نشرت صحيفة "
نيويورك تايمز" مقالا للباحث في مركز البحوث الاقتصادية والسياسية، فرانسيسكو رودريغيز، قال فيه إنه ولأكثر من عام، افترض معظم المراقبين للشأن الفنزويلي أنه في حال خسارة نيكولاس مادورو للسلطة، فإن زعيمة
المعارضة الكاريزمية، ماريا كورينا
ماتشادو، ستقود عملية الانتقال إلى الديمقراطية.
هذه التوقعات تبددت تماما يوم السبت بتصريحات قليلة من الرئيس الأمريكي. فبعد ساعات فقط من إعلانه القبض على مادورو في عملية عسكرية غير مسبوقة نفذتها القوات الأمريكية، فاجأ الرئيس
ترامب الكثيرين بإعلانه أن واشنطن ستعمل بدلا من ذلك مع نائبة الرئيس مادورو، ديلسي رودريغيز، قائلا، إن ماتشادو تفتقر إلى "الدعم أو الاحترام داخل
فنزويلا" اللازمين للقيادة.
من جانب، يُعد تصريح ترامب خاطئا تماما، ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2025 لنضالها من أجل استعادة الديمقراطية، هي بلا منازع السياسية الأكثر شعبية في البلاد، في عام 2024، قادت حملة انتخابية حماسية ضد مادورو (مُنعت من الترشح).
اظهار أخبار متعلقة
وعندما أعلنت السلطات الانتخابية فوز مادورو، أعلنت أن أوراق فرز الأصوات التي جمعها نشطاء المعارضة من أكثر من 83 بالمئة من مراكز الاقتراع أظهرت فوز مرشحها، إدموندو غونزاليس، فوزا ساحقا.
العمل مع هيكل دولة صممه مادورو وتشافيز
لو كانت فنزويلا دولة ديمقراطية، لكان حزب ماتشادو في السلطة. لكن فنزويلا ليست ديمقراطية، ولن تصبح كذلك بين عشية وضحاها لمجرد رحيل مادورو. عندما قررت إدارة ترامب إجراء عملية جراحية لإخراج مادورو بدلا من احتلال البلاد، اختارت أيضا، على الأقل في المدى القصير، العمل مع هيكل دولة صممه ويديره أنصار مادورو وسلفه هوغو تشافيز. ماتشادو، التي تصف هذا الهيكل بأنه مافيا، ليست ببساطة شخصية قادرة على التعايش مع هذه المؤسسات.
على مدار العام الماضي، بذلت ماتشادو جهودا حثيثة لكسب ود ترامب، حتى أنها أهدت جائزة نوبل التي حصلت عليها إليه، ورددت مزاعم دُحضت بأن فنزويلا لعبت دورا في نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020.
وقد اعتبر الكثيرون امتناعها عن إدانة عمليات ترحيل الفنزويليين وما يعتبره كثيرون عمليات إعدام خارج نطاق القضاء في منطقة الكاريبي بمثابة تنازل غير مريح ولكنه ضروري لإحداث تغيير في بلدها. إلا أن مثل هذه الصفقات المشبوهة نادرا ما تنتهي نهاية سعيدة، وهذه لم تكن استثناء.
قبل وقت قصير من إعلان ترامب عن نيته العمل مع رودريغيز، أصدرت ماتشادو بيانا دعت فيه القوات المسلحة إلى الاعتراف برئاسة غونزاليس. رغم اعتراف إدارة بايدن به في البداية رئيسا منتخبا للبلاد، إلا أن وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، تهرب هذا الأسبوع من الإجابة على أسئلة حول شرعية غونزاليس كزعيم للبلاد، وأدت رودريغيز اليمين الدستورية رئيسة مؤقتة.
تفضيل ترامب العلاقات الشخصية والمنافسات على السياسة
قد تكون هناك، بالطبع، أسباب أخرى لعدم تقبّل ترامب لماتشادو، منها حصولها على جائزة نوبل التي كان يعتقد أنه يستحقها. (وقد صرّح بأن ذلك لا علاقة له بقراره دعم رودريغيز). وهذا ليس مستغربا من رئيس يُفضّل العلاقات الشخصية والمنافسات على السياسة.
مع ذلك، حتى لو ساهمت أي من هذه الأسباب في تفسير قراره، فإنها لا تُغيّر حقيقة أساسية: بمجرد أن اختارت واشنطن التعاون مع مؤسسات شافيز بدلا من تفكيكها، لم تعد ماتشادو خيارا مناسبا لإدارة البلاد.
لسنوات، رسّخت ماتشادو صورة المتشددة الرافضة للتفاوض مع النخبة الحاكمة في فنزويلا. وكان تصوير الانقسام السياسي في البلاد بين أنصار شافيز ومعارضيهم كمعركة أخلاقية رسالتها الأساسية طوال صعودها السياسي اللافت. وقالت لأنصارها بعد انتخابات 2024: "هذا صراع روحي بين الخير والشر، والله معنا".
وأصبح رفض الحوار والتسوية سمة بارزة لهوية ماتشادو السياسية. فكلما دخلت المعارضة في مفاوضات مع مادورو، نددت بهذه المبادرات واعتبرتها محاولات لمساعدة النظام بكسب الوقت وتقويض المعارضين.
ودعت إلى مقاطعة الانتخابات، مدعية أن الانتخابات التي ينظمها مادورو تهدف فقط إلى إضفاء الشرعية على حكمه الديكتاتوري. وبعد أن اعترفت عشرات الدول بالنائب المعارض خوان غوايدو رئيسا مؤقتا في عام 2019، أدانتْه لعدم استخدامه سلطته الدستورية لطلب تدخل عسكري أجنبي رسميا لإعادة الأمن والنظام.
مع تزايد استياء الفنزويليين من كل زعيم سياسي وعد -وفشل- بإزاحة مادورو من منصبه، اتجه الكثيرون نحو ماتشادو، التي زعمت أن بقاءه في السلطة يعود إلى افتقار قادة المعارضة للعزيمة والإصرار. وقد عزز تزويره الصارخ للانتخابات وما تبعه من قمع للمعارضة مزاعمها بأن النظام لن يتخلى عن السلطة بالتفاوض وحده.
رفض ماتشادو العمل مع المعارضة المعتدلة أطاح بها
حتى لو حاول ترامب إصلاح النظام الحاكم في فنزويلا وسمح لحزبها بتولي السلطة، لربما لم تكن ماتشادو الزعيمة المناسبة. فرفضها للتسوية مع الأعضاء المعتدلين في المعارضة كان سيشكل عقبة خاصة، لأن هذه الفئة عادة ما تلعب دورا حاسما في التحولات الديمقراطية.
وتُظهر صفحة من تاريخ فنزويلا خطورة الاعتقاد بإمكانية بناء انتقال ديمقراطي على الدعم الشعبي وحده. ففي عام 1945، تمكن حزب العمل الديمقراطي من انتزاع السلطة من دكتاتورية عسكرية، بدعم من قادة عسكريين مؤيدين للديمقراطية.
حيث دعت الحكومة إلى انتخابات فازت فيها بأكثر من 70 بالمئة من الأصوات، لكنها عجزت عن تشكيل ائتلاف مستقر قادر على تقديم ضمانات للمؤسسة العسكرية. أُطيح بتلك الحكومة عام 1948، لتبدأ بعدها عشر سنوات من الحكم العسكري.
كثيرا ما تتحدث ماتشادو عن فنزويلا وكأنها عاشت تحت حكم استبدادي طوال ربع القرن الماضي. وهذا ليس دقيقا تماما. فمع أن تشافيز وُجّهت إليه انتقادات مُحقة لتقويضه المؤسسات الديمقراطية، إلا أنه كان يتمتع بشعبية واسعة خلال فترة حكمه، وأسس حركة سياسية راسخة لا تزال تحظى بدعم كبير.
ولا يُعد تاريخ ماتشادو نفسه تاريخا للدفاع الثابت عن المبادئ الديمقراطية. فقد اتُهمت بدعم محاولة انقلاب عام 2002 ضد تشافيز، الذي انتُخب في انتخابات حرة ونزيهة. وهي تنفي دعمها للانقلاب.
"لا يمكن ببساطة تجاهل التشافيزية"
وباختيارها العمل مع هياكل السلطة القائمة بدلا من الشروع في مشروع بناء دولة مفتوح، أقرت إدارة ترامب بحقيقة أساسية مفادها "لا يمكن ببساطة تجاهل التشافيزية". يكمن خطأ ترامب في تجاهله لحقيقة أن فنزويلا بحاجة إلى إصلاحات ديمقراطية حقيقية للمضي قدما.
إن قرار ترامب بتبرير التدخل جزئيا بادعاء أن فنزويلا سرقت أصولا نفطية أمريكية لم يُسفر إلا عن تعميق انعدام الثقة بواشنطن لدى العديد من الفنزويليين. إذا أرادت الولايات المتحدة أن تلعب دورا في مساعدة الفنزويليين على بناء مستقبلهم، فعليها أن تبدأ بإظهار الاحترام الأساسي لحقوقهم الجوهرية، بما في ذلك حقوقهم السياسية والإنسانية، فضلا عن ملكيتهم لموارد بلادهم الطبيعية.
في حين أن الدعم الشعبي عامل حاسم في تحديد من يحق له المشاركة في صنع القرار، إلا أنه لا يمكن أن يكون العامل الوحيد. لا بد أيضا من وجود القوى السياسية الوسطية، والمجتمع المدني، وقطاع الأعمال، والعمال. سيكون دعمهم ضروريا لتحقيق الاستقرار في فنزويلا.
اظهار أخبار متعلقة
إن تهميش ماتشادو من قبل إدارة ترامب يجب أن يدفع قوى المعارضة الفنزويلية إلى إعادة النظر مليا في موقفها. إن حشد الناخبين شيء، وتمكين التحول السلمي الحقيقي شيء آخر تماما. لقد لاقت رسالتها رواجا كبيرا تحديدا لأنها وعدت بتغيير جذري في بلد مزقته أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة.
لكن بينما قد يكون هذا النوع من السياسة فعالا في كسب التأييد الشعبي، إلا أنه أشد خطورة بكثير عندما يتعلق الأمر بتشكيل ائتلاف حاكم مستدام، فقبل أكثر من ربع قرن، انجذب غالبية الفنزويليين إلى زعيم شاب يتمتع بشخصية جذابة، وعد بتغيير جذري ورسم خطا فاصلا واضحا بين فساد الماضي ومستقبل مشرق.
إلا أن هذا الزعيم، تشافيز، بتعريفه للسياسة على أنها استبداد أخلاقي، قد أوقع البلاد في فخ لم تستطع الخروج منه حتى الآن. إن الحل ليس في محاولة استبدال استبداد أخلاقي بآخر.