باحثة إسرائيلية تكشف قصة "سرقة الحمص" من المائدة العربية

الاحتلال حاول سرقة طبق "الحمص" ونسبته إلى المطبخ الإسرائيلي- ذكاء اصطناعي
كشفت دراسة أكاديمية إسرائيلية حديثة أن الحمص ظل حتى عام 1948 طبقا عربيا خالصا، ولم يكن معروفا لدى غالبية اليهود القادمين من أوروبا، قبل أن يتحول خلال العقود اللاحقة إلى أحد أبرز رموز ما يعرف بـ"المطبخ الإسرائيلي"، في عملية تقول الباحثة إنها ارتبطت ببناء الهوية الوطنية للدولة العبرية بعد قيامها.

وتوصلت الباحثة الإسرائيلية دافنا هيرش، في كتابها الجديد "المسيرة الإسرائيلية للحمص: الاستيلاء الاستعماري، والأصالة، والتميز"، إلى أن التحول لم يكن عفويا، بل جاء نتيجة تداخل الصناعة والدعاية والسياسات الثقافية التي أعادت تقديم طبق عربي محلي بوصفه جزءا من الهوية الإسرائيلية.

وتقول هيرش في مقال بصحيفة "هآرتس"، إنه حتى قيام دولة الاحتلال عام 1948، كان الحمص طعاما عربيا بالدرجة الأولى، فيما لم يكن معظم اليهود المهاجرين من أوروبا يتناولونه أو يعرفونه، باستثناء قلة تعرفت إليه في المطاعم العربية أو من خلال احتكاكها بالسكان المحليين.


وأضافت أن الصورة بدأت تتغير أواخر خمسينيات القرن الماضي، عندما قررت شركة "ثيلما" إدخال الحمص إلى خطوط إنتاجها، وطرحت عام 1958 أول منتج صناعي منه، قبل أن يتحول لاحقا إلى سلعة واسعة الانتشار داخل المنازل والمدارس والمؤسسات.

وبحسب الدراسة، مثّل هذا المنتج نقطة تحول في علاقة المجتمع الإسرائيلي بالحمص، إذ لم يعد مرتبطا بالمطاعم العربية، بل أصبح جزءا من الحياة اليومية، وهو ما مهد لتقديمه لاحقا باعتباره "طبقا وطنيا"، في إطار سرقة الاحتلال الإسرائيلي للتراث الفلسطيني والعربي.

وتشير الباحثة إلى أن أول وصف للحمص باعتباره "الطبق الوطني الإسرائيلي" ظهر في إعلان تجاري للشركة نفسها عام 1958، وهي خطوة ترى أنها أسهمت في ترسيخ هذه الصورة داخل الوعي العام، قبل أن تعززها حملات التسويق الرسمية والمشاركة في المعارض الدولية والفعاليات الحكومية.

وتوضح أن الحمص قُدم خلال ستينيات القرن الماضي في مناسبات رسمية، من بينها احتفال أقيم بمناسبة يوم الأمم المتحدة، كما أدرج ضمن قوائم الطعام الخاصة بالوفد الرياضي الإسرائيلي في أولمبياد طوكيو عام 1964، في إطار سعي الدولة الفتية إلى صناعة رموز ثقافية تعكس هوية وطنية جديدة.

وتلفت الدراسة إلى أن اليهود القادمين من الدول العربية لعبوا دورا محوريا في هذه العملية، إذ أصبحوا جسرا بين المطبخ العربي واليهود الأشكناز، الأمر الذي منح عملية "إسرلة" الحمص قدرا أكبر من القبول، بعدما ارتبط الطبق بما تصفه الباحثة بـ"الأصالة الشرقية"، بدلا من جذوره العربية المباشرة.

وترى هيرش أن القضية لا تتعلق بمجرد انتقال الأطعمة بين الثقافات، وهو أمر مألوف في تاريخ المطابخ العالمية، بل بتحويل طبق عربي محلي إلى رمز وطني لدولة أخرى، معتبرة أن هذه العملية تختلف عن مجرد التأثر المتبادل بين الشعوب.

وتضيف أن علاقة الإسرائيليين بالحمص شهدت تحولات متعاقبة؛ فبعد أن كان طبقا عربيا، جرى -بحسب وصفها- تهميش هويته العربية مع صعود الخطاب الوطني الإسرائيلي، قبل أن يعود منذ تسعينيات القرن الماضي ليرتبط مجددا بالمطاعم العربية، التي بات كثير من الإسرائيليين يعدونها صاحبة "أفضل حمص".

وأثار الكتاب، الذي صدر باللغة الإنجليزية عن مطبعة جامعة إنديانا، جدلا داخل الأوساط الإسرائيلية، إذ حذفت دار النشر منشورا تعريفيا به بعد تعرضه لموجة من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي الإسرائيلية.

كما أعلنت هيرش أنها لا تعتزم إصدار نسخة عبرية من الكتاب في الوقت الحالي، قائلة إن ما يجري في قطاع غزة يجعل الحديث عن تاريخ الحمص أقل أولوية من الحديث عن معاناة السكان هناك، مضيفة أن الظروف الحالية تغير طريقة تناول مثل هذه القضايا.