يستمر
الاحتلال الإسرائيلي في ارتكاب الجرائم والمجازر في قطاع
غزة ولبنان، رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، في مؤشر واضح على عدم التزامه بأي تفاهمات من شأنها أن تحقق حالة من الهدوء في المنطقة التي عاشت أبشع المجازر في العصر الحديث.
خروقات نارية بذرائع واهية
ويواصل جيش الاحتلال انتهاكاته وخروقاته الفجة في غزة ولبنان، ويقوم بتوسيع "الخط الأصفر" والسيطرة على المزيد من الأراضي في قطاع غزة ومثل ذلك في
لبنان، كما ينفذ يوميا غارات تستهدف المواطنين في المناطق التي زعم أنها مناطق آمنة في غزة.
وفي أحدث إحصائية للمكتب الإعلامي الحكومي في القطاع وصلت "عربي21"، فقد بلغت خروقات الاحتلال 3338 خرقا لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وأدى ذلك على ارتقاء أكثر من ألف شهيد وما يزيد عن 3249 مصابا جراء استهدافات جيش الاحتلال، إضافة على اعتقال ما يزيد عن 110 فلسطيني.
وحول مواصلة الاحتلال عملياته العسكرية في غزة ولبنان رغم الإعلان عن اتفاقات منفصلة لوقف إطلاق النار في الجبهتين، أوضح الخبير في الشؤون الإسرائيلية، إمطانس شحادة، أن "إسرائيل تتصرف عمليا من منطلق التفسير الذي تريده لاتفاق وقف إطلاق النار، وهي تدعي أن هذا الاتفاق لا يمنعها من القيام بتنفيذ هجمات عسكرية بزعم إزالة تهديد أمني مستقبلي أو بذريعة الدفاع عن النفاس".
ونبه في حديثه لـ"عربي21" إلى أن "إسرائيل تحت هذه الذرائع تواصل حربها في قطاع غزة حتى ولو كانت بوتيرة أقل، وهي مستمر في عمليات القتل والتدمير، كما أنها لم تلتزم بوقف إطلاق النار، وتواصل عمليتها العسكرية لأنه لا يوجد من يجبرها على إيقاف هذه العمليات".
ورأى شحادة، أنه "في حال وجد ضغط عربي ودولي وأمريكي (مجتمعا)، فإن تل أبيب ستوقف الهجمات والقصف"، منوها إلى أن "دولة الاحتلال في لبنان حاولت أن تناور، وهي تدرك أنها عاجلا أم آجلا ستضطر لوقف إطلاق النار وعلى الأقل بالوتيرة الحالية، وربما تخفف، وهي تحاول المناورة وكسب الوقت لأجل البحث عن صورة انتصار ما".
وأكد أن "بنيامين
نتنياهو (رئيس حكومة الاحتلال) والائتلاف الحكومي في مأزق وأيضا الجيش الإسرائيلي في مأزق وأزمة؛ لأنه لم يحقق إنجازات إستراتيجية ولم يحقق أهداف الحرب الرئيسية لا في غزة ولا لبنان، ، بل حقق الكثير من الدمار والقتل والهدم".
وبين المختص، أن "إسرائيل ستحاول فرض معادلة حرية العمل والقيام بضربات أو هجمات ضد ما تزعم أو تسميه "تهديدات مستقبلة" أو العمل ضد إعادة ترميم قدرات حزب الله وأيضا بحجة الدفاع عن النفس"، مؤكدا أن "حزب الله لن يقبل هذه المعادلة، ولكن الأمور تتعلق بوتيرة استخدام القوة العسكرية، في حين إسرائيل لا تأبه كثيرا بالرأي العام الدولي ولا بالضغط الدولي، الضغط الوحيد الذي من الممكن أن يؤثر عليها هو ضغط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب".
شخصية نتنياهو تفسر تطور الأحداث
ونوه إلى أن "إسرائيل على ما يبدو ما زال لديها هامش للتصرف والعمل في غزة ولبنان، وهي تستغل هذا الهامش حتى النهاية وتحاول توسعته"، لافتا إلى أن "الضغط العربي على الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب، أثبت خلال العامين الماضيين أنه من الممكن أن ينجح في بعض الأحيان، وترامب يستطيع أن يضع حدا للانتهاكات الإسرائيلية واستمرار الحروب، وهذا في الوقت الحالي ربما هي الطريقة الأنجع والأسرع، كما أن الدول العربية تستطيع الضغط على إسرائيل مباشرة لوقف هذه الخروق".
من جانبه، ذكر الخبير في الشأن الفلسطيني والإسرائيلي حسن لافي، أنه "بعد السابع من أكتوبر، لم يعد ممكنا فهم السياسة الإسرائيلية وخاصة في الملف الإيراني، فقط عبر المؤسسات أو الحسابات العسكرية التقليدية، بل أصبح فهم شخصية نتنياهو نفسه جزءا أساسيا من فهم مجرى الأحداث".
ولفت في حديثه لـ"عربي21" إلى أن "نتنياهو يدرك أن أخطر ما يهدده اليوم ليس خصومه فقط، بل صورة "الفشل" المرتبطة بالسابع من أكتوبر، لذلك هو في وضع سياسي لا يسمح له بأن يظهر كرجل مرتبك أو متردد أو عاجز عن فرض الإرادة الإسرائيلية، لذا أصبح نتنياهو أكثر حساسية تجاه المزاج الداخلي الإسرائيلي، وأكثر استجابة لاحتياجات جمهوره السياسي (اليمني المتطرف) من استجابته للضغوط الأمريكية".
ونوه لافي إلى أنه "في مثل هذه الظروف، لم تعد واشنطن العامل الأكثر تأثيرا في سلوك نتنياهو، بل باتت استطلاعات الرأي ومؤشرات المزاج الإسرائيلي الداخلي، هي العامل الأكثر حسما، و نتنياهو يعرف أن مستقبله السياسي لن يحسم في البيت الأبيض، بل داخل صناديق الاقتراع الإسرائيلية، لذلك فإن أي خطوة عسكرية أو سياسية أو تفاوضية سيقيسها أولا بميزان تأثيرها على صورته داخل المجتمع الإسرائيلي، وخاصة داخل جمهور اليمين".
وأضاف: "من هنا يمكن فهم لماذا يتصرف أحيانا بطريقة تبدو متناقضة مع الرغبات الأمريكية، فعندما يشعر أن التراجع سيفسر داخليا كضعف أو خضوع للضغوط الخارجية، يميل إلى التصعيد أو إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددا، حتى لو أدى ذلك إلى احتكاك مع واشنطن، بالنسبة له، الخطر الحقيقي ليس الغضب الأمريكي المؤقت، بل فقدان صورة "القائد القوي" أمام الناخب الإسرائيلي".
وأوضح الخبير السياسي، أن "نتنياهو عندما يتعرض لضغط أمريكي، يحاول غالبا تحويله إلى رصيد داخلي، فهو يقدم نفسه لجمهوره باعتباره الرجل القادر على قول "لا" حتى للحليف الأمريكي عندما يتعلق الأمر بما يسميه "أمن إسرائيل" أو "استقلال القرار الإسرائيلي"، وهذه الرسالة تلقى صدى واسعا داخل اليمين الإسرائيلي، الذي يحمل منذ سنوات هاجس بناء دولة قادرة على فرض إرادتها دون الخضوع الكامل للضغوط الأمريكية، وهو ما يفسر جزئيا ميله إلى اتخاذ خطوات تصعيدية (بغض النظر عن اتفاقات وقف النار) حتى بعد الضغوط الأمريكية، بما يمنع ظهوره داخليا بمظهر المتراجع أو الخاضع، كما حدث بقرار قصف الضاحية الجنوبية في لبنان".
وذكر أن "نتنياهو يدرك أيضا حقيقة سياسية شخصية شديدة القسوة؛ أنه ما دام رئيسا للحكومة، ستبقى واشنطن والعالم مضطرين للتعامل معه، مهما بلغت الخلافات، أما إذا خسر السلطة، فسيفقد بسرعة جزءا كبيرا من حصانته السياسية والشخصية، وسيتحول من "رجل دولة لا يمكن تجاوزه" إلى سياسي يواجه خطر العزلة أو حتى المحاكمات".
ويسيطر جيش الاحتلال حاليا على ما يزيد عن 60 في المئة من مساحة القطاع، ويقوم بشكل متدرج بتوسيع "الخط الأصفر" والاستيلاء على المزيد من مساحة القطاع وحشر السكان والنازحين في أقل مساحة أرض ممكنة، كما يسيطر على مناطق واسعة في جنوب لبنان تحت ذريعة "المنطقة العازلة" ويواصل عملياته العسكرية هناك.