ما الذي أسقط بن علي؟ وما الذي أبقى نظامه؟ قراءة في كتاب

من المفارقات اللافتة أن "بياتريس هيبو"، رغم نجاحها في تفكيك منظومة الحكم وآليات اشتغالها في تونس في كتابها الصادر سنة 2006، لم تتنبأ بسقوط نظام بن علي بعد أربع سنوات فقط.
الكتاب: "قوة الطاعة: الاقتصاد السياسي للقمع في تونس"
المؤلف: بياتريس هيبو
الناشر: دار النشر: La Découverte، باريس، فرنسا 2006

1 ـ هل سقط النظام بسقوط بن علي؟


كيف استطاع نظام زين العابدين بن علي أن يحافظ على استقراره لأكثر من عقدين؟ وكيف تمكن نظام بدا هشًا ومرفوضا اجتماعيا من الاستمرار رغم اتساع دوائر الغضب والاحتقان؟ وهل كان سقوطه في يناير 2011 نتيجة انهيار قبضته الأمنية، أم أن الثورة كشفت أن القوة التي حافظت عليه كانت أعمق من أجهزته القمعية؟

تنبع أهمية كتاب السيدة "بياتريس هيبو" "قوة الطاعة: الاقتصاد السياسي للقمع في تونس" من كونه يقدم إجابة مختلفة عن هذه الأسئلة. فهي لا تنظر إلى الاستبداد باعتباره مجرد احتكار للعنف، ولا تختزل استقرار النظام في قدرة الأجهزة الأمنية على مراقبة المجتمع وإسكات المعارضين، بل تكشف عن منظومة أكثر تعقيدا تقوم على إنتاج الطاعة داخل تفاصيل الحياة اليومية. فالسلطة، في تصورها، لا تستمر فقط لأنها تعاقب من يرفضها، بل لأنها تنجح في جعل الامتثال خيارا عمليًا يبدو أكثر أمانا وأقل كلفة بالنسبة إلى أغلبية المواطنين.

2 ـ آليات إنتاج الطاعة.. الاقتصاد والإدارة بدل القمع وحده

لا تنكر السيدة "هيبو" أهمية القمع الأمني، فقد كان حاضرا بقوة ضد المعارضين السياسيين والنقابيين والحقوقيين، لكنه لم يكن وحده مصدر قوة النظام. فالعنف المباشر، مهما بلغت شدته، لا يستطيع وحده إدارة مجتمع كامل لفترة طويلة. لذلك طوّر نظام بن علي أشكالا أخرى من السيطرة تقوم على الاقتصاد والإدارة وشبكات المصالح، وهي آليات أقل ظهورا لكنها أكثر قدرة على إعادة إنتاج النظام.

لقد أثبتت الثورة التونسية أن الأنظمة السلطوية ليست قوية فقط لأنها تمتلك أدوات القمع، بل لأنها تبني شبكة واسعة من الاعتماد تجعل استمرارها ممكنا. كما أثبتت أن إسقاط الحاكم لا يساوي بالضرورة تفكيك النظام؛ فالأصعب ليس تغيير السلطة السياسية، بل تغيير الآليات العميقة التي تجعل المجتمع يتكيف معها ويعيد إنتاجها.
لقد تحول الاقتصاد إلى إحدى أهم أدوات الحكم. فالدولة لم تكن مجرد منظم للنشاط الاقتصادي، بل كانت تتحكم في مفاتيح أساسية للفرص الاجتماعية: الوظائف، والتراخيص، والقروض، والاستثمارات، والصفقات العمومية. وبذلك أصبحت العلاقة بالسلطة عنصرا مؤثرا في الوصول إلى الموارد والحفاظ على المصالح. لم يعد السؤال بالنسبة إلى كثير من المواطنين ورجال الأعمال مرتبطا فقط بما هو قانوني أو غير قانوني، بل بما قد يترتب على أي موقف معارض من خسارة أو إقصاء أو تعطيل. وهكذا تحولت التبعية الاقتصادية إلى وسيلة لإنتاج الولاء وترويض الاعتراض.

ويكتمل هذا البناء عبر الإدارة والبيروقراطية. فتعقيد الإجراءات، وكثرة التراخيص، وتشابك القواعد لم تكن مجرد مظاهر لضعف الإدارة، بل تحولت إلى أدوات للضبط. فالمواطن الذي يحتاج إلى الدولة في تفاصيل حياته اليومية يصبح مرتبطا بها عبر سلسلة لا تنتهي من الموافقات والإجراءات والانتظارات. ومن هذه المساحات تنشأ الوساطة والمحسوبية والزبونية، لا باعتبارها انحرافات هامشية، بل باعتبارها جزءا من طريقة اشتغال النظام نفسه.

وهنا تكمن الإضافة الأساسية في تحليل السيدة "هيبو": فالاستبداد لا يعيش فقط في السجون ومراكز الأمن، بل أيضا في المكاتب الإدارية، وأماكن العمل، والأسواق، والجامعات، وفي شبكة العلاقات التي تنظم حياة الأفراد. فمن خلال تكرار هذه الممارسات اليومية يتعلم المواطن كيف يتكيف مع القواعد غير المكتوبة، وكيف يتجنب الصدام، وكيف يبحث عن موقع آمن داخل النظام بدل مواجهته. وعندما تصبح الطاعة عادة اجتماعية، فإن السلطة لا تحتاج إلى استخدام القوة في كل لحظة، لأن المجتمع نفسه يصبح، بدرجات متفاوتة، جزءا من آلية استمرارها.

3 ـ الثورة وحدود إسقاط النظام

لكن قراءة السيدة "هيبو" تطرح، بعد ثورة 2011، سؤالا أكثر عمقا: إذا كانت هذه هي طبيعة القوة التي حافظت على النظام، فهل كان سقوط بن علي يعني سقوط النظام نفسه؟

لقد اعتبرت قطاعات واسعة من المعارضة، التي عانت لعقود من القبضة الأمنية، أن هزيمة الجهاز البوليسي وانهيار رأس السلطة يمثلان جوهر الانتصار على الاستبداد. وكان من الطبيعي أن ينصرف الاهتمام بعد الثورة إلى إصلاح المجال السياسي: وضع دستور جديد، وتنظيم الانتخابات، وضمان الحريات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية. غير أن هذه المقاربة، رغم ضرورتها، افترضت ضمنيا أن مركز القوة كان موجودا أساسا في الأجهزة الأمنية، بينما تكشف قراءة السيدة "هيبو" أن جزءًا كبيرا من قوة النظام كان قائمًا في مكان آخر: في البنية الإدارية والاقتصادية وشبكات المصالح التي تنتج الطاعة وتعيد إنتاج أنماط الحكم.

ومن هنا يمكن فهم أحد أوجه تعثر الانتقال الديمقراطي في تونس. فقد تغيرت قواعد اللعبة السياسية، لكن آليات كثيرة كانت تنظم علاقة الدولة بالمجتمع بقيت تعمل بدرجات متفاوتة. فالإدارة التي كانت تنتج الامتثال، وشبكات المصالح التي ربطت الاقتصاد بالنفوذ، وأنماط العلاقة الزبونية بين المواطن والمؤسسة، لم تختف بمجرد سقوط رأس النظام. وما سمي لاحقا بـ«الدولة العميقة» لم يكن مجرد بقايا أشخاص أو أجهزة، بل كان تعبيرا عن استمرار بنية من العلاقات والقواعد غير الرسمية التي يصعب تغييرها بمجرد تعديل الدستور أو تغيير الحكومات.

4 ـ تعثر الانتقال الديمقراطي ومفارقة هيبو

ولا يعني ذلك أن تعثر التجربة الديمقراطية التونسية يعود إلى هذا العامل وحده؛ فهناك أسباب داخلية أخرى، سياسية واقتصادية واجتماعية، كما توجد عوامل إقليمية ودولية أثرت في مسار الانتقال. لكن أحد الدروس المهمة التي تكشفها قراءة "هيبو" هو أن تغيير المؤسسات السياسية لا يكفي إذا بقيت آليات إنتاج السلطة والطاعة على حالها.

من المفارقات اللافتة أن "بياتريس هيبو"، رغم نجاحها في تفكيك منظومة الحكم وآليات اشتغالها في تونس في كتابها الصادر سنة 2006، لم تتنبأ بسقوط نظام بن علي بعد أربع سنوات فقط. وهذه المفارقة لا تقلل من قيمة تحليلها، بل تكشف حدود أي تفسير يركز على بنية الاستقرار دون أن يأخذ في الاعتبار لحظات الانفجار الاجتماعي والسياسي.
ومن المفارقات اللافتة أن "بياتريس هيبو"، رغم نجاحها في تفكيك منظومة الحكم وآليات اشتغالها في تونس في كتابها الصادر سنة 2006، لم تتنبأ بسقوط نظام بن علي بعد أربع سنوات فقط. وهذه المفارقة لا تقلل من قيمة تحليلها، بل تكشف حدود أي تفسير يركز على بنية الاستقرار دون أن يأخذ في الاعتبار لحظات الانفجار الاجتماعي والسياسي. فالأنظمة قد تبدو شديدة الصلابة بسبب قدرتها على إنتاج الطاعة، لكنها قد تنهار عندما تفقد فجأة قدرتها على الإقناع أو الاحتواء.

5 ـ إسقاط الحاكم لا يعني إسقاط النظام

لقد أثبتت الثورة التونسية أن الأنظمة السلطوية ليست قوية فقط لأنها تمتلك أدوات القمع، بل لأنها تبني شبكة واسعة من الاعتماد تجعل استمرارها ممكنا. كما أثبتت أن إسقاط الحاكم لا يساوي بالضرورة تفكيك النظام؛ فالأصعب ليس تغيير السلطة السياسية، بل تغيير الآليات العميقة التي تجعل المجتمع يتكيف معها ويعيد إنتاجها.

وهنا تكمن القيمة الفكرية لكتاب السيدة "بياتريس هيبو": فهو لا يشرح فقط كيف حكم بن علي تونس، بل يساعدنا على فهم سؤال أوسع يتعلق بطبيعة السلطة نفسها: كيف تتحول الطاعة إلى قوة سياسية؟ وكيف يصبح الامتثال اليومي أحد أهم مصادر بقاء الأنظمة؟ فقبل أن تُفرض الطاعة بالقوة، غالبا ما تكون قد صُنعت عبر الاقتصاد والإدارة والعلاقات الاجتماعية.

*كاتب وناشط سياسي - باريس