14 تموز 1958.. اليوم الذي سقط فيه العرش العراقي وبدأ عصر الانقلابات

يرى المؤرخون أن أحد أهم آثار انقلاب 1958 كان انتقال مركز القوة السياسية من القصر الملكي والنخب التقليدية إلى المؤسسة العسكرية والأحزاب الأيديولوجية.. أرشيفية
في فجر الرابع عشر من تموز/يوليو عام 1958، استيقظ العراق على واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في تاريخه السياسي الحديث، حين تحركت وحدات من الجيش العراقي بقيادة مجموعة من الضباط، معلنة إسقاط النظام الملكي الذي حكم البلاد منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي، وإنهاء حقبة استمرت قرابة أربعة عقود ارتبطت بالأسرة الهاشمية والتحالفات الإقليمية والدولية التي رسمت ملامح العراق منذ خروجه من الانتداب البريطاني.

لم يكن انقلاب 14 تموز مجرد تغيير للحكم، بل كان نقطة تحول عميقة أعادت تشكيل بنية الدولة العراقية، ونقلت البلاد من نظام ملكي دستوري إلى جمهورية يقودها الجيش، لتبدأ مرحلة جديدة اتسمت بالصراعات السياسية الحادة، وتنافس التيارات القومية والشيوعية والإسلامية، وتكرار تدخل المؤسسة العسكرية في الحكم، وصولاً إلى التحولات التي قادت لاحقاً إلى صعود حزب البعث ووصول صدام حسين إلى السلطة.

وبعد مرور أكثر من ستة عقود على الحدث، لا يزال انقلاب 1958 يمثل محطة خلافية في الذاكرة العراقية؛ إذ يراه مؤيدوه ثورة أنهت نظاماً مرتبطاً بالنفوذ البريطاني وفتحت الباب أمام بناء جمهورية مستقلة، بينما يعتبره منتقدوه بداية مرحلة من عدم الاستقرار السياسي، وانهيار التقاليد الدستورية، ودخول العراق في دائرة الانقلابات والصراعات الداخلية.

من المملكة العراقية إلى لحظة الانفجار

تأسست المملكة العراقية عام 1921 تحت الانتداب البريطاني، واختير الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق عام 1921، قبل أن يُعلن استقلال المملكة رسمياً عام 1932 وانضمامها إلى عصبة الأمم.

ورغم انتهاء الانتداب رسمياً، بقيت العلاقات العراقية البريطانية حاضرة بقوة، خصوصاً في المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية. وأُبرمت معاهدات عززت التعاون بين بغداد ولندن، كان أبرزها معاهدة 1930 التي منحت بريطانيا امتيازات عسكرية واسعة، وأثارت معارضة داخلية لدى قطاعات سياسية وشعبية رأت فيها استمراراً للنفوذ البريطاني.

وخلال السنوات اللاحقة، شهد العراق أزمات متكررة بين القصر الملكي والحكومات المتعاقبة، كما ازدادت الهوة بين النخب الحاكمة والشارع، خصوصاً مع تصاعد المد القومي العربي بعد الحرب العالمية الثانية، وظهور تيارات سياسية تطالب بإعادة تعريف دور العراق في المنطقة.

وجاءت هزيمة الجيوش العربية في حرب فلسطين عام 1948 لتزيد من الانتقادات الموجهة للنظام الملكي، حيث اتهمت قوى سياسية عديدة النخب الحاكمة بالعجز عن مواجهة المشروع الصهيوني وبالارتباط بالمصالح الغربية.

الجيش يتحول إلى لاعب سياسي

منذ تأسيس الدولة العراقية، لعب الجيش دوراً مركزياً في الحياة العامة، ولم يكن بعيداً عن الصراعات السياسية. فقد شهد العراق خلال العهد الملكي تدخلات عسكرية مبكرة، كان أبرزها انقلاب الفريق بكر صدقي عام 1936، الذي يعد أول انقلاب عسكري في العالم العربي الحديث.

ومع مرور الوقت، نشأت داخل المؤسسة العسكرية تيارات متأثرة بالأفكار القومية، خصوصاً فكرة الوحدة العربية والتحرر من النفوذ الأجنبي، وكان من بين هؤلاء مجموعة من الضباط الشباب الذين عُرفوا لاحقاً باسم "الضباط الأحرار"، متأثرين بتجربة حركة الضباط الأحرار في مصر عام 1952.

وكان من أبرز قادة هذه المجموعة العميد الركن عبد الكريم قاسم والعقيد عبد السلام عارف، اللذان لعبا الدور الرئيسي في التخطيط لتحرك تموز/يوليو 1958.

لحظة الانقلاب: سقوط الملكية وإعلان الجمهورية

بدأ التحرك العسكري في الساعات الأولى من صباح 14 تموز/يوليو 1958، عندما كانت وحدات من الجيش في طريقها من معسكراتها إلى مناطق أخرى ضمن خطة عسكرية مرتبطة بالتطورات الإقليمية، لكنها اتجهت نحو بغداد لتنفيذ الانقلاب.

دخلت القوات العاصمة وسيطرت على مواقع استراتيجية، بينها الإذاعة والقصر الملكي، وأعلن الضباط انتهاء النظام الملكي وقيام الجمهورية العراقية.

وقُتل الملك فيصل الثاني، وولي العهد الأمير عبد الإله بن علي، ورئيس الوزراء نوري السعيد خلال الأحداث التي رافقت سقوط النظام، في مشهد دموي أنهى وجود الأسرة الهاشمية في العراق.

وأعلن عبد الكريم قاسم تشكيل حكومة جديدة، وتولى منصب رئيس الوزراء ووزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة، بينما أصبح عبد السلام عارف نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للداخلية.

الجمهورية الأولى.. بين الاستقلال والصراع الداخلي

حظي الانقلاب في بدايته بتأييد واسع من قوى سياسية وشعبية كانت ترى في النظام الملكي رمزاً للهيمنة الأجنبية والامتيازات الاجتماعية. كما رحبت به بعض القوى العربية التي اعتبرت سقوط الملكية العراقية جزءاً من موجة التحرر القومي في المنطقة.

واتخذت الحكومة الجديدة عدداً من القرارات التي عكست توجهها نحو الاستقلال عن النفوذ الغربي، كان أبرزها الانسحاب من حلف بغداد عام 1959، وإعادة صياغة العلاقات الخارجية للعراق، والتقارب مع الاتحاد السوفيتي.

كما أطلقت الجمهورية الأولى برامج إصلاحية، من بينها قانون الإصلاح الزراعي عام 1958، الذي استهدف تقليص نفوذ كبار ملاك الأراضي وإعادة توزيع الملكيات الزراعية.

لكن المرحلة الجديدة سرعان ما دخلت في صراعات سياسية حادة بين القوى المؤثرة، خصوصاً بين القوميين العرب والشيوعيين وأنصار عبد الكريم قاسم.

صراع القوميين والشيوعيين ونهاية تجربة قاسم

كان الخلاف حول هوية العراق ومستقبله السياسي أحد أبرز محاور الصراع بعد الثورة.

فالقوميون العرب، ومن بينهم حزب البعث العربي الاشتراكي، كانوا يدعون إلى وحدة العراق مع الجمهورية العربية المتحدة التي تأسست بين مصر وسوريا عام 1958 بقيادة جمال عبد الناصر.

أما عبد الكريم قاسم، فكان أكثر تمسكاً بفكرة الدولة العراقية المستقلة، وابتعد تدريجياً عن مشروع الوحدة العربية، كما فتح المجال أمام الحزب الشيوعي العراقي للنشاط السياسي، ما أثار غضب التيارات القومية.

وفي عام 1959، تعرض قاسم لمحاولة اغتيال نفذتها مجموعة مرتبطة بحزب البعث، كان من بين أفرادها شاب يدعى صدام حسين، وفق الرواية التاريخية المعروفة.

وتصاعدت الأزمة السياسية حتى انتهت بانقلاب عسكري جديد في شباط/فبراير 1963، أطاح بعبد الكريم قاسم وأعدمه، لتبدأ مرحلة أخرى من الصراعات داخل الدولة العراقية.

نهاية الملكية وبداية عصر الانقلابات

يمثل انقلاب 14 تموز 1958 بداية مرحلة جديدة في التاريخ العراقي، إذ أنهى الحكم الملكي لكنه أدخل البلاد في دائرة من التغييرات العسكرية المتلاحقة.

فبعد سقوط الملكية، لم يعد تداول السلطة يتم عبر المؤسسات الدستورية والانتخابات، بل عبر تحركات داخل الجيش، حيث شهد العراق سلسلة انقلابات وصراعات داخلية، من انقلاب 1963 إلى انقلاب 1968 الذي أوصل حزب البعث إلى السلطة.

ويرى المؤرخون أن أحد أهم آثار انقلاب 1958 كان انتقال مركز القوة السياسية من القصر الملكي والنخب التقليدية إلى المؤسسة العسكرية والأحزاب الأيديولوجية، وهو تحول ترك أثراً عميقاً على طبيعة الدولة العراقية لعقود لاحقة.

العراق بعد 1958.. إرث سياسي ما زال حاضراً

رغم مرور عقود على الحدث، لا يزال تقييم انقلاب 14 تموز محل خلاف بين العراقيين.

فبالنسبة لأنصاره، كان الانقلاب لحظة تحرر وطني أنهت نظاماً ملكياً مرتبطاً بالقوى الاستعمارية، وفتحت المجال أمام إصلاحات اجتماعية واقتصادية، ورسخت مفهوم الجمهورية في العراق.

أما معارضوه، فيرون أنه قطع مسار التطور الدستوري للدولة العراقية، وأدخل البلاد في حكم العسكر والصراعات الأيديولوجية، ومهّد لظهور أنظمة أكثر سلطوية في العقود التالية.

وبين القراءتين، يبقى الرابع عشر من تموز/يوليو 1958 واحداً من أكثر الأيام حضوراً في الذاكرة العراقية، ليس فقط لأنه أنهى العهد الملكي، بل لأنه أعاد رسم العلاقة بين الجيش والسياسة، وغيّر مسار دولة كاملة في قلب الشرق الأوسط.