ومرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، وهي تعكس
إرادة سياسية جادة لإعادة الاعتبار لسلطة الدولة ومؤسساتها، وإنهاء حالة التداخل بين
القرار الإداري والنفوذ المسلح غير الخاضع للشرعية.
بعد انسحاب قوات الانتقالي من عدن، كيف ستُدار المدينة؟ ومَن
يضمن عدم عودة "الفراغ الأمني" أو اندلاع صدامات بين تشكيلات مختلفة؟
عقب إقالة محافظ عدن السابق وإحالته للتحقيق والمساءلة، وتعيين محافظ
جديد، لا يُتوقع حدوث فراغ أمني في المدينة؛ فقد وصلت قوات "درع الوطن" إلى
عدن، وهي قادرة على المساهمة الفاعلة في تثبيت الأمن وإحباط أي محاولات لزعزعة الاستقرار.
ويُضاف إلى ذلك الحضور القوي والحاسم للإرادة الملكية السعودية في المشهد الأمني والعسكري
والسياسي، ليس في عدن فحسب، بل في بقية المحافظات، ولا سيما في المدن والأرياف التي
طالتها محاولات التمرد والانقلاب التي قادتها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي.
ما السيناريوهات القانونية المتاحة أمام الحكومة اليمنية: مسارات
قضائية داخلية، أم تدويل القضية، أم الاكتفاء بمسار الإنتربول؟
بعد استكمال المحاكمات بحق جميع القادة الذين شاركوا في التمرد العسكري
الأخير، من سياسيين وعسكريين وأمنيين، وبناءً على الأحكام القضائية الصادرة بحقهم،
ستتحدد خيارات السلطة الشرعية. وسيكون لذلك ارتباط مباشر بموقف دولة الإمارات، ومدى
استعدادها للتعاون في تسليم مَن تصدر بحقهم أحكام قضائية واجبة النفاذ، وهو ما سيحسم
طبيعة المسار القانوني اللاحق، سواء داخليا أو عبر آليات دولية.
إلى أي مدى يشكّل بقاء عيدروس الزبيدي طليقا تهديدا أمنيا فعليا
للمحافظات الجنوبية أم أن نفوذه بات محدودا؟
للتوضيح، لا يتمتع
عيدروس الزبيدي بحاضنة شعبية حقيقية، لا في الضالع
ولا في غيرها من المحافظات الجنوبية، بل إن في محافظة الضالع نفسها جموعا غفيرة تؤيد
الوحدة، ولا تدعو إلى الانفصال أو فك الارتباط. وبعد توثيق وتسجيل واقعة هروبه أو تهريبه
إلى أبو ظبي، بات الزبيدي عديم التأثير، وفاقدا لأي قدرة فعلية على تحريك أرتال عسكرية
أو إشعال فتنة، سواء في عدن أو الضالع أو في أي مدينة أو محافظة جنوبية أخرى.
مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي، بدر باسلمة، تحدث عن مسار
سلمي لدمج قوات الانتقالي ضمن الشرعية، فإلى أي مدى يمكن تنفيذ الدمج فعليا دون اصطدامات
على الأرض؟
بدعم ومؤازرة مباشرة من المملكة العربية السعودية، عسكريا وأمنيا وسياسيا،
وبعد استعادة وتحرير الإرادة السيادية للسلطة الشرعية، لن تكون هناك صعوبات حقيقية
في تنفيذ الدمج الفعلي لكافة المكونات العسكرية والأمنية الخارجة عن النسق السيادي
للدولة. وأعني بذلك تحديدا دمج هذه التشكيلات ضمن وزارتي الدفاع والداخلية التابعتين
للحكومة الشرعية في اليمن، بما يضمن وحدة القرار العسكري والأمني، ويُنهي أي ازدواجية
في مراكز القوة.
ما النموذج الأنسب لليمن حاليا بالنسبة لملف الدمج العسكري،
هل الأفضل دمج كامل وفوري أم دمج مرحلي أم "غرف عمليات مشتركة" كحل انتقالي؟
استنادا إلى التجارب السابقة، فإن السماح لبعض فرقاء العمل السياسي بتكوين
مليشيات عسكرية وأمنية خارج إطار السلطة الشرعية، ومنازعتها صلاحياتها السيادية، أثبت
فشله الذريع، وقد رأينا جميعا عواقب هذا التراخي والارتخاء في التعامل مع تلك المكونات،
وما جرّه على اليمن واليمنيين من كوارث ومآسٍ عميقة. ومن هنا، فإن الدمج الفوري والكامل
ليس خيارا تفضيليا، بل ضرورة وطنية ملحّة، يجب تنفيذها دون تهاون أو تسويف أو تأخير.
من وجهة نظركم، متى تصبح الأجواء ناضجة فعليا لتوحيد الصف الحضرمي
وتوحيد الصف الجنوبي؟
للأسف الشديد، فإن التفريق في التوصيف بين هذه المسميات لا يساعد مطلقا
في لمّ شمل اليمنيين؛ فالجنوب وحضرموت جزء أصيل وقوي وفاعل من النسيج الوطني اليمني،
وأي صياغات توصيفية توحي بأن حضرموت كيان منفصل عن الأرض اليمنية هي صياغات مرفوضة
جملةً وتفصيلا. اليوم، انضوت مختلف المكونات الجغرافية للوطن اليمني تحت مظلة السلطة
الشرعية، والجميع يمضي باتجاه هدف وطني جامع يتمثل في استعادة الدولة وتحرير كامل الأراضي
اليمنية.
إذا عدنا إلى جذور الأزمة، ما الذي أوصل المشهد اليمني إلى
هذه المرحلة؟
الإشكالية الأساسية تعود إلى اتفاق الرياض الذي أُبرم قبل نحو 5 سنوات،
ولم يُنفذ حتى اليوم، وبشكل شبه كامل، ولا سيما من جانب المجلس الانتقالي الجنوبي؛
فمنذ اليوم الأول، كانت حسابات المجلس قائمة على فرض أمر واقع، ولو باستخدام القوة
المسلحة، وهو ما مثّل عصيانا وتمردا واضحا على القرارات والاتفاقات التي كان يُفترض
أن تصدر عن مجلس القيادة الرئاسي.
نحن في مجلس النواب عانينا كثيرا من هذا الوضع المربك؛ إذ انعكس التعطيل
حتى على إدارة مجلس القيادة نفسه، الذي لم يتمكن حتى الآن من التوافق على لائحة عمله
الداخلية، رغم أن هذه اللائحة كان يفترض إرسالها إلى مجلس النواب لإقرارها. وإلى جانب
ذلك، أعاق المجلس الانتقالي انعقاد مجلس النواب في عدن، رغم كونها العاصمة المؤقتة
للسلطة الشرعية.
ونتيجة لذلك، بقيت السلطة الشرعية، منذ توقيع اتفاق الرياض، في حالة اختلال،
غير قادرة على توحيد القوات العسكرية ولا الأمنية، بفعل ممارسات المجلس الانتقالي وخياراته
السياسية، وقد ثبت اليوم أن هذه الحسابات لم تكن صحيحة، ولا وطنية، ولا في مصلحة القضية
الجنوبية العادلة، ولا في مصلحة مشروع اليمن الجامع.
ما الترتيبات التي يجب أن تُعطى الأولوية قبل الذهاب إلى مؤتمر
جامع للأطراف الجنوبية؟ وما "القرارات التصحيحية" التي تهيئ الأجواء لعقد
مؤتمر الرياض برأيكم؟
نحن بالفعل على أعتاب اجتماع ثان في الرياض، وأعتقد أن هذا الاجتماع سيضع
النقاط على الحروف، وسيعيد صياغة مشهد جديد في اليمن، يفضي إلى التعامل بحزم مع أسباب
الاختلال، ومع جذور الأزمة التي عطلت استعادة الدولة.
والأولوية القصوى اليوم تتمثل في تحرير الإرادة الوطنية اليمنية لكافة
المكونات السياسية المشاركة في مؤتمر الرياض للحوار الجنوبي، من أي تأثيرات أو ضغوط
أو أطماع خارجية، وعلى وجه التحديد الأطماع الإماراتية في الأرض اليمنية، وفي الجزر
والسواحل، وفي الثروات الطبيعية. إن تحصين القرار الوطني من هذه التدخلات سيكون، بإذن
الله، العامل الحاسم في تهيئة الأجواء السياسية والوطنية لإنجاح مؤتمر الرياض، وتحويله
إلى محطة حقيقية لإعادة بناء الثقة وصياغة مسار وطني جامع.
كيف يمكن عقد "مؤتمر جنوبي - جنوبي" في ظل جراح حضرموت
والضالع وعدن؟ وهل ستُطرح آليات للعدالة الانتقالية والتعويضات وضمانات عدم التكرار؟
لا ينبغي أن ننسى أن اليمنيين عُرفوا عبر التاريخ بروح الإيمان والحكمة،
وهي الروح التي ستسود وتنتصر في نهاية المطاف داخل المؤتمر. وفي هذا السياق يحضرني
قول الشاعر البحتري:
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها تذكّرت القربى ففاضت دموعها... شواجر أرماح
تقطّعُ بينهم شواجر أرحام ملوم قطوعها
ومن حيث المبدأ، فإن نجاح أي مؤتمر جنوبي–جنوبي يقتضي عدم القفز فوق الجراح،
بل الاعتراف بها ووضع مقاربات مسؤولة لمعالجتها، عبر مسارات تُعلي المصالحة المجتمعية،
وتفتح الباب - عند توفر الإرادة السياسية - لنقاش آليات العدالة الانتقالية والتعويضات
وضمانات عدم التكرار، بما يحفظ السلم الأهلي ويمنع إعادة إنتاج النزاعات.
هل نتحدث عن مشهد جديد لليمن ككل أم عن القضية الجنوبية فقط؟
في تقديري، نحن نتحدث عن منطلق شامل للتصدي لكل المشاريع الانقلابية في
اليمن. نعم، القضية الجنوبية قضية عادلة، لكن المشكلة أنها كانت تقاد، للأسف، بمحامين
فاشلين. المؤتمر القادم سيعمل على بلورة صيغة توافقية بين جميع الأطراف المعنية، للمضي
قدما في مواجهة بقية المشاريع التي تعترض طريق استقرار اليمن وتقدمه.
اليمنيون، كغيرهم من الشعوب، من حقهم أن يختاروا نظام حكمهم، وسياساتهم،
والطريق الذي يقود إلى الأمن والاستقرار والتنمية، لكن اليوم نحن أمام مشاريع تتنازع
السيادة مع قيادة السلطة الشرعية، سواء كانت مليشيات الحوثي في صنعاء أو غيرها من المشاريع
الانقلابية المنتشرة في المشهد اليمني.
ونحن نأمل كثيرا في مؤتمر الرياض القادم، أن يعيد رسم خارطة طريق جديدة
للقضية الجنوبية، وللمشهد اليمني برمته، ومشاركة إخوتنا في المجلس الانتقالي في هذا
المؤتمر تبقى مرهونة بمدى التزامهم بالمصلحة الوطنية، وبالقدرة على التوافق حول صيغة
واضحة لخارطة طريق تضع النقاط على الحروف، وتؤكد عدم منازعة السلطة الشرعية -
المعترف بها إقليميا ودوليا - صلاحياتها السيادية.
ويشمل ذلك الالتزام بتوحيد جميع القوى العسكرية تحت مظلة وزارة الدفاع،
وتوحيد جميع القوى الأمنية، بمختلف مسمياتها من نخب وأحزمة وغيرها، تحت وزارة الداخلية،
إضافة إلى توحيد القرار السيادي.
كما نحتاج إلى صيغة معقولة ومقبولة لشكل القيادة العليا للدولة، سواء
كان ذلك عبر مجلس سيادي أو مجلس قيادة رئاسي، وبغض النظر عن الشكل أو الشخص الذي يتصدره،
فالأهم هو تمكين السلطة الشرعية من حسم التحديات الكبرى التي تواجهها، وفي مقدمتها
المشاريع الانقلابية القائمة اليوم في اليمن.
ما علاقة نجاح الحوار الجنوبي بعودة الخدمات والمرتبات والأمن
في عدن وباقي المناطق؟ وهل تتوقعون استخدام ورقة الخدمات لكسب ولاءات سياسية؟
من المتوقع أن يسهم نجاح الحوار في إعادة ضبط الموارد وتوحيد مسارات الإيرادات،
بحيث تُورّد إيرادات الدولة إلى البنك المركزي في عدن، ما يمكّن السلطة الشرعية من
الإيفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين، خصوصا في انتظام صرف المرتبات وتحسين الخدمات
الأساسية وتعزيز الاستقرار الأمني.
وفي المقابل، تبقى هناك إيرادات عامة ما تزال تُنهب أو تُعطّل خارج إطار
الدولة، وعلى رأسها ما تسيطر عليه مليشيات الحوثي، وهو ما يفاقم الأزمة المالية والخدمية.
ما الجدول الزمني الواقعي: ترتيب أمني أولا ثم مؤتمر أم مؤتمر
يسبق الترتيبات الأمنية؟ وأيهما أقل كلفة وأكثر قابلية للتنفيذ؟
الترتيبات الأمنية تمضي على قدم وساق، وقد قطعت شوطا كبيرا وباتت قريبة
من إنجاز معظم مهامها. وفي الوقت نفسه، فإن التحضيرات لعقد مؤتمر الرياض تتقدم بوتيرة
مناسبة ومتوازنة.
والأهم أن المسارين (الأمني والسياسي) أقل كلفة بكثير من كلفة الحرب والصراع،
وكلاهما يجري تنفيذه بقدر معتبر من الواقعية، مع مؤشرات على إمكانية نجاحه إذا توفرت
الإرادة والتنسيق.
ما المأمول من الرعاية السعودية لمؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي؟
لقد مثّلت المملكة العربية السعودية حائط الصد أمام المشاريع الانقلابية
التي استهدفت السلطة الشرعية وتقويض الدولة. ومنذ اليوم الأول للتمرد، كان للدعم السعودي
- أمنيا وعسكريا - أثر حاسم، سواء عبر الجهد الجوي أو عبر تثبيت المعادلة الأمنية على
الأرض، بما في ذلك الدور الذي اضطلع به اللواء محمد عبيد القحطاني في حضرموت حتى خروج
قوات المجلس الانتقالي من المحافظات الشرقية التي كانت قد سيطرت عليها.
واليوم، تأتي رعاية المملكة لمؤتمر حوار القوى الجنوبية استجابةً كريمة
وأخوية لدعوة الدكتور رشاد العليمي لكافة المكونات السياسية الجنوبية للحوار في الرياض،
والمأمول أن تواصل المملكة دعم أشقائها في اليمن والسلطة الشرعية لاستكمال دحر بقية
المشاريع الانقلابية، وصولا إلى يمن آمن ومستقر ومزدهر، وعلى طريق دولة مؤسسات وديمقراطية
جامعة.
أخيرا، إلى أي اتجاه تتجه الأزمة في اليمن خلال المرحلة المقبلة؟
بعد إنجاز مؤتمر الرياض، من المتوقع أن يتجه المشهد نحو توحيد القرار
السيادي والسياسي للسلطة الشرعية، بما ينعكس على توحيد "البندقية" وتوحيد
الإرادة الوطنية، تمهيدا لحسم الصراع مع مليشيات الحوثي، إما عبر مسار سلمي إذا توافرت
شروطه، وإما حربيا إذا فُرضت على الدولة خيارات أخرى لحماية أمنها واستعادة سيادتها.