قيس سعيّد يتجاهل نداءات المعارضة ويتجه إلى الشارع.. رسائل من قلب العاصمة

بينما يتجه سعيّد إلى الشارع مخاطبا المواطنين مباشرة، تراهن المعارضة على توحيد صفوفها وإعادة تعبئة الشارع نفسه. . فيسبوك
في وقت تتواصل فيه دعوات المعارضة التونسية إلى توحيد صفوفها والضغط من أجل إنهاء ما تصفه بتفرد الرئيس قيس سعيّد بالحكم، اختار الأخير، الاثنين 17 آب/أغسطس، الظهور في مناسبتين رسميتين ثم الخروج إلى الشارع واللقاء المباشر بالمواطنين، في مشهد يعكس أحد أبرز ملامح خطابه السياسي منذ وصوله إلى السلطة: تقديم "الشعب" بوصفه مصدر الشرعية المباشر، في مقابل منظومة سياسية يقول إنها فقدت ثقة التونسيين.

وجاء تحرك سعيّد في يوم حافل بالنشاط الرئاسي؛ إذ أشرف صباحا في قصر قرطاج على مراسم الاحتفال بيوم العلم وتكريم المتفوقين والمتميزين في قطاعي التربية والتعليم والبحث العلمي، قبل أن ينتقل إلى مقر المجلس الأعلى للتربية والتعليم في شارع الحرية بالعاصمة، بالتزامن مع انطلاق المجلس في مباشرة مهامه وعقد جلسته الافتتاحية.

ولم يكتف الرئيس بذلك، بل خرج لاحقا إلى شارع الحرية، حيث التقى عددا من المواطنين وتحدث إليهم، مؤكدا أن معالجة مشكلات البلاد والعقبات التي تواجهها يجب أن تكون عبر "حلول جماعية"، ومشددا على أن تونس، بشبابها وقدراتها، قادرة على أن تكون "منارة تشع في كافة أنحاء العالم".

ويأتي هذا الظهور في الشارع في سياق سياسي شديد الحساسية، بعد خمس سنوات من الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها سعيّد في 25 تموز/يوليو 2021، والتي أنهت عمليا النظام السياسي الذي نشأ بعد ثورة 2011، ومهّدت لتحول البلاد إلى نظام أكثر تركيزا للسلطات في مؤسسة الرئاسة.

من قصر قرطاج إلى الشارع


ويبدو لافتا في نشاط الرئيس أن محطاته الثلاث ـ قصر قرطاج، المجلس الأعلى للتربية والتعليم، ثم الشارع ـ تنسجم مع الرسالة السياسية التي دأب سعيّد على تقديمها: دولة قوية تضطلع بمسؤولياتها الاجتماعية، ومؤسسات جديدة يقول إنها يجب أن تنطلق من "إرادة الشعب"، واتصال مباشر بالمواطنين خارج الأطر الحزبية التقليدية.

وخلال اجتماعه بأعضاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم، دعا سعيّد إلى العمل من أجل "تعليم وطني ديمقراطي نابع من إرادة الشعب التونسي"، كما شدد على أن التعليم حق تتحمل الدولة مسؤوليته، داعيا إلى توفير الظروف الملائمة للتلاميذ والطلبة، بما في ذلك النقل والصحة والأدوات والوسائل التعليمية.

وقد بدأ المجلس الأعلى للتربية والتعليم مباشرة مهامه بعد استكمال تركيبته القانونية؛ إذ صدرت أوامر رئاسية في آب/أغسطس الجاري لتعيين أعضاء الهيئة العليا للمجلس وتكليف محمد علي البوغديري بمهام الكاتب العام، فيما دعا سعيّد أعضاءه إلى عقد جلسته الافتتاحية في 17 آب/أغسطس.

ويحتل المجلس موقعا مهما في تصور سعيّد لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة، باعتباره هيئة تعنى بالسياسات الكبرى المتعلقة بالتربية والتعليم، وهي من الملفات التي يربطها الرئيس بصورة مباشرة بمستقبل الدولة والمجتمع.

معارضة تدعو إلى التوحيد


في المقابل، تتحرك قوى المعارضة التونسية في اتجاه مختلف تماما، إذ تدعو منذ فترة إلى توحيد صفوفها في مواجهة ما تعتبره تراجعا عن المسار الديمقراطي الذي أعقب ثورة 2011.

وفي حزيران/يونيو الماضي، وجه 11 سجينا سياسيا تونسيا نداءات إلى القوى الديمقراطية ونشطاء المجتمع المدني من أجل توحيد الجهود، معتبرين أن استعادة الحرية والديمقراطية يجب أن تكون أولوية المرحلة، وفقا لما أوردته مصادر إعلامية.

كما شهدت تونس في 25 تموز/يوليو الماضي تحركات احتجاجية للمعارضة تزامنا مع الذكرى الخامسة لإجراءات سعيّد الاستثنائية، في ظل انتقادات سياسية متواصلة لطريقة إدارة الرئيس للبلاد.

وتقول المعارضة إن الإجراءات التي اتخذها سعيّد منذ 2021 أدت إلى إضعاف المؤسسات المنتخبة وتوسيع صلاحيات الرئاسة، بينما يقدم الرئيس تلك الإجراءات باعتبارها تصحيحا لمسار سياسي فاسد، ويؤكد باستمرار أن الشرعية الحقيقية يجب أن تستند إلى إرادة التونسيين لا إلى ترتيبات النخبة الحزبية.



"الشعب" في مواجهة الأحزاب


ومنذ صعوده السياسي، بنى سعيّد جزءا كبيرا من خطابه على العلاقة المباشرة مع المواطنين، متجاوزا إلى حد كبير الوساطة الحزبية التقليدية.

وفي انتخابات 2019، وصل أستاذ القانون الدستوري السابق إلى قصر قرطاج بوصفه مرشحا مستقلا، مستفيدا من صورة سياسية مختلفة عن الأحزاب التقليدية ومن خطاب يركز على مكافحة الفساد وإعادة السلطة إلى المواطنين.

لكن العلاقة بين الرئيس والقوى السياسية تغيرت بصورة جذرية بعد 25 تموز/يوليو 2021، حين أعلن تجميد عمل البرلمان وإقالة الحكومة، قبل أن يفرض لاحقا دستورا جديدا عزز صلاحيات مؤسسة الرئاسة.

ومنذ ذلك الوقت، أصبحت تونس أمام مشهد سياسي مختلف: رئيس منتخب يملك نفوذا واسعا على السلطة التنفيذية، ومعارضة تقول إن المؤسسات الديمقراطية تعرضت للتفكيك، فيما يدافع سعيّد عن مساره باعتباره استجابة لمطالب التونسيين ورفضا للمنظومة السياسية السابقة.

المعارضة بين السجن والشارع


وتزداد حدة هذا الاستقطاب مع استمرار ملاحقة عدد من أبرز شخصيات المعارضة أو سجنهم في قضايا تتعلق، من بين أمور أخرى، بما يعرف في تونس بملف "التآمر على أمن الدولة".

وتعتبر المعارضة ومنظمات حقوقية أن هذه القضايا ذات خلفية سياسية، بينما تؤكد السلطات التونسية أن القضاء مستقل وأن المتهمين يحاسبون على أفعال تنتهك القانون.

وفي المقابل، يواجه سعيّد انتقادات لا تتعلق بالسياسة فقط، وإنما أيضا بالوعود الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت صعوده. فقد قالت منظمة "أنا يقظ"، في تقرير صدر في 6 آب/أغسطس 2026، إن 18 وعدا فقط من أصل 91 وعدا تابعتها المنظمة قد تحقق، معتبرة أن نسبة عدم الإنجاز بلغت 81 بالمئة.

ويعكس هذا التقييم جانبا من المعركة السياسية الدائرة في البلاد: فبينما يركز الرئيس على بناء مؤسسات جديدة وإعادة صياغة علاقة الدولة بالمجتمع، تضغط المعارضة من أجل إعادة فتح المجال السياسي، فيما يبقى الاقتصاد والقدرة على تحسين الظروف المعيشية الاختبار الأكثر مباشرة لنجاح أي مسار سياسي.

رسائل سعيّد من الشارع


وفي هذا السياق، لا يبدو خروج الرئيس إلى شارع الحرية مجرد محطة عابرة ضمن برنامج يومي مزدحم. فالرئيس الذي لطالما جعل من الحديث عن "الشعب" ورفض النخب السياسية التقليدية ركنا أساسيا في خطابه، اختار أن ينهي يومه بلقاء مواطنين في الشارع، بعد اجتماعه بمؤسسة أنشئت في إطار مشروعه لإعادة تنظيم الدولة.

وتكتسب عبارته بأن "الحلول لكل المشاكل ولكل العقبات يجب أن تكون حلولا جماعية" أهمية خاصة في هذا السياق؛ فهي تتيح له تقديم نفسه باعتباره رئيسا يتحدث مباشرة مع المجتمع، وليس طرفا في الصراع الحزبي الذي يقول إنه أفسد الحياة السياسية التونسية.

لكن المعارضة قد تقرأ المشهد بصورة مختلفة تماما: فالتواصل المباشر مع المواطنين، مهما كان حضوره السياسي، لا يجيب بمفرده عن الأسئلة المتعلقة بتوازن السلطات، واستقلال القضاء، والحريات السياسية، ومصير المعارضين الموجودين خلف القضبان.

وبذلك، تبدو تونس أمام مفارقة سياسية مستمرة: رئيس يصر على أن شرعيته تستمد من الشعب ويواصل إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق رؤيته، ومعارضة تحاول إعادة القضية السياسية إلى مربع الديمقراطية والحريات والمؤسسات المنتخبة.

وبينما يتجه سعيّد إلى الشارع مخاطبا المواطنين مباشرة، تراهن المعارضة على توحيد صفوفها وإعادة تعبئة الشارع نفسه. وفي الحالتين، يبقى المواطن التونسي في قلب المعركة على تعريف المرحلة المقبلة: هل تكون استكمالا لمسار "25 يوليو" الذي يدافع عنه الرئيس، أم بداية مراجعة سياسية تعيد البلاد إلى صيغة أكثر تعددية وتوازنا بين مؤسسات الحكم؟