سجناء سياسيون في تونس يطالبون بضمان حقوق الغنوشي بعد تدهور وضعه الصحي

سبق أن نُقل الغنوشي في نيسان/أبريل الماضي من السجن إلى المستشفى إثر تدهور صحي مفاجئ، قبل أن أفادت مصادر مقربة منه بأن حالته استقرت بعد خضوعه للفحوص والمتابعة الطبية.
تصاعدت المخاوف بشأن الوضع الصحي لرئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي، في ظل استمرار احتجازه وتواتر تقارير عن تدهور حالته الصحية، فيما وجّه عدد من المعارضين السياسيين الموقوفين رسالة تضامن معه، طالبوا فيها السلطات التونسية بتمكينه من حقوقه القانونية والدستورية، ولا سيما حقه في زيارة أسرته ومحاميه والحصول على الرعاية اللازمة.

وفي بلاغ مؤرخ في 17 آب/أغسطس 2026، عبّر عشرة من أبرز المعارضين السياسيين الموقوفين في تونس عن "بالغ انشغالهم" إزاء الحالة الصحية للغنوشي، معلنين تضامنهم الكامل معه ومتمنين له الشفاء العاجل.

وضمّت قائمة الموقعين، وفق البلاغ المتداول، عصام الشابي، وأحمد نجيب الشابي، والعياشي الهمامي، وعبد الحميد الجلاصي، وشيماء عيسى، وجوهر بن مبارك، ورضا بلحاج، وغازي الشواشي، وخيام التركي، وزياد الهاني.

وطالب الموقعون السلطات السياسية باحترام القانون وتمكين الغنوشي من «كامل حقوقه الدستورية كمواطن تونسي»، كما استنكروا، بحسب نص البلاغ، حرمانه من زيارة أفراد أسرته ومحاميه طوال فترة إقامته في المستشفى.

قلق متصاعد على صحة الغنوشي


وتأتي الرسالة بعد أسابيع من تصاعد القلق بشأن صحة الغنوشي، البالغ من العمر 84 عاما، إذ قالت هيئة الدفاع عنه في تموز/يوليو الماضي إنه تعرض لحالة إغماء وإعياء شديد داخل السجن، وسط حديث عن تدهور وضعه الصحي ومنع محاميه وأفراد عائلته من زيارته.

وقالت حركة النهضة في حينه إنها تتابع "ببالغ القلق والانشغال" المعطيات المتعلقة بالحالة الصحية لرئيسها، مشيرة إلى تعرضه لحالات إغماء وإنهاك شديدين، ومحمّلة السلطات المسؤولية عن سلامته، ومطالبة بالسماح لعائلته وهيئة الدفاع ولجنة طبية مختصة بالاطلاع المباشر على وضعه الصحي.

وسبق أن نُقل الغنوشي في نيسان/أبريل الماضي من السجن إلى المستشفى إثر تدهور صحي مفاجئ، قبل أن أفادت مصادر مقربة منه بأن حالته استقرت بعد خضوعه للفحوص والمتابعة الطبية.

وتكتسب المخاوف بعدا أكبر بالنظر إلى سن الغنوشي ووضعه الصحي، إذ سبق لعائلته ومحاميه أن تحدثوا عن حاجته إلى متابعة طبية مستمرة.

"حرمان من الزيارة" في قلب الجدل


ويركز البلاغ الجديد على مسألة الزيارة، التي تحولت إلى أحد أبرز عناصر الجدل المحيط باحتجاز الغنوشي.

فالموقعون لا يكتفون بإعلان التضامن معه، وإنما يربطون بين تدهور وضعه الصحي وبين ضرورة تمكينه من حقوقه الأساسية، وفي مقدمتها التواصل مع عائلته ومحاميه، معتبرين أن استمرار حرمانه من الزيارة خلال فترة وجوده في المستشفى يستوجب تدخلا من السلطة السياسية.

وكانت هيئة الدفاع قد اتهمت السلطات في وقت سابق بمنع الزيارات، معتبرة أن ذلك يشكل انتهاكا لحقوق السجين، خصوصا في ظل غياب معلومات واضحة عن حالته الصحية. كما طالبت بالإفراج عنه، مشيرة إلى رأي صادر عن فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي بشأن قضيته.

في المقابل، لم يتضمن البلاغ الجديد موقفا رسميا يرد على هذه الاتهامات، فيما تؤكد السلطات التونسية في مناسبات مختلفة أن القضاء مستقل وأن الموقوفين تتم محاكمتهم في قضايا جنائية وليست بسبب مواقفهم السياسية.

من هم الموقعون؟


وتجمع قائمة الموقعين شخصيات من اتجاهات سياسية مختلفة، كان بينها قيادات في جبهة الخلاص الوطني وحركة النهضة والحزب الجمهوري والتيار الديمقراطي، وقد سبق أن وجه 11 سجينا سياسيا تونسيا، في حزيران/يونيو الماضي، نداء إلى قوى المعارضة والمجتمع المدني من أجل توحيد الجهود لاستعادة الحرية والديمقراطية.

وكان من بين الموقعين على ذلك النداء أيضا أحمد نجيب الشابي، وجوهر بن مبارك، والعياشي الهمامي، وعصام الشابي، وعبد الحميد الجلاصي، ورضا بلحاج، وزياد الهاني، وشيماء عيسى، وغازي الشواشي، وخيام التركي، إلى جانب راشد الغنوشي.

ويشير ذلك إلى أن الرسالة الجديدة تأتي في سياق تضامن متبادل بين شخصيات معارضة تواجه أحكاما أو ملاحقات قضائية في ملفات تقول المعارضة إنها ذات دوافع سياسية، بينما ترفض السلطات هذا التوصيف وتؤكد أن القضايا المعروضة أمام القضاء تتعلق بأفعال مجرّمة قانونا.

قضية الغنوشي ومسار قضائي طويل


ويقبع الغنوشي في السجن منذ توقيفه في نيسان/أبريل 2023، ومنذ ذلك الوقت واجه سلسلة من القضايا والأحكام القضائية.

وقد أصدرت المحاكم التونسية أحكاما مشددة بحقه في ملفات مختلفة، في وقت يرفض فيه الغنوشي حضور جلسات محاكمته، معتبرا أن الملاحقات التي تستهدفه ذات طبيعة سياسية.

وفي المقابل، تقول السلطات التونسية إن القضاء مستقل، وإن المتهمين يحاكمون بناء على ملفات وقضايا جنائية، وليس بسبب انتماءاتهم أو مواقفهم السياسية.

وقد أثارت قضية الغنوشي اهتمام منظمات حقوقية دولية؛ إذ قالت هيومن رايتس ووتش إن فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي خلص في رأي سابق إلى أن احتجاز عدد من المتهمين في قضية "التآمر"، بينهم قيادات سياسية بارزة، كان تعسفيا، ودعا إلى الإفراج عنهم وتعويضهم والتحقيق في ظروف احتجازهم.

ملف يتجاوز الغنوشي


ولا تبدو الرسالة الأخيرة منفصلة عن المشهد السياسي التونسي الأوسع، الذي شهد منذ إجراءات الرئيس قيس سعيّد في 25 تموز/يوليو 2021 صداما متواصلا بين السلطة والمعارضة.

وتقول المعارضة إن تلك الإجراءات، التي أعقبها حل البرلمان وتغيير النظام الدستوري وتوسيع صلاحيات الرئاسة، مثّلت تراجعا عن المسار الديمقراطي الذي أعقب ثورة 2011.

أما سعيّد فيقدم مساره باعتباره تصحيحا لمسار سياسي يقول إنه كان غارقا في الفساد والصراعات الحزبية، ويؤكد أن قراراته تستند إلى إرادة الشعب وإلى ضرورة إعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق، تحولت قضايا المعارضين الموقوفين إلى أحد أبرز ملفات المواجهة بين السلطة وخصومها، ولا سيما قضية «التآمر على أمن الدولة» التي شملت عددا من الأسماء الواردة في البلاغ الأخير.

وكانت هيومن رايتس ووتش قد وثقت اعتقال عدد من قيادات المعارضة، بينهم جوهر بن مبارك وشيماء عيسى وعصام الشابي وعبد الحميد الجلاصي وخيام التركي ورضا بلحاج وغازي الشواشي، في إطار القضية ذاتها، وقالت إن فريقا أمميا اعتبر احتجاز عدد منهم تعسفيا.

تضامن من خلف القضبان


ويحمل البلاغ الأخير دلالة سياسية وحقوقية في آن واحد؛ إذ إن الشخصيات التي وقعت عليه تقول، وهي نفسها تواجه السجن أو الملاحقة، إن قضية الغنوشي لا تتعلق فقط بخلاف سياسي أو قضائي، وإنما بحقوق السجين في العلاج والتواصل مع أسرته ومحاميه.

وبينما يواصل الغنوشي قضاء أحكام قضائية صدرت بحقه، فإن تدهور وضعه الصحي، وما يرافقه من تضارب أو نقص في المعلومات بشأن حالته، يعيدان ملف السجناء السياسيين في تونس إلى الواجهة، خصوصا في ظل المطالب المتكررة بالكشف عن أوضاعهم الصحية والقانونية.

وفي انتظار موقف رسمي واضح بشأن ما ورد في البلاغ، يبقى السؤال الأبرز هو مدى استجابة السلطات لمطالب تمكين الغنوشي من الزيارة والمتابعة الطبية والضمانات القانونية، في وقت باتت فيه ظروف احتجاز المعارضين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تونس ما بعد 25 يوليو 2021.