يثير دعم الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب المتزايد لقطاع
العملات المشفرة تساؤلات بشأن تداعياته على استقرار النظام المالي الأمريكي والعالمي، في ظل تداخل مصالحه السياسية والاقتصادية مع هذه الصناعة، وما قد يترتب على ذلك من مخاطر على الأسواق المالية.
وذكرت صحيفة "الغارديان" في تقرير للكاتب إدواردو بورتر، ترجمته "عربي21"، أن ترامب حقق خلال عامه الأول في منصبه مكاسب مالية قدرت بنحو 2.2 مليار دولار، بعدما احتفظ بإدارة مصالحه التجارية خلافًا لما درج عليه رؤساء أمريكيون سابقون، الذين عمدوا إلى فصل أصولهم التجارية عن مناصبهم الرسمية.
وأشار التقرير إلى أن استخدام الرئيس الأمريكي صلاحياته الرسمية لتحقيق أرباح من تعاملات تجارية مع جهات متهمة بغسل الأموال ومستثمرين من الشرق الأوسط يثير مخاوف متزايدة، معتبرة أن الأشد خطورة هو عجز مؤسسات الرقابة والضوابط الدستورية الأمريكية عن الحد من هذه الممارسات.
وبحسب التقرير، فإن أكبر مكاسب ترامب، والتي بلغت نحو 1.2 مليار دولار، جاءت من قطاع العملات المشفرة، بالتزامن مع اتخاذ إدارته خطوات لتسهيل تنظيم القطاع ودمجه ضمن النظام المالي الرسمي، وهو ما اعتبرته الصحيفة تطورًا قد يحمل مخاطر كبيرة على الاقتصاد الأمريكي.
ورأت الصحيفة أن العملات المشفرة، وبعد مرور 17 عامًا على ظهور "بيتكوين"، لم تثبت حتى الآن استخدامًا اقتصاديًا واسعًا، واقتصر حضورها -بحسب التقرير- على استخدامها في بعض الأنشطة غير المشروعة، وتمكين دول خاضعة للعقوبات، مثل روسيا وإيران، من الالتفاف على القيود المالية، فضلًا عن كونها أداة استثمارية شديدة التقلب.
ولفت التقرير إلى أن ترامب كان قد وصف العملات المشفرة في السابق بأنها "عملية احتيال"، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز داعميها، بعد تلقي حملته الانتخابية تمويلًا من شركات القطاع، ودخوله شخصيًا إلى السوق عبر إطلاق شركة "وورلد ليبرتي فاينانشال"، التي باع 49 بالمئة منها لشركة استثمارية مرتبطة بالإمارات مقابل 500 مليون دولار، إلى جانب إطلاق عملته الرقمية الخاصة "$Trump"، التي حققت له، وفق الصحيفة، أكثر من 600 مليون دولار.
وأضاف أن إدارة ترامب ألغت برنامج هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية المختص بإنفاذ القوانين المتعلقة بالعملات المشفرة، وأوقفت عددًا من الدعاوى والتحقيقات ضد شركات القطاع، كما قلصت وزارة العدل ملاحقاتها القضائية المتعلقة بغسل الأموال والمخالفات المرتبطة بمنصات العملات المشفرة.
وأوضح أن الكونغرس الأمريكي أقر "قانون جينيوس" بدعم من ترامب، بعد تلقي عدد من السياسيين تبرعات من قطاع العملات المشفرة، وهو قانون يسمح بدمج العملات المستقرة ضمن النظام المالي التقليدي، بما يتيح للبنوك والمؤسسات المالية وغير المصرفية، وحتى شركات التجزئة، إصدار عملات مستقرة مرتبطة بالدولار الأمريكي.
وأشار إلى أن العملات المستقرة لا تتمتع بضمان المؤسسة الفيدرالية لتأمين الودائع، بخلاف الحسابات المصرفية التقليدية، رغم اعتمادها على استثمارات في أصول عالية الجودة مثل سندات الخزانة الأمريكية للحفاظ على استقرار قيمتها، مع الترويج لها كوسيلة منخفضة التكلفة للتحويلات المالية الدولية.
وأضاف التقرير أن المؤسسات المالية الكبرى بدأت بالفعل في التوسع داخل هذا القطاع، إذ بلغ عدد العملات المستقرة المتداولة 233 عملة حتى مطلع حزيران/ يونيو، فيما استحوذت شركات مثل "ماستركارد" على شركات متخصصة، وبدأت استخدام العملات المستقرة في بعض عمليات التسوية، بينما تعمل بنوك مثل "سيتي بنك" و"جي بي مورغان" على تطوير بنيتها التحتية الرقمية وإطلاق عملاتها المستقرة الخاصة.
ولفت إلى أن ترامب يدفع أيضًا باتجاه إقرار "قانون الوضوح" (Clarity Act)، الذي يهدف إلى توفير إطار تنظيمي أكثر مرونة لشركات العملات المشفرة، بما يسمح بإصدار وتداول أصول رقمية أكثر تقلبًا مثل "بيتكوين".
ونقل التقرير تحذيرات الخبيرين الاقتصاديين غاري غورتون من جامعة ييل، وجيفري تشانغ من جامعة ميشيغان، من التقليل من المخاطر التي قد تشكلها العملات المستقرة على النظام المالي، معتبرين أن انتظار تفاقم الأزمة قبل التدخل التنظيمي سيكون "خطأً فادحًا".
وأضاف أن توسع العملات المستقرة قد يؤدي إلى سحب السيولة من البنوك التجارية، وزيادة الطلب على سندات الخزانة الأمريكية، بما يساعد الحكومة على تمويل ديونها، لكنه قد يقلص في المقابل حجم التمويل المتاح للاقتصاد الحقيقي.
كما حذر من أن تنافس مئات العملات المستقرة الخاصة قد يؤدي إلى نظام مدفوعات أكثر تعقيدًا، مع اختلاف مستويات المخاطر بين الجهات المصدرة، وإمكانية لجوء بعضها إلى استثمارات أكثر مخاطرة لتحقيق عوائد أعلى، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام أزمات مالية تشبه حالات الهلع المصرفي.
ورأى التقرير أن غياب الشفافية، وعدم وجود جهة تؤدي دور "المقرض الأخير" في سوق العملات المستقرة، قد يؤديان إلى اضطرابات حادة، إذ إن بيع الأصول الاحتياطية بصورة جماعية خلال فترات الذعر قد يتسبب في تراجع أسعار سندات الخزانة الأمريكية، وارتفاع أسعار الفائدة، وزعزعة استقرار الأسواق المالية.
واعتبر أن البديل الأكثر أمانًا يتمثل في إصدار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي دولارًا رقميًا رسميًا مدعومًا بالكامل من الدولة، بما يسمح بالاستفادة من التكنولوجيا المالية الحديثة دون تعريض النظام المالي لمخاطر كبيرة.
واختتم التقرير بالقول إن العقبة الرئيسية أمام هذا الخيار تتمثل، من وجهة نظرها، في أنه لن يوفر لترامب وعائلته المكاسب المالية الضخمة التي يحققها النموذج الحالي القائم على العملات المشفرة.