تقف مدينة
غزة على أعتاب عملية احتلال واسعة بدأت فعليا خلال الأيام الماضية، وسط تهديدات بتوسيع العملية تدريجيا، وإجبار أكثر من مليون
فلسطيني على النزوح جنوب القطاع، المكتظ بالنازحين أصلا، ولا تتوفر فيه أدنى مقومات للحياة.
وبينما يبدو إصرار حكومة
الاحتلال واضحا على احتلال المدينة المدمرة بشكل كبير، تُطرح أسئلة بشأن الأسباب والتطورات التي يمكن أن توقف زحف المغول الجدد إلى غزة المثقلة بالجراح والآلام، وإمكانية أن يشكل "حدث استثنائي" ميداني في غزة سببا وجيها لوقف الوحشية والإبادة الجماعية.
ويعتقد الخبير بالشأن الإسرائيلي سليمان بشارات، أن الحدث الذي جرى الجمعة في
حي الزيتون في غزة، سيعطي أرضيه لتعزيز وتطوير النقاش في الداخل الإسرائيلي بشأن مستقبل الحرب بين تيار اليمين المتشدد المتمثل في الصهيونية الدينية، ويقودها الوزيران المتطرفان بن غفير وسموتريتش، وبين تيار المعارضة.
اظهار أخبار متعلقة
"صراع بين تيارين"
وشدد بشارات في حديث خاص لـ"عربي21"على أن المتطرفين في دولة الاحتلال سيحاولون الترويج إلى أن المقاربة العسكرية وخطة الحسم التي تحدثوا عنها في قطاع غزة هي الخيار الأفضل والمناسب الذي يجب الدفع باتجاهها الآن، وذلك انطلاقا من وجود دعم أمريكي لما يجري في قطاع غزة، وهذه بالنسبة لهما فرصة تاريخية، واستنادا إلى قطع شوط طويل في عملية التدمير والإبادة الممنهجة في قطاع غزة، على اعتبار أن ما تبقى مراحل يمكن العمل على استكمالها خلال المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، يعتقد الخبير أن المعارضة الإسرائيلية وعائلات الأسرى الإسرائيليين، ستستغل الضغط الذي تتعرض له قوات الاحتلال في غزة، للترويج لفكرة الخداع التي تمارسها حكومة بنيامين نتنياهو بشأن النصر المطلق بعد 23 شهرا من الحرب. مضيفا: "سيقول هؤلاء أن كل ذلك كان خداعا وكان كذبا وأن ما تم دفعه من أثمان في قطاع غزة حتى هذه اللحظة،وما يمكن أن يُدفع من أثمان مستقبلية إضافة إلى حياة الأسرى الإسرائيليين في يد المقاومة؛ كل ذلك سيشكل أو يدفع باتجاه أو يجب أن يؤخذ على أنه نقطة يجب التحول فيها من الاستمرار في المقاربة العسكرية إلى ضرورة إعطاء المساحة إلى المسار السياسي والدبلوماسي من خلال وقف الحرب والذهاب إلى صفقة تبادل للأسرى الإسرائيليين".
"موقف الجيش"
ويرى بشارات أن موقف المؤسسة العسكرية يُعزز تيار المعارضة، وستدعم قيادة الجيش وهيئة الأركان ضرورة أن تُعطى المساحة الآن للمسار السياسي والدبلوماسي، وربما بعد ذلك استئناف عمليات القتال.ويستطرد قائلا: "سيحاول الجيش الاعتماد على الحادثة التي جرت بالأمس (في حي الزيتون) على أنها هي الدليل العملي المباشر إلى أن الحسابات السياسية لم تكن واقعية وأن الحسابات العسكرية هي أكثر واقعية، وبالتالي يجب أخذها بين الاعتبار .
ويعتقد الخبير أن جلسة الكابينت الإسرائيلي المقررة يوم غد الأحد ستضغط فيها قيادات المؤسسة العسكرية بكافة أذرعها إلى ضرورة الذهاب إلى التقاط الفرصة للمبادرة التي وافقت عليها حركة حماس وبالتالي إمكانية أن يكون هناك اتفاقا جزئيا في هذه المرحلة ومن ثم يتم بعد ذلك تهيئة الميدان وتهيئة الظروف لاستكمال الحرب فيما بعد.
اظهار أخبار متعلقة
موقف الإدارة الأمريكية "حاسم"
ويشدد بشارات على أن موقف الإدارة الأمريكية سيكون حاسما خلال الفترة المقبلة، "فهل ستعطي مساحة كاملة لنتنياهو لاستمرارية العمل العسكري، أم أن هناك قيود ومحددات زمانية يمكن أن تفرضها للسماح بعملية محدودة، ثم ثم الذهاب إلى المسار السياسي التفاوضي".
لكن بشارات يلفت إلى "نقطة مهمة"، وهي أن الحرب على قطاع غزة ما زالت تشكل حلقة من ضمن مجموعة من الحلقات التي يمكن أن تنظر إليها "إسرائيل" الآن ضمن مفهوم "إسرائيل الكبرى" والذي تحدث عنها بنيامين نتنياهو والأطماع والأهداف الإسرائيلية التي تتخطى موضوع الحرب على قطاع غزة، وبالتالي تبقى المعضلة الأساسية في شكل ومدى
استمرارية الحرب على قطاع غزة وطبيعة ما تحقق وما يمكن أن تنتظر أن تحققه "إسرائيل" خلال المرحلة المقبلة.
من أين سيأتي التغيير بشأن استمرار الحرب؟
بدوره، يقول المحلل السياسي، بلال الشوبكي، إن العوامل التي يمكن أن تدفع إلى تغيير فيما يجري، هي التغيرات في المشهد الداخلي الإسرائيلي والتغيرات على المستوى الدولي، فإذا كان هناك نقاشات جادة في أروقة المؤسسة الأمنية والعسكرية تقود في نهاية المطاف إلى اتخاذ موقف مناوئ لموقف المستوى السياسي، سنشهد تغيرا للموقف من استمرار الحرب.
وبشأن ما جرى في حي الزيتون، وانعكاسه على مستقبل الحرب، يقول الشوبكي في حديث لـ"عربي21"، إن الأخبار المنشورة لم يتم التحقق من دقتها وهناك أنباء متضاربة في آخر ساعات حول طبيعة هذه العملية وما آلت إليه الأمور، وبالتالي حتى تتبين نتيجة مثل هذه العملية، يمكن توقع ردود الأفعال على المستوى الإسرائيلي.
لكن الشوبكي يعتقد أن ما جرى سيزيد من قدرة بعض الشخصيات في المستوى الأمني والعسكري للمحاججة بأن الذهاب بعيدا في العمليات العسكرية داخل قطاع غزة لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف، بل قد يزيد من الخسائر في صفوف "الجيش الإسرائيلي".
في المقابل، لا يبدو المستوى السياسي قابل للتراجع الآن، وهو مُصر على استمرار ذات النهج في التعامل مع قطاع غزة. وفق الشوبكي الذي يرى أن مسالة أخرى تبقى مرتبطة بالشارع الإسرائيلي، فالأخير لم يحول احتجاجاته ضد استمرار الحرب إلى مستوى مختلف من حيث أدوات الاحتجاج بالانتقال إلى اضرابات مفتوحة مستمرة أو بمزيد من المشاركة في أوساط شعبية مختلفة.
وعلى المستوى الدولي، العامل الآخر، وفق الشوبكي، مرتبط بالولايات المتحدة الأمريكية، فقد أعطت أكثر من مهلة للإسرائيليين لحسم هذه المواجهة والإسراع في تنفيذ المخططات الإسرائيلية، وفي كل مرة يتم الإشارة فيها إلى سقف زمني معين، ليتبين أن "إسرائيل" بحاجة إلى مزيد من الوقت.