فوز فاراج في كلاكتون يثير جدلا.. وحزب العمال يقلل من شأنه

انتهت انتخابات كلاكتون بعودة فاراج إلى البرلمان، لكنها لم تغلق الملفات التي دفعته إلى الاستقالة أصلاً.. جيتي
استعاد زعيم حزب "ريفورم يو كي" اليميني الشعبوي نايجل فاراج مقعده البرلماني عن دائرة كلاكتون في شرق إنجلترا، بعد فوزه في انتخابات فرعية أثارت جدلاً واسعاً، بعدما قاطعها كبار الأحزاب البريطانية، فيما تحول غيابه عن مراسم إعلان النتيجة إلى محور جديد للجدل السياسي، خصوصاً بعد تضارب الروايات بين فريقه وشرطة إسيكس بشأن وجود تهديد أمني.

وحصل فاراج على 22,239 صوتاً، أي نحو 63% من الأصوات، مقابل 9,455 صوتاً للمرشح الساخر "كونت بينفيس"، الذي حل ثانياً في سباق غير مسبوق شارك فيه 34 مرشحاً، وهو أكبر عدد من المرشحين في تاريخ انتخابات برلمانية بريطانية. وبلغت نسبة المشاركة نحو 44%.

وبذلك يعود فاراج إلى مجلس العموم بعد أسابيع فقط من استقالته من المقعد نفسه، في خطوة أدت إلى إجراء الانتخابات الفرعية التي خاضها بوصفها مواجهة مباشرة مع ما يسميه "المؤسسة السياسية" البريطانية.

فوز واضح.. لكن في انتخابات استثنائية


يمنح الفوز فاراج تفويضاً انتخابياً جديداً في الدائرة التي فاز بها في الانتخابات العامة لعام 2024، عندما حصل على 21,225 صوتاً. وفي الانتخابات الحالية، ارتفع عدد أصواته قليلاً إلى 22,239، رغم اختلاف طبيعة السباق وغياب مرشحي الأحزاب الكبرى.

لكن طبيعة الانتخابات جعلت تفسير النتيجة موضع خلاف سياسي. فحزب العمال، والمحافظون، والديمقراطيون الليبراليون، إلى جانب أحزاب رئيسية أخرى، لم يدفعوا بمرشحين في السباق، معتبرين أن الانتخابات نتجت عن قرار فاراج الاستقالة من مقعده وإعادة الترشح، وأن المشاركة فيها ستمنح الانتخابات شرعية سياسية لحملة يرون أنها تخدم مصالح زعيم "ريفورم".

في المقابل، يستطيع فاراج وأنصاره الإشارة إلى أن الناخبين ذهبوا فعلياً إلى صناديق الاقتراع بأعداد ليست ضئيلة وفق معايير الانتخابات الفرعية الحديثة، وأنه حقق أكثر من 22 ألف صوت.

ويرى أستاذ السياسة في جامعة ستراثكلايد جون كيرتس أن نسبة المشاركة، التي بلغت نحو 44%، كانت "صحية" وفق معايير الانتخابات الفرعية الحديثة، وأن ذلك يسمح لـ "ريفورم" بالقول إن الناخبين لم يتعاملوا مع الاستحقاق باعتباره مجرد مزحة أو حيلة سياسية.

كونت بينفيس المنافس الأبرز


المفارقة الأبرز في الانتخابات تمثلت في صعود المرشح الساخر كونت بينفيس إلى المركز الثاني.

وحصل المرشح، الذي يخوض الانتخابات بشخصية ساخرة ترتدي غطاءً يشبه سلة المهملات، على أكثر من 9,400 صوت، أي ما يقرب من 27% من الأصوات، مستفيداً بصورة كبيرة من غياب مرشحي الأحزاب التقليدية الكبرى.

وحقق بينفيس بذلك نتيجة بارزة بالنسبة إلى حملته، إذ استطاع الاحتفاظ بوديعته الانتخابية، بل أصبح عملياً المنافس الرئيسي لفاراج في السباق.

وقال بينفيس، في تعليق ساخر على النتيجة، إنه الفائز بين المرشحين الذين "تكبدوا عناء الحضور"، في إشارة إلى غياب فاراج عن مراسم إعلان النتيجة.

وقد أضفى ذلك على الانتخابات طابعاً غير مألوف، إذ تحول السباق الذي كان يفترض أن يعيد تثبيت حضور فاراج السياسي إلى حدث انتخابي جمع بين السياسة التقليدية والسخرية السياسية والجدل حول دوافع إجراء الانتخابات أصلاً.

لماذا استقال فاراج ثم عاد؟


ترتبط الانتخابات بسلسلة من الأحداث السياسية والشخصية التي وضعت فاراج تحت ضغط متزايد.

كان زعيم "ريفورم" قد استقال من مقعد كلاكتون في يوليو/تموز، ما أدى إلى فتح الباب أمام الانتخابات الفرعية. وجاءت الاستقالة في ظل تدقيق برلماني في هدية مالية بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني تلقاها فاراج من الملياردير المرتبط بالعملات المشفرة كريستوفر هاربورن.

وأثارت الهدية أسئلة حول الإفصاح المالي والقواعد البرلمانية، بينما من المتوقع أن تستأنف لجنة المعايير البرلمانية تحقيقها مع عودة فاراج إلى مجلس العموم.

ويرى خصومه السياسيون أن الانتخابات كانت محاولة لتحويل الانتباه عن القضية المالية، فيما قدمها فاراج باعتبارها فرصة لإعادة طرح مسألة شرعيته السياسية أمام الناخبين مباشرة.

وكانت الانتخابات بمثابة رهان سياسي: إذا عاد فاراج إلى البرلمان، يمكنه القول إن الناخبين جددوا ثقتهم به رغم التحقيقات والانتقادات؛ أما خسارته فكانت ستمنح خصومه ورقة قوية للتشكيك في مستقبله السياسي.

غياب فاراج عن لحظة إعلان الفوز


لكن فاراج لم يكن حاضراً عندما أعلنت النتيجة رسمياً. وكان قد أعلن قبل عملية الفرز أنه لن يحضر إلى مركز الترفيه في كلاكتون للمشاركة في المراسم التقليدية التي يجتمع فيها المرشحون على المنصة، قائلاً إن الشرطة أبلغته بوجود «حملة منظمة» تهدف إلى تعطيل النتيجة وإفسادها.

وقال حزب "ريفورم" لاحقاً إن شرطة إسيكس نصحت فاراج بعدم الحضور بسبب "تهديد موثوق" ضده.

غير أن الشرطة قدمت رواية مختلفة بصورة واضحة. وأكدت شرطة إسيكس أنها نفذت عملية أمنية "كاملة وقوية" حول الانتخابات، شملت زيارة مراكز الاقتراع الـ51، وانتشار عناصر على الأرض، واستخدام فرق الطائرات المسيّرة.

وقالت القوة إنه لم تقع "حوادث أو مشكلات" خلال يوم الاقتراع أو أثناء عملية الفرز وحتى الساعات الأولى من صباح الجمعة، مضيفة أن قرار المرشحين حضور عملية إعلان النتيجة أو عدم حضورها يعود إلى المرشحين وفرقهم الأمنية.

وبذلك بقيت الروايتان متعارضتين: فريق فاراج يتحدث عن مخاوف أمنية وتهديد موثوق، بينما الشرطة تؤكد أنها لم تسجل حوادث وأنها كانت قادرة على تأمين عملية الفرز.

"الأمن أهم من أي شيء"


دافع نائب زعيم "ريفورم"، ريتشارد تايس، عن قرار فاراج، قائلاً إن فريقه الأمني رأى أن مستوى القلق والتهديدات يستدعي عدم حضوره.

وأضاف أن سلامة فاراج تأتي قبل أي اعتبار آخر، وأن على الجمهور الوثوق بحكم الفريق المكلف بحمايته.

لكن هذه الرواية لم تمنع خصوم فاراج من التساؤل عن سبب غيابه عن اللحظة التي كان يفترض أن يحتفل فيها بفوزه.

كما أثارت القضية انقساماً داخل المشهد السياسي، بعدما قال لي أندرسون، النائب عن "ريفورم"، إنه يصدق رواية فاراج أكثر من رواية الشرطة، رغم إقراره بأنه لم يتحدث لا مع فاراج ولا مع شرطة إسيكس بشأن الواقعة.

أما رئيسة حزب العمال، بريدجيت فيليبسون، فقالت إن سلامة السياسيين "بالغة الأهمية"، لكنها أشارت إلى أن الشرطة قدمت رواية مختلفة عن تلك التي قدمها فاراج، تاركة للناس استخلاص استنتاجاتهم.

"لا مكان للاختباء" أمام فاراج


سارع حزب العمال إلى التقليل من القيمة السياسية لفوز فاراج. وقالت فيليبسون إن الانتخابات لا تمثل انتصاراً حقيقياً لزعيم "ريفورم"، وإن أمامه الآن "لا مكان للاختباء"، في إشارة إلى ضرورة الإجابة عن الأسئلة المرتبطة بالهدية المالية البالغة 5 ملايين جنيه إسترليني وعلاقاته المثيرة للجدل.

ورأى الحزب أن الانتخابات الفرعية شكلت، بحسب تعبيره، "تشتيتاً" عن التحقيقات التي تواجه فاراج وحزبه.

أما المحافظون فتبنوا لهجة مماثلة، وقالوا إن فاراج لم يحقق أكثر مما حققه مرشح الحزب في 2019، وإنه استفاد من غياب منافسين رئيسيين.

لكن هذه الانتقادات تتجاهل، في المقابل، أن فاراج لم يخسر المقعد وأنه حصل على أغلبية واسعة من الأصوات في دائرة باتت مرتبطة سياسياً بحزبه.

إعادة انتخاب لا تنهي التحقيقات


لا تعني العودة إلى مجلس العموم انتهاء المشكلات التي دفعت إلى إجراء الانتخابات. فملف الهدية المالية البالغة 5 ملايين جنيه سيعود إلى دائرة الضوء مع استئناف التحقيق البرلماني في سلوك فاراج المالي، فيما تبقى أيضاً أسئلة أخرى حول علاقاته السابقة بشخصيات مثيرة للجدل.

وقال لي أندرسون إن "ريفورم" سيتعاون مع أي تحقيق يجريه جهاز الرقابة على المعايير البرلمانية، مؤكداً أن الحزب سيتعامل مع الإجراءات البرلمانية الرسمية.

ومن المتوقع أن يصبح فاراج مجدداً هدفاً لأسئلة النواب والصحفيين بشأن مصادر التمويل والإفصاح المالي، خصوصاً أن عودته إلى البرلمان تمنحه منصة سياسية أوسع، لكنها في الوقت ذاته تعيده مباشرة إلى نطاق الرقابة البرلمانية.

فوز فاراج وسط تغير المشهد السياسي


تأتي نتيجة كلاكتون في وقت شهد فيه المشهد السياسي البريطاني تغيراً ملحوظاً منذ قرار فاراج الدعوة إلى الانتخابات الفرعية. وبحسب كيرتس، انخفض تأييد "ريفورم" في استطلاعات الرأي الوطنية بعد الإعلان عن الانتخابات، من أقل بقليل من 27% إلى نحو 24%.

كما تغيرت الخريطة السياسية مع وصول آندي بورنهام إلى رئاسة الحكومة خلفاً لكير ستارمر، وهو ما منح حزب العمال دفعة في استطلاعات الرأي، في حين أصبح المحافظون متأخرين عن "ريفورم" في بعض القياسات.

وقال كيرتس إن فاراج يواجه تحدياً سياسياً مهماً يتمثل في إعادة "ريفورم" إلى صدارة استطلاعات الرأي والحفاظ على فارق واضح عن المحافظين.

وبالتالي، فإن نتيجة كلاكتون لا يمكن قراءتها بمعزل عن الانتخابات الوطنية المقبلة أو عن الصراع الأوسع على أصوات اليمين البريطاني.

ماذا تعني النتيجة لـ "ريفورم"؟


سيحاول الحزب بلا شك تقديم النتيجة باعتبارها تأكيداً على قوة قاعدته الانتخابية. ففاراج لم يكتفِ بالفوز؛ بل تجاوز حاجز 22 ألف صوت، وحصل على نحو 63% من الأصوات، في حين جاء أقرب منافسيه، بينفيس، بعيداً عنه بفارق كبير.

كما أن نسبة المشاركة المرتفعة نسبياً تمنح الحزب حجة ضد وصف الانتخابات بأنها مجرد تمرين سياسي بلا اهتمام شعبي.

لكن هناك جانباً آخر للأرقام. فالانتخابات لم تكن منافسة تقليدية، إذ غاب عنها عدد من أبرز الأحزاب، ما يجعل من الصعب استخدامها كمقياس مباشر للقوة الانتخابية لـ«ريفورم» على المستوى الوطني.

ولهذا يركز محللون مثل كيرتس على أن الاختبار الحقيقي لفاراج سيكون في قدرته على الحفاظ على موقع حزبه في استطلاعات الرأي الوطنية، لا مجرد إعادة الفوز بمقعد يعرف بأنه مؤيد له بقوة.

انتخابات قياسية في عدد المرشحين


إلى جانب بعدها السياسي، سجلت انتخابات كلاكتون رقماً لافتاً من الناحية الانتخابية. فقد شارك 34 مرشحاً، وهو أعلى عدد من المرشحين في انتخابات برلمانية بريطانية حتى الآن، بحسب مجلس منطقة تيندرينغ الذي أعلن النتيجة رسمياً.

وأدى هذا العدد الكبير إلى ورقة اقتراع استثنائية الطول، فيما ساهم غياب الأحزاب الكبرى في فتح المجال أمام مجموعة واسعة من المرشحين المستقلين والمرشحين ذوي الطابع الاحتجاجي أو الساخر.

وبذلك أصبحت الانتخابات حدثاً سياسياً وإعلامياً يتجاوز بكثير حدود الدائرة الانتخابية الصغيرة نسبياً.

"المؤسسة" في مواجهة فاراج


حاول فاراج منذ البداية تقديم السباق باعتباره مواجهة بينه وبين المؤسسة السياسية البريطانية. وقاطع كبار الأحزاب الانتخابات، وهو ما سمح له بتصوير نفسه بوصفه المرشح الذي يواجه النظام السياسي التقليدي.

لكن المفارقة أن هذا الغياب نفسه حرم الانتخابات من المنافسة التقليدية التي كان يمكن أن تجعل الفوز أكثر دلالة من الناحية الانتخابية.

وفي النهاية، حصل فاراج على تفويض جديد من ناخبي كلاكتون، لكنه فعل ذلك في انتخابات استثنائية، وفي ظل غياب معظم المنافسين الرئيسيين، ومع استمرار التحقيقات المالية التي كانت جزءاً من الخلفية التي قادت إلى الانتخابات أصلاً.

ما بعد كلاكتون


يعود فاراج الآن إلى مجلس العموم حاملاً انتصاراً انتخابياً واضحاً، لكنه يدخل في الوقت ذاته مرحلة جديدة من التدقيق السياسي.

فملف الهدية المالية سيعود إلى الواجهة، والتحقيقات البرلمانية ستستأنف، كما أن «ريفورم» يحتاج إلى إثبات أن نتيجته في كلاكتون ليست مجرد ظاهرة محلية مرتبطة بشخص فاراج.

وفي المقابل، سيستخدم الحزب النتيجة للتأكيد على أن قاعدته الشعبية لا تزال قوية، وأن مقاطعة الأحزاب الكبرى لم تمنع الناخبين من المشاركة بأعداد معتبرة.

أما غياب فاراج عن منصة إعلان النتيجة، فقد تحول إلى قصة موازية للفوز نفسه. فبينما يقول الحزب إن الأمن كان السبب، تؤكد الشرطة أنها لم تسجل أي حوادث وأن قرار الحضور كان شأن المرشح وفريقه الأمني.

وهكذا انتهت انتخابات كلاكتون بعودة فاراج إلى البرلمان، لكنها لم تغلق الملفات التي دفعته إلى الاستقالة أصلاً. بل على العكس، أعاد الفوز زعيم "ريفورم" إلى قلب المشهد البرلماني، حيث سيجد نفسه أمام اختبارين متوازيين: الحفاظ على الزخم الانتخابي لحزبه، ومواجهة الأسئلة المالية والسياسية التي ظلت تلاحقه حتى خلال حملته للعودة إلى المقعد.