عاد الرئيس
التونسي الأسبق المنصف
المرزوقي
إلى واجهة المشهد السياسي والإعلامي في تونس، بعد مقابلة أجراها مع قناة
"فرانس 24"، أثارت انتقادات حادة من السلطات التونسية، فيما شنت صحيفة
جزائرية هجوما عليه، واعتبرت أن خطابه ينسجم مع ما وصفته بحملات إعلامية وسياسية
تستهدف تونس.
وتزامنت عودة المرزوقي إلى المشهد مع
تصريحات للرئيس التونسي قيس سعيد تحدث فيها عن وجود أطراف تسعى إلى ضرب استقرار
البلاد، عبر ما قال إنها محاولات لتعطيل شبكات الكهرباء والمياه وتأليب الرأي
العام ضد الدولة.
وفي أعقاب بث مقابلة المرزوقي، أعلنت وزارة
الخارجية التونسية استدعاء السفيرة الفرنسية لدى تونس للاحتجاج على استضافة الرئيس
الأسبق في قناة "فرانس 24"، معتبرة أن المقابلة تضمنت، بحسب روايتها،
مساسا بسيادة الدولة وأمنها القومي وتحريضا على الفتنة والاقتتال الداخلي.
ويأتي هذا التصعيد في سياق سياسي شديد
الحساسية، إذ تنظر السلطات التونسية إلى تحركات عدد من معارضيها في الخارج
باعتبارها جزءا من مساع لضرب استقرار البلاد، بينما يرى معارضون أن السلطات تستخدم
خطاب الأمن القومي لتضييق الخناق على خصومها السياسيين والإعلاميين.
لماذا أثارت مقابلة المرزوقي غضب تونس؟
يبدو أن حساسية السلطات التونسية تجاه ظهور
المرزوقي لا ترتبط بالمقابلة الأخيرة وحدها، بل بالسياق السياسي والقضائي الذي
يحيط بالرئيس الأسبق منذ سنوات.
فالمرزوقي، الذي تولى رئاسة تونس بين عامي
2011 و2014، أصبح من أبرز الأصوات المعارضة للرئيس قيس سعيد، ولا سيما منذ
الإجراءات التي أعلنها سعيد في 25 تموز/يوليو 2021، والتي شملت تجميد عمل البرلمان
وإقالة الحكومة، قبل أن يكرس لاحقا نظاما سياسيا جديدا عزز صلاحيات الرئاسة.
ومنذ ذلك الوقت، اتخذ المرزوقي موقفا شديد
الانتقاد لمسار سعيد، داعيا في مناسبات عدة إلى معارضته سياسيا، وهو ما جعله في
مرمى السلطات التونسية التي تتهمه، إلى جانب شخصيات معارضة أخرى، بالمساس بأمن
الدولة أو التحريض ضد مؤسساتها.
وفي المقابل، يرفض أنصار المرزوقي هذه
الاتهامات، ويعتبرون أن مواقفه تندرج ضمن حقه في التعبير والمعارضة السياسية،
خصوصا أنه يقيم خارج تونس منذ سنوات.
صحيفة جزائرية تتبنى رواية السلطات
الهجوم الأخير على المرزوقي جاء من صحيفة "الخبر"
الجزائرية، التي وصفته في عنوان لافت بأنه "حصان طروادة لثالوث الشر"،
في إشارة إلى ما اعتبرته تقاطعا بين مصالح قوى إقليمية ودولية في الملف التونسي.
وتذهب الصحيفة إلى أن خطاب المرزوقي في
الخارج يتقاطع، من وجهة نظرها، مع حملات سياسية وإعلامية تستهدف السلطات التونسية،
وتطرح قراءة تعتبر أن أطرافا خارجية تحاول استثمار الأزمة السياسية والاقتصادية في
تونس.
كما أشارت إلى ما وصفته بتقاطع مصالح بين
المغرب والإمارات وفرنسا، معتبرة أن المرزوقي يمثل، وفق هذه القراءة، أحد الوجوه
التي يمكن أن تستخدم في هذا المسار.
غير أن هذه الطروحات تبقى، وفق أنور الغربي مسؤول العلاقات الدولية الأسبق في قصر قرطاج، في إطار التحليل
والاتهامات السياسية، ولم تقدم الصحيفة، في المادة المنشورة، أدلة علنية تثبت
وجود تنسيق مباشر بين المرزوقي وهذه الأطراف أو أن تحركاته تتم بتوجيه منها.
وقال الغربي لـ
"عربي21": "يأتي إدراج المغرب في هذه الرواية في ظل
توتر سياسي قائم بين الجزائر والرباط، فيما ترتبط علاقة تونس بكل من الجزائر
والمغرب بحسابات إقليمية متشابكة. أما العلاقة مع فرنسا، فتظل شديدة الحساسية في
ضوء الروابط التاريخية والاقتصادية والسياسية بين البلدين، إضافة إلى الخلافات
المتزايدة حول ملفات الهجرة والديمقراطية وحقوق الإنسان".
المرزوقي في مواجهة القضاء التونسي
ولا يمكن فصل الجدل حول المرزوقي عن
الملاحقات القضائية التي طاولته في تونس. فالرئيس التونسي الأسبق
يواجه أحكاما وملفات قضائية في بلاده، فيما تصر السلطات على أن الإجراءات المتخذة
بحقه تأتي في إطار تطبيق القانون، بينما تقول المعارضة ومنظمات حقوقية إن بعض
القضايا ذات خلفية سياسية.
وتصاعدت هذه المواجهة مع صدور أحكام غيابية
بحقه، الأمر الذي عزز انتقال نشاطه السياسي إلى الخارج، حيث يواصل انتقاد سياسات
الرئيس قيس سعيد.
وبذلك، تحولت شخصية المرزوقي إلى نقطة تقاطع
بين الصراع السياسي الداخلي في تونس والتجاذبات الإقليمية والدولية المحيطة بها.
صراع الروايات
وتكشف الحملة الأخيرة ضد المرزوقي عن صراع
أوسع على الرواية السياسية بشأن مستقبل تونس.
فالسلطات التونسية تقدم نفسها باعتبارها
الطرف الذي يخوض معركة لحماية الدولة من محاولات التخريب والتدخل الخارجي، وتتهم
خصومها باستغلال الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لإرباك مؤسسات الدولة.
في المقابل، يرى معارضو سعيد أن الخطاب
الرسمي حول "المؤامرات" و"التدخلات الخارجية" يستخدم لتبرير
التضييق على المعارضة وإسكات الأصوات المنتقدة، ويؤكدون أن الأزمة التونسية في
جوهرها داخلية، وترتبط بالمسار السياسي والاقتصادي الذي دخلته البلاد منذ 2021.
وبين هاتين الروايتين، يجد المرزوقي نفسه في
موقع رمزي بارز، باعتباره أحد أبرز خصوم سعيد في الخارج، وهو ما يجعل ظهوره
الإعلامي عرضة لتأويلات سياسية تتجاوز مضمون تصريحاته نفسها.
لماذا الآن؟
يأتي هذا السجال في توقيت حساس بالنسبة إلى
تونس، مع إحياء ذكرى 25 تموز/يوليو، وهي المناسبة التي ارتبطت بالإجراءات التي
اتخذها قيس سعيد عام 2021 وأعادت رسم المشهد السياسي في البلاد.
وتتزامن هذه المرحلة مع استمرار التحديات
الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب تصاعد التوتر بين السلطة والمعارضة، الأمر الذي
يجعل أي تصريح صادر عن شخصية سياسية بارزة في الخارج قابلا للتحول إلى مادة للصراع
السياسي والإعلامي.
ومن هذه الزاوية، فإن الهجوم على المرزوقي
لا يبدو مجرد رد فعل على مقابلة تلفزيونية، بل جزءا من معركة أوسع حول من يملك حق
تعريف الأزمة التونسية: هل هي نتاج مؤامرات وضغوط خارجية تستهدف الدولة، كما تقول
السلطة وأنصارها، أم أنها أزمة سياسية داخلية سببها مسار الحكم منذ 2021، كما تقول
المعارضة؟
وفي ظل غياب أدلة علنية تثبت الاتهامات
المتبادلة بشأن وجود تنسيق خارجي مباشر، يبقى المؤكد أن المرزوقي لا يزال يمثل
شخصية خلافية في المشهد التونسي، وأن ظهوره الإعلامي، خصوصا عبر وسائل إعلام
دولية، يعيد فتح ملفات الصراع السياسي والقضائي التي لم تُحسم بعد.
كما أن رد الفعل الرسمي التونسي على مقابلة
واحدة يوضح حجم الحساسية التي باتت تحيط بأي خطاب صادر عن معارضي السلطة في
الخارج، في وقت تتداخل فيه الأزمة الداخلية مع علاقات تونس المتوترة والمتغيرة مع
عدد من القوى الإقليمية والدولية.
وبينما تصر السلطات على أن الأمر يتعلق
بحماية السيادة والأمن القومي، يرى خصومها أن القضية تتعلق بحرية التعبير وحق
المعارضة في مخاطبة الرأي العام من الخارج. وفي الحالتين، يبدو أن اسم المنصف
المرزوقي سيظل حاضرا في قلب الجدل حول مستقبل تونس، حتى بعد سنوات من مغادرته قصر
قرطاج.
الجنسية المزدوجة.. معلومة تحتاج إلى تصحيح
ومن بين النقاط التي تستوقف في تقرير صحيفة
"الخبر" الجزائرية حديثها عن أن المنصف المرزوقي "يحمل الجنسيتين
الفرنسية والمغربية". وهذه المعلومة تحتاج إلى تدقيق، إذ إن المرزوقي، وفق أنور
الغربي مسؤول العلاقات الدولية الأسبق في قصر قرطاج،، تونسي الجنسية، ولا يملك الجنسية
الفرنسية أو المغربية. وأن الإقامة في فرنسا أو ارتباطه السياسي والثقافي بالمغرب
لا يعني، بأي حال، حمل جنسية البلدين.
ووفق الغربي في تصريحاته الخاصة لـ
"عربي21" فإن إقحام فرنسا والمغرب في توصيف هوية المرزوقي قد يتجاوز
مجرد خطأ معلوماتي، خصوصا أن التقرير يربط الرجل بالدولتين في سياق اتهامي، وهو ما
يمكن قراءته في ضوء التوتر السياسي القائم بين الجزائر من جهة، وكل من فرنسا
والمغرب من جهة أخرى. ومن ثم، فإن تقديم المرزوقي بوصفه صاحب جنسيات متعددة، وهو
افتراء، يخدم سردية سياسية أكثر مما يقدم معلومة دقيقة عن الرجل.
"ثالوث
الشر".. تناقضات في الرواية
وأضاف الغربي: "أما وصف المرزوقي بأنه
"حصان طروادة لثالوث الشر"، فيبدو أكثر إشكالية عند النظر إلى مواقفه
السابقة من الأطراف التي يضعه التقرير في خانة التقاطع معها، ولا سيما الإمارات. فالمرزوقي كان، على مدى
سنوات، من أبرز المنتقدين للسياسات الإماراتية في المنطقة، واتهم أبوظبي بالتدخل
في مسار التحولات التي أعقبت ثورات الربيع العربي، كما عبّر مرارا عن مواقف معارضة
للسياسات التي تبنتها الإمارات تجاه حركات الإسلام السياسي والثورات العربية. ولذلك،
فإن تصويره اليوم باعتباره أداة لمشروع إماراتي يحتاج إلى أدلة قوية، لا إلى مجرد
توافق مزعوم في المواقف أو استنتاجات سياسية."
وتابع: "الأمر نفسه ينطبق على العلاقة
مع المغرب؛ إذ إن المرزوقي لم يكن معروفا بموقف مؤيد للسياسة المغربية في ملف
التطبيع مع إسرائيل، بل اتخذ موقفا منتقدا للتطبيع، وهو ما عرضه بدوره لانتقادات
من جهات مؤيدة لهذا المسار. وبالتالي، فإن وضعه في خانة "الثالوث" الذي
يضم المغرب والإمارات وفرنسا يبدو متناقضا مع سجل مواقفه المعلنة".
وأكد الغربي "أن الربط بين المرزوقي
وهذه القوى الثلاث يبدو، في غياب أدلة موثقة، أقرب إلى اتهام سياسي يراد منه تشويه
صورته منه إلى توصيف يستند إلى وقائع ثابتة. فالمرزوقي، في مواقفه المعلنة خلال
السنوات الماضية، كان في كثير من الملفات على خلاف واضح مع أبوظبي، كما انتقد
التطبيع المغربي مع إسرائيل، بينما تظل علاقته بفرنسا مرتبطة أساسا بإقامته فيها
ونشاطه السياسي والإعلامي من خارج تونس".
واعتبر الغربي أن "هجوم صحيفة الخبر
الجزائرية على الرئيس المرزوقي بهذه الطريقة لا يمكن فهمه إلا أنه جزء من الإسناد
الجزائري الرسمي لنظام الرئيس قيس سعيد في تونس، الذي يبدو اليوم أنه معزول داخليا
وإقليميا ودوليا بسبب سوء إدارته للبلاد وحجم الانتهاكات الحقوقية التي اقترفها
بحق معارضيه وشركائه في الحكم"، وفق تعبيره.
الجزائر وقيس سعيد.. دعم سياسي يتجاوز العلاقات التقليدية
ولا يمكن قراءة الموقف الجزائري من الجدل الدائر حول المنصف المرزوقي بمعزل عن طبيعة العلاقة الوثيقة التي نشأت بين الجزائر والرئيس التونسي قيس سعيد منذ وصوله إلى السلطة. فقد أكدت الجزائر في مناسبات عدة دعمها لتونس ولقيادتها الحالية، وعبّر الرئيس عبد المجيد تبون صراحة عن وقوف بلاده إلى جانب تونس، واصفا قيس سعيد بـ"أخي الرئيس"، فيما أشاد سعيد بدوره بـ"الدعم المستمر" الذي تقدمه الجزائر لبلاده. كما واصلت الحكومتان تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين البلدين، في مسار يعكس تقاربا لافتا في المواقف الرسمية.
ومن هذا المنطلق، يرى منتقدون للسلطة التونسية أن الجزائر باتت من أبرز الداعمين الإقليميين لقيس سعيد، سياسيا ودبلوماسيا، خصوصا في ظل الضغوط التي تواجهها تونس بسبب الانتقادات المتعلقة بمسارها السياسي وحقوق الإنسان. وفي المقابل، تقدم الجزائر موقفها باعتباره دعما للدولة التونسية واستقرارها وسيادتها، وليس تدخلا في شؤونها الداخلية. وبين الروايتين، يصعب فصل التغطية الإعلامية الجزائرية المتعاطفة مع السلطة في تونس عن هذا التقارب السياسي، وإن كان من غير الممكن الجزم بأن كل موقف إعلامي جزائري يعكس بالضرورة توجيها رسميا من السلطات الجزائرية.