يتعاملون مع بُلداننا وكأنها مازالت في مرحلة الطفولة، وكأنها لم تبلغ بعد سن الرشد بعد استعادة سيادتها منذ عقود خلت، يَنسون أصلا أنها كانت سيدة ذات يوم، بل بعضها كان قوة دولية مهابة لا يستطيع أي كان الاقتراب منها.
بالنسبة لهم إفريقيا ينبغي أن تبقى إفريقيا المُستعمَرة الخاضعة، ثرواتُها لهم، وفلسطين ينبغي أن تبقى أرض الميعاد ولهم وحدهم، والفقراء ينبغي أن يبقوا فقراء في آسيا وأمريكا اللاتينية، لأن لديهم القابلية للفقر والقابلية للاستعمار! الوضع ينبغي ألا يتغير، هكذا يريدون، وإذا لاح في الأفق بأنه سيتغير فهي الكارثة بالنسبة لهم، ينبغي منع حدوث ذلك بكافة الوسائل: الحصار، الحرب، المساومة، بث الفتن، التهديد، التجويع… وكل ما يخطر على البال من وسائل الإخضاع القديمة والجديدة. هكذا تبدو نظرتهم لنا وعلى أساسها يتصرفون.
وازداد التكالب تجاه شعوبنا اليوم خاصة بعد تحول عدد من البلدان التي كانت قبل عقود قليلة تُحسَب من
العالم الثالث إلى مصاف الدول العظمى وعلى رأسها
الصين، وبعد أن عرفت بلدان أخرى طريقها نحو النهضة أو على الأقل عرفت بداية الطريق.
لقد أكدت التجربة الصينية، وهي الأهم، أن العالم لم يبق كما كان مُهيمَنا عليه من قبل الغرب الاستعماري المُتسلِّط، وأعطت أملا كبيرا لبقية الشعوب لكي تَبني نفسها من خلال تعاون نزيه ومثمر فيما بينها، بل ووضعت بين أيدينا شروطا أكثر ملاءمة للنهضة والتقدم. وهو الأمر الذي لم يعد مقبولا بالنسبة للقوى الاستعمارية القديمة، ودفَعَها اليوم إلى تبني سياسات عدوانية وصلت إلى حد التهديد بالحرب والقيام بها (إيران، فنزويلا، أفغانستان، نيجيريا… الخ)، والضغط عبر الأدوات التكنولوجية التي تملك والشركات الكبرى التي تتحكم في الاقتصاد العالمي، والنخب التي انحازت لصفها، وكافة الوسائل المتاحة لديها لكي تمنع تكرار تجربة الصين واحتمالية أن تتكرر على شكل مصغر في أي بلد من بلداننا.
لذلك نحن اليوم أمام مرحلة تحول هامة على الصعيد الدولي، بين أن نَصمد لِبناء نموذجنا المستقل القادر على المنافسة أو أن نخضع إلى الابتزاز السياسي والاقتصادي ونقوم بتجميد أي طموح لنا في استعادة مكانتنا إن كانت محلية أو إقليمية أو دولية.
لا نستطيع أن نعيش بمعزل عن العالم، ولا نستطيع أن نفك الترابطات الكثيرة التي بيننا والعالم
ويكفي أن نرى، كيفية التعامل اليوم مع
روسيا في أوكرانيا، وكيفية التعامل مع دول منطقة الكاريبي في أمريكا الجنوبية، والضغط المستمر على الدول الشرق أوسطية، والدول الإفريقية واحتقار بعضها بكلمات نابية، أو إشعال فتنة الحرب الأهلية داخلها على نموذج السودان لنُدرك أننا أصبحنا جميعا ضمن نطاق الأهداف المحتمَلة وينبغي أن نستبق ذلك بما يُفشِل هذه المخططات ويُمكِّننا من الانتقال إلى مرحلة التقدم الفعلي التي يكون الأوان قد فات بالنسبة لهم لنتراجع عنها.
إنَّ هذا الوعي الذي يمكن أن نُسمّيه “وعيا استراتيجيا” بإمكانه أن يجعلنا نُميّز بين مشكلاتنا الحقيقية التي ينبغي أن تعالَج بالأدوات اللاّزمة، والمشكلات المفتَعلَة التي تدخل في نطاق الإبقاء على مشروع الهيمنة الغربية القديمة والمعاصرة مستمرا.
إننا لا نستطيع أن نعيش بمعزل عن العالم، ولا نستطيع أن نفك الترابطات الكثيرة التي بيننا والعالم، ولا نستطيع تجنُّب التأثيرات المباشرة وغير المباشرة التي تنتج عن تفاعلنا المستمرّ مع العالم، ولكننا نستطيع أن نجعلها جميعا تخدم مشروعنا الوطني المستقل القادر على رفعنا إلى مستوى القوى القادرة على المنافسة على المستوى الدولي… بكل تأكيد هذا يحتاج إلى مزيد من الوقت وإلى مزيد من الإمكانات، ولكنه قبل كل شيء يحتاج إلى مزيد من الوعي الاستراتيجي ومن الحكمة وبالضرورة اليوم: هي من الصين!
الشروق الجزائرية