تسببت ضغوط السلطات
المصرية على السكان الفقراء في ملف المباني المخالفة بتحول خطير ضمن ردود الأفعال، يبرز أحدها ما شهدته إحدى قرى محافظة
كفر الشيخ "دلتا النيل"، الأربعاء الماضي.
وبينما تقوم سلطات مركز الحامول بمحافظة كفر الشيخ بتنفيذ قرار إزالة منزلين بقرية "المجاز الشرقي" بدعوى مخالفة الإجراءات للمرة الثانية، وفشل محاولات وقف الإزالة الجديدة، قام سائق "توكتوك" ثلاثيني بسكب البنزين على سيارة تقل رئيسة قرية "تفتيش أبوسكين" حكمت الباز (48 عاماً)، ما دفع بها للقفز في ترعة مجاورة لإطفاء الحريق، ليتم نقلها لمستشفى كفر الشيخ لتلقي العلاج من حروق درجة ثانية.
رد حكومي يتجاهل أصل الأزمة
وفي حين أوقفت الأجهزة الأمنية المتهم؛ جاء أول رد فعل حكومي، عبر توجيه وزيرة التنمية المحلية منال عوض، بإزالة التعدي الذي تم رصده بالقرية على أرض زراعية، واتخاذ الإجراءات تجاه المخالف، وإزالة أي تعديات على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة والبناء المخالف.
وذلك في بيان رسمي، رد عليه متابعون عبر صفحة الوزارة بموقع "فيسبوك" بضرورة "دراسة أسباب هذا التصرف وتحليله والاعتبار منه لعدم تكراره مستقبلاً، وسرعة الانتهاء من القانون الذي يساعد المواطن على تقنين وضعه وعدم تضييق الأمر عليه حتى لا يضطر لمثل هذه الأفعال"، مطالبين بالحفاظ على "سلامة الشاب ومحاسبته وفقاً للقانون".
وعلى الجانب الآخر طالب البعض بـ"اتخاذ إجراءات حاسمة ورادعة ضد المعتدين على الموظفين أثناء تأدية عملهم، خاصة حملات إزالة التعديات والمخالفات، لضمان حمايتهم وتمكينهم من أداء واجبهم دون خوف، وحتى لا تتكرر تلك الوقائع".
وعبر مقطع مصور، كشف أحد جيران الشاب مرتكب الواقعة، أن "هذه هي المرة الثانية التي يتم فيها هدم بيت عائلة هذا الشاب"، مبيناً أنه "يعمل سائق توكتوك وأسرته فقيرة، تمكنوا من شراء طوب أبيض (دبش) وبناء حجرتين وصالة للعيش فيهما"، مشيراً إلى وضعهم المالي والمعيشي الصعب.
صدمة ونداء تحذير
وفي قراءتهم للواقعة أعرب متابعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن صدمتهم من الواقعة، وأكدوا أن "فعل الشاب يمثل تطوراً خطيراً، وتغيراً في سلوك المصريين بمواجهة أزمة إزالة المباني من الاستجداء ومحاولة وقف الهدم بالطرق السلمية إلى مرحلة الانفجار والغضب غير المحسوب".
وأشار البعض إلى أنه "في أيار/مايو الماضي، كشف مقطع مصور قيام سيدة عجوز بمحاولة تقبيل قدم رئيسة مركز بني مزار بمحافظة المنيا إكرام محمود، لوقف إزالة بيتها، ملمحين إلى أن تطور المشهد من التقبيل إلى الحرق يطلق جرس إنذار للسلطات لوقف تلك الممارسات وحل الأزمة بطرق أخرى.
وفي حين وصف الصحفي ماجد بدران مشهد الحرق بأنه "تحول نوعي من تقبيل القدم إلى بنزين ونار"، مؤكداً أنه "حادث لا ينبغي أن يمر كغيره"، مبيناً أن "الضغط واليأس يولد الانتحار أو الانفجار".
كما حذر الخبير الاقتصادي أحمد خزيم من تصاعد حالة التوتر الاجتماعي الناتج عن لا مبالاة الحكومة بحالة وأوضاع الناس المطحونين والتعسف في استعمال السلطة.
وقال أستاذ الصحافة بكلية الإعلام الدكتور محمود خليل: "أن يعبّر شاب في مقتبل عمره عن يأسه وعجزه عن الاحتفاظ بمسكنه (المخالف) بهذه الطريقة؛ فالمشهد يقدم صورة بلاغية تصف واقعاً خطيراً اختلت فيه العلاقة بين المواطن والحكومة".
عصا دون جزرة
وحول ما يمثله تطور مشهد تعامل المصريين مع ملف هدم السلطات لمخالفات البناء، من تقبيل سيدة مسنة لقدم موظفة حكومية لوقف هدم بيتها إلى محاولة شاب حرق جسد موظفة أخرى، عقب هدم منزله، تحدث السياسي المصري يحيى عقيل إلى "
عربي21".
وقال إن "هذا تصرف طبيعي يكشف حجم تصاعد الغضب، في ظل ما يواجهه الناس من ضغوط حياتية تتفاقم يوماً عن يوم، فعندما يجد المواطن نفسه أن هذا الفعل (الهدم) سيتسبب له في خسارة كبيرة بينما هو فاقد الأمل في تعويضها؛ فليس لديه عمل أو أشغال، وحياته غير مستقرة حتى يستطيع تعويض الخسارة وإعادة البناء".
وحول ما قد يتبع هذا المشهد من انفجار، أكد البرلماني المصري السابق أنه "لا أحد يعلم متى يبدأ الانفجار؛ ولكن هذا تجرؤ يجر بعضه بعضاً، وبعد فترة قد تجد بعد واقعة حرق سيارة المجلس المحلي ورئيسته بالبنزين، من يُقدم على أكثر من هذا الفعل، ما قد يتبعه من تدخل أمني مع احتمالات مقاومة الأهالي وتوقيف بعضهم وحبسهم، من قبل نظام يستخدم العصا دون أية جزرة، حيث لم يعد بمصر جزرة".
كيف تعامل السيسي مع حاجة المصريين للسكن؟
وخلال عهد رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، شكّل ملف البناء علامات استفهام واسعة حول قراراته التي منحت الدولة حق البناء والتشييد وتملك الأراضي، مقابل فرض القيود على ملايين المصريين في ظل حاجتهم وأسرهم للسكن، إلى جانب مطالبة رأس النظام الحكومة بهدم جميع مخالفات البناء.
وفي آب/أغسطس 2020، قال السيسي: "لو الأمر استدعى الجيش ينزل كل قرى مصر"، ما مثّل إشارة لكل الإدارات المحلية بهدم عشرات الآلاف من المباني، في ظل بيانات حكومية أشارت عام 2020 إلى وجود نحو 2.8 مليون مبنى مخالف على مستوى الجمهورية لقانون البناء (رقم 119 لسنة 2008).
وقامت الدولة بعمليات إزالة لآلاف المباني، وعلى سبيل المثال في شباط/فبراير 2022 فقط، هدمت وأزالت 10 آلاف مبنى مخالف بمساحة 2 مليون و200 ألف متر مربع، و1195 حالة تعدٍ على أراضي أملاك دولة زراعية بمساحة 6905 أفدنة، وتعديات بالبناء على الأراضي الزراعية بعدد 284 مبنى بمساحة 61 ألف متر مربع.
وأصدر السيسي القانون (رقم 17 لسنة 2019) للتصالح في مخالفات البناء، لتسجّل مجالس المدن والوحدات المحلية نحو 2.8 مليون طلب تصالح، وتحصيل حوالي 22.5 مليار جنيه، نسبة 25 بالمئة من إجمالي قيمة التصالح المقدرة بحوالي 60 مليار جنيه حينها، ليتم إصدار القانون (رقم 187 لسنة 2023)، حاملاً بعض التعديلات.
وأعلنت وزارة "التنمية المحلية" تقنين وضع 2.5 مليون وحدة مخالفة حتى نهاية 2025، ما زاد حصيلة الدولة من مصالحات البناء، خاصة وأن سعر المتر يتراوح بين 50 جنيهاً بالقرى، و2500 جنيه في المدن والمناطق الحيوية.
وفي أيار/مايو الماضي، أعلنت وزارة التنمية المحلية تحقيق حصيلة بلغت 15.6 مليار جنيه من طلبات التصالح في مخالفات البناء، بعد الانتهاء من إنجاز 1.751 مليون طلب بنسبة 87 بالمئة من إجمالي 2.007 مليون طلب تم تقديمها حتى ذلك التوقيت.
ورغم تطبيق القانون تتواصل عمليات الإزالة، فعلى سبيل المثال، أعلنت وزارة التنمية المحلية في شباط/فبراير 2026، إزالة 26.845 مخالفة بين تعديات على أملاك الدولة، وأراضٍ زراعية، كما نفذت في أيار/مايو 2025، نحو 18.435 حالة إزالة.
والخميس، أكد وكيل لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب محمد الفيومي، أن إجمالي طلبات التصالح على مخالفات البناء قُدِّرت بنحو 5 ملايين طلب، مبيناً أن هناك ما بين 20 و30 مليون مواطن يقيمون بتلك المباني المخالفة.
حلال الدولة وحرام الشعب
ويقول أبو عماد (50 عاماً)، أحد المتضررين من حملات الإزالة إن "الدولة تبني مشروعات سكنية جديدة في عهد السيسي على أراضٍ زراعية وتتلف مساحات واسعة من الأراضي"، ملمحاً إلى "بناء أبراج سكنية في حي شبرا الخيمة الشعبي على مساحات واسعة من الأراضي المنزرعة"، مضيفاً: "أمرُّ من أمامها يومياً وأتحسر"، متسائلاً: "كيف يصبح ما هو حلال للدولة حراماً على الشعب؟".
وفي حديثه لـ"
عربي21"، لفت إلى أمرين أولهما أن "الحكومة لا تدرك أننا كنا قبل عقدين نعيش في بيوت ريفية تجمع كل الإخوة وزوجاتهم وأبناءهم، وأصبح لزاماً على كل صاحب أسرة بناء مسكن خاص به، بل وأصبح عليه بناء شقة وتوفير مسكن لزواج أبنائه، فقمنا بعمل كل هذا بعد شقاء السنين لتهدمه الدولة".
وثانياً، ألمح إلى أن "عمليات الهدم تمثل خسارة كبيرة للناس طوباً وأسمنتاً ورملاً وحديداً، وخسارة كبيرة للدولة، فلا تعود الأرض تصلح للزراعة"، مطالباً بأن "يكون هناك قرار آخر غير الهدم"، خاتماً بقوله: "لا نريد من الدولة شقة ولا أرضاً لا نقدر على ثمنها، فقط تتركنا لنعيش في حجرات من الطوب الدبش"، ملمحاً إلى وجود حالة من "انتقام الدولة من الشعب".
وأشار إلى قرار وزارة الكهرباء نيسان/أبريل الماضي، بتطبيق تسعيرة موحدة على 3.6 مليون عداد كودي أغلبها بالمباني المخالفة وبسعر 2.74 جنيه لكل كيلوواط، ما يفوق سعر الشريحة الأعلى لاستهلاك الكهرباء والمقدرة بسعر 2.58 جنيه، واحتمال استبعاد ما بين 10 و12 مليون مستفيد من بطاقات الدعم التمويني.
سياسة التهجير والإخلاء
وشهدت مصر منذ عام 2014 توجهاً لإخلاء وإعادة تخطيط العديد من المناطق الحيوية لأسباب تراوحت بين "الأمن القومي"، و"تطوير العشوائيات"، و"المشروعات الاستثمارية"، الأمر الذي جاء على حساب مئات الآلاف من المصريين.
وعلى سبيل المثال، وفي وقت مبكر من حكم السيسي، وبين تشرين الأول/أكتوبر 2014 وحتى عام 2018، قامت السلطات بتهجير أهالي مناطق رفح والشيخ زويد بمحافظة شمال سيناء، وإزالة مدينة رفح القديمة وعدد من القرى بهدف إنشاء منطقة عازلة مع قطاع غزة، فيما تم منع البناء بشكل تام في سيناء، وفق شهادات الأهالي.
وبين عامي 2017 و2018، جرى إخلاء منطقة "مثلث ماسبيرو" بالقاهرة من ساكنيها بدعوى تطوير المناطق العشوائية واستثمار الواجهة النيلية، وهو السيناريو الذي تحاول السلطات تنفيذه في جزيرة "الوراق" بمحافظة الجيزة، عبر نزع الملكيات وهدم المنازل لإنشاء منتجع سياحي وسط مواجهات بين الأهالي وقوات الأمن منذ منتصف العام 2017.
ومنذ نهاية 2021، تشهد منطقة الجميل بمحافظة بورسعيد قرارات حكومية بإخلاء مئات العقارات والمصايف، والتي تم تنفيذ هدمها بالقوة الأمنية مطلع 2024، لإقامة مشروعات سياحية واستثمارية.
لتشهد مشروعات الساحل الشمالي الغربي مثل "رأس الحكمة" و"علم الروم"، التي تم تخصيصها للإمارات وقطر لتنفيذ مشروعات سياحية، عمليات إخلاء للسكان مع تقديم تعويضات مالية يراها الأهالي أقل من المنطقي، ما تسبب في مواجهات مع قوات الجيش ووقوع اشتباكات في آذار/مارس 2024، ثم اعتقالات وإصابات بالرصاص بقرية جميمة في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.