أنقذت فرق الإنقاذ الفرنسية والبريطانية 157
مهاجرا كانوا على متن قارب صغير يحاول عبور بحر المانش باتجاه السواحل البريطانية،
بعدما اندلع
حريق في محرك القارب وتدهورت حالته بسرعة، في حادث جديد يعيد إلى
الواجهة المخاطر المتزايدة المرتبطة برحلات العبور غير النظامية، بالتزامن مع
تصاعد الضغوط السياسية على حكومة رئيس الوزراء آندي بورنهام لاتخاذ إجراءات أكثر
صرامة للحد من وصول المهاجرين إلى
بريطانيا عبر القوارب الصغيرة.
وقالت السلطات البحرية الفرنسية إن القارب
غادر السواحل الفرنسية مساء الاثنين، قبل أن يواجه خلال الليل صعوبات استدعت إنقاذ
خمسة أشخاص كانوا على متنه، بينما رفض بقية الركاب في البداية المساعدة التي
عرضتها عليهم دوريات فرنسية، مفضلين مواصلة رحلتهم باتجاه بريطانيا.
وبحسب السلطات الفرنسية، فإن المهاجرين
أصروا على مواصلة العبور رغم عروض المساعدة المقدمة من خدمات الطوارئ، ولم يقبلوا
التدخل إلا عندما بلغ الوضع درجة من الخطورة الشديدة، مشيرة إلى أن هشاشة القارب
من الناحية الهيكلية جعلت التدخل في تلك المرحلة أكثر تعقيدا.
غير أن الوضع تدهور بصورة سريعة صباح
الثلاثاء، بعدما اشتعل محرك القارب، ما أدى إلى تراجع سلامته الهيكلية وارتفاع خطر
غرقه، الأمر الذي دفع فرق الإنقاذ إلى التحرك بشكل عاجل.
وشاركت في عملية الإنقاذ، وفق تقرير لهيئة
الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، وحدات فرنسية وبريطانية، بينها قارب
الإنقاذ التابع لـ"RNLI
Eastbourne"، إلى جانب سفينتي حرس الحدود البريطانيتين BSC Contender وBSC Courageous.
وتمكنت قوارب فرنسية من إنقاذ 103 مهاجرين،
فيما تولت الوحدات البريطانية إنقاذ 54 آخرين، ليبلغ العدد الإجمالي 157 شخصا، دون
تسجيل وفيات أو إصابات، بحسب المعطيات الأولية التي أعلنتها السلطات.
وكان من المقرر نقل جميع من جرى إنقاذهم إلى
ميناء بولوني سور مير الفرنسي، حيث يخضعون للرعاية والإجراءات اللازمة، في وقت لم
ترد فيه تقارير عن وقوع قتلى أو مصابين جراء الحريق.
بريطانيا: الحادث يبرز مخاطر عبور المانش
وأكدت الحكومة البريطانية أن قيادة أمن
الحدود أُبلغت صباح الثلاثاء بوجود قارب مهاجرين يواجه مشكلة في المياه الفرنسية،
مشيرة إلى أن السفن البريطانية شاركت في عملية الإنقاذ بالتنسيق مع الجانب الفرنسي.
وقال متحدث باسم الحكومة إن الحادث
"يؤكد المخاطر الرهيبة" التي تنطوي عليها رحلات عبور المانش بالقوارب
الصغيرة، مشددا على أن لندن تواصل العمل مع
فرنسا وشركائها الدوليين لمنع هذه
الرحلات التي وصفها بأنها محفوفة بالمخاطر.
ويأتي الحادث بعد يوم واحد فقط من تعهد رئيس
الوزراء آندي بورنهام، خلال زيارة إلى دوفر، بأن تكون حكومته "بلا
هوادة" في جهودها الرامية إلى الحد من أعداد المهاجرين الذين يصلون إلى
بريطانيا على متن القوارب الصغيرة.
وقال بورنهام إن الحكومة حققت تقدما في
التعامل مع هذه القضية، مؤكدا أن المواطنين البريطانيين يريدون رؤية حلول ملموسة
لمشكلة
الهجرة غير النظامية.
وأشار إلى مضاعفة عدد عناصر إنفاذ القانون
المكلفين بمواجهة شبكات تهريب البشر على جانبي المانش، لكنه شدد في الوقت نفسه على
الحاجة إلى إنشاء نظام يوفر "طرقًا آمنة" للأشخاص الراغبين في الوصول
إلى بريطانيا.
أكثر من ألفي مهاجر منذ تولي بورنهام رئاسة
الحكومة
وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن
عدد المهاجرين الذين وصلوا إلى بريطانيا عبر القوارب الصغيرة منذ تولي بورنهام
منصب رئيس الوزراء قبل نحو أسبوعين تجاوز حاجز ألفي شخص.
وسجل الأربعاء الماضي أكبر عدد من عمليات
العبور خلال يوم واحد منذ بداية العام، مع وصول 752 مهاجرا إلى الأراضي البريطانية.
وعادة ما تشهد عمليات عبور المانش ارتفاعا
خلال أشهر الصيف، عندما تتحسن الظروف البحرية، فيما أصبحت القوارب الصغيرة من أكثر
الطرق شيوعا التي يتم من خلالها رصد أشخاص يدخلون بريطانيا بصورة غير نظامية.
ومع ذلك، تشير أرقام وزارة الداخلية
البريطانية إلى أن عدد عمليات العبور المسجلة منذ بداية العام الحالي أقل بنحو 43%
مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في حين بلغ عدد الوافدين عبر القوارب
الصغيرة ذروته عام 2022، قبل أن يبدأ في الانخفاض تدريجيا خلال السنوات التالية.
اتفاق بريطاني فرنسي بمئات الملايين
وتحاول لندن وباريس منذ سنوات الحد من
عمليات عبور المانش، التي أصبحت واحدة من أبرز الملفات السياسية في بريطانيا، في
ظل الضغوط المتزايدة على الحكومات المتعاقبة لتقليص الهجرة غير النظامية ومكافحة
شبكات تهريب البشر.
وفي أبريل الماضي، توصلت بريطانيا وفرنسا
إلى اتفاق بقيمة 662 مليون جنيه إسترليني، أو ما يعادل نحو 773 مليون يورو، يمتد
لثلاث سنوات ويهدف إلى الحد من عمليات العبور.
ويتضمن الاتفاق خططا لنشر عناصر شرطة مدربين
على التعامل مع أعمال الشغب على الشواطئ الفرنسية، إلى جانب تعزيز استخدام
الطائرات المسيرة ومروحيتين في جهود تعقب المهربين واعتراض القوارب التي تحاول
عبور المانش.
كما قالت الحكومة البريطانية إن نحو 100
مليون جنيه إسترليني من التمويل المخصص للاتفاق يمكن إعادة توجيهه أو سحبه بعد عام
في حال عدم تحقيق تقدم كاف في وقف عمليات العبور، غير أن الحكومة لم تحدد بشكل
واضح حتى الآن الأهداف التي يتعين على فرنسا تحقيقها للاستفادة من التمويل.
المعارضة تضغط على الحكومة
وأعاد حادث القارب المحترق النقاش السياسي
حول سياسة الهجرة إلى الواجهة، حيث اتهم وزير الداخلية في حكومة الظل عن حزب
المحافظين، كريس فيلب، السلطات الفرنسية بالتقاعس عن منع انطلاق القوارب من
شواطئها.
وقال فيلب إن الحادث يوضح، من وجهة نظره،
خطورة السماح للقوارب بمغادرة السواحل الفرنسية، معتبرا أن ذلك يعرض حياة
المهاجرين للخطر.
من جهته، دعا زعيم حزب "ريفورم يو
كيه"، نايجل فاراج، إلى وقف عمليات العبور، وقال إن حزبه يملك خطة للتعامل مع
الظاهرة، فيما كان الحزب قد أعلن في وقت سابق أنه سيسعى، في حال وصوله إلى الحكم،
إلى نشر البحرية البريطانية للتصدي لمحاولات العبور.
وتأتي هذه التصريحات في ظل تصاعد
الجدل
السياسي بشأن الهجرة في بريطانيا، مع اتهام حزب المحافظين حكومة حزب العمال بعدم
الوفاء بتعهداتها المتعلقة بالهجرة، في حين دعا الديمقراطيون الأحرار إلى تعزيز
التعاون مع الدول الأوروبية وتحسين العلاقات مع الشركاء الأوروبيين، بالتوازي مع
معالجة تراكم طلبات اللجوء.
الهجرة تعود إلى صدارة النقاش السياسي
ولا يقتصر الجدل على عمليات عبور المانش، إذ
عادت قضايا الهجرة واللجوء إلى صدارة النقاش السياسي البريطاني والأوروبي على
خلفية تطورات أخرى، بينها وصول أعداد كبيرة من المهاجرين سباحة إلى جيب سبتة
الإسباني في شمال أفريقيا.
وتواجه الحكومة البريطانية ضغوطا متزايدة
لتحقيق توازن بين تشديد الرقابة على الحدود وملاحقة شبكات تهريب البشر من جهة،
وتوفير مسارات قانونية وآمنة لطالبي اللجوء والمهاجرين من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، يبرز ملف القوارب الصغيرة
باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة البريطانية، خصوصا مع تكرار الحوادث
الخطرة في المانش، حيث يحاول مهاجرون عبور أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاما في
العالم على متن قوارب غالبا ما تكون صغيرة ومتهالكة وغير مجهزة لمواجهة الظروف
البحرية المتغيرة.
ويضع حادث الثلاثاء هذا التحدي أمام الحكومة
البريطانية والسلطات الفرنسية مجددا، إذ إن نجاح عملية الإنقاذ في تجنب وقوع ضحايا
لا يلغي المخاطر التي واجهها 157 مهاجرا، ولا يوقف الجدل حول فعالية الإجراءات
المتخذة لمنع الرحلات، أو حول المسؤولية المشتركة بين لندن وباريس في إدارة أزمة
باتت تتجاوز حدود البلدين لتصبح قضية أوروبية أوسع.