رغم الحديث عن
تفاهمات إقليمية واتفاقات لوقف إطلاق النار، لا تزال الجبهة
اللبنانية مفتوحة على
احتمالات التصعيد، في ظل الضربات والانتهاكات
الإسرائيلية ومحاولات فرض معادلة
أمنية جديدة على الحدود الجنوبية، حيث يبدو أن مستقبل التهدئة لم يعد مرتبطًا
بالوضع الميداني في لبنان فقط.
وفي المقابل، تبرز
مساع أمريكية لإطلاق ترتيبات أمنية جديدة تقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار
الجيش اللبناني في المناطق الحدودية، وسط مخاوف من أن تؤدي حسابات الحكومة
الإسرائيلية ورغبتها في توسيع نفوذها الجغرافي إلى إفشال أي فرصة لتثبيت وقف إطلاق
النار ودفع المنطقة نحو جولة جديدة من المواجهات.
ومن جانبه رأى الخبير
العسكري والاستراتيجي العميد ناجي ملاعب أن مستقبل المواجهة الدائرة في جنوب لبنان
لم يعد مرتبطًا بالساحة اللبنانية وحدها، بل أصبح جزءًا من ترتيبات إقليمية أوسع تتداخل
فيها مصالح الولايات المتحدة وإيران والاحتلال الإسرائيلي، محذرًا من أن تل أبيب تسعى
إلى فرض واقع جغرافي وعسكري جديد يمتد من جنوب لبنان وصولًا إلى الجولان السوري المحتل.
وقال ملاعب، في مقابلة
مع "
عربي21"، إن الاحتلال الإسرائيلي يتعامل مع اتفاقات
وقف إطلاق النار
وفق رؤيته الخاصة، مشيرًا إلى أن التجارب السابقة أظهرت استمرارها في تنفيذ عمليات
عسكرية وانتهاكات ميدانية رغم وجود تفاهمات سياسية معلنة.
وأوضح أن اتفاق وقف
إطلاق النار الذي تم التوصل إليه كان يفترض أن يشمل جميع الجبهات، بما فيها الجبهة
اللبنانية، إلا أن إسرائيل واصلت عمليات القصف والتحليق الجوي والاستهدافات داخل الأراضي
اللبنانية، الأمر الذي أبقى احتمالات العودة إلى المواجهة العسكرية قائمة.
وأضاف أن نجاح أي تهدئة
مستدامة يرتبط بمدى التزام الاحتلال الإسرائيلي بالانسحاب من المناطق التي لا تزال
تسيطر عليها، وبتنفيذ الآليات التي تعمل واشنطن على صياغتها، والتي تقوم على دخول الجيش
اللبناني إلى المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية.
وأكد أن رفض إسرائيل
تنفيذ هذه الترتيبات سيعيد المشهد إلى نقطة الصفر، قائلاً إن العودة إلى القتال ستصبح
مسألة وقت إذا استمر الاحتلال الإسرائيلي لبعض المناطق الحدودية.
لبنان جزء من تفاهمات
واشنطن وطهران
وربط ملاعب بين التطورات
في لبنان ومسار التفاهمات الأمريكية الإيرانية، معتبرًا أن الحرب الأخيرة لم تكن حرب
موازين قوة بقدر ما كانت صراع إرادات.
وأشار إلى أن إيران
استطاعت استثمار بعض نقاط الضعف الأمريكية، خصوصًا رغبة واشنطن في الوصول إلى تسوية
شاملة تعيد دمج طهران اقتصاديًا في النظام الدولي، مع الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة
في قطاع الطاقة وخطوط الملاحة البحرية.
ولفت إلى أن انعكاسات
هذه التفاهمات قد تمتد مباشرة إلى الساحة اللبنانية، خصوصًا إذا قررت الولايات المتحدة
استخدام نفوذها لإلزام إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية.
وأضاف أن دولًا عربية
لعبت دورًا مؤثرًا في تقريب وجهات النظر، مشيدًا بالدور القطري الذي ساهم في الوصول
إلى مساحات مشتركة بين الأطراف المختلفة.
نتنياهو يقاتل من أجل
مستقبله السياسي
واعتبر الخبير العسكري
أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بات مرتبطًا سياسيًا باستمرار الحرب، موضحًا
أن إنهاء العمليات العسكرية قد يهدد مستقبله السياسي ومستقبل التحالف اليميني الحاكم
في إسرائيل.
وقال إن نتنياهو يرفع
شعار مواصلة القتال لأنه يدرك أن التراجع العسكري قد ينعكس مباشرة على فرصه الانتخابية،
في وقت بدأت فيه أصوات المعارضة الإسرائيلية تتحدث صراحة عن فشل الأهداف الاستراتيجية
للحرب.
وأكد أن الحديث الإسرائيلي
عن حماية منطقة الجليل الأعلى لا يعكس كامل الصورة، موضحًا أن تل أبيب تسعى إلى تحقيق
مكاسب جغرافية واقتصادية طويلة الأمد.
مخاطر تتجاوز لبنان
وحذر الخبير العسكري
من أن نجاح الاحتلال الإسرائيلي في فرض هذا الواقع الجديد ستكون له تداعيات واسعة على
المنطقة بأكملها، وليس على لبنان فقط.
وأوضح أن ما يجري في
قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب سوريا يشير إلى نمط متكامل من السياسات التوسعية التي
تتجاهل القرارات الدولية.
وفي المقابل، أشار
إلى أن لبنان يسعى إلى إنهاء مرحلة تحوله إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، مع التشديد
على أن أي مسار سياسي مستقبلي لن يصل إلى مرحلة التطبيع إلا ضمن تسوية عربية شاملة
تعيد الحقوق الفلسطينية.
حزب الله لم يُنهَ
عسكريًا
ورفض ملاعب الحديث
عن نجاح مشروع إنهاء حزب الله، مؤكدًا أن الحزب لا يزال يمتلك قدرات عسكرية وبنية قتالية
فاعلة رغم أشهر طويلة من العمليات العسكرية.
وأشار إلى أن إسرائيل
تكبدت خسائر بشرية خلال محاولات التقدم في بعض المناطق الحدودية، مؤكدًا أن القصف الجوي
وحده لا يكفي لإنهاء القدرات العسكرية للحزب.
وأضاف أن إسرائيل نفسها
باتت تعتمد بصورة متزايدة على المعدات والآليات غير المأهولة لتقليل خسائرها البشرية
على الأرض.
سيناريوهان يحكمان
المرحلة المقبلة
واختتم ملاعب حديثه
بالتأكيد على أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق حساس، موضحًا أن مستقبل التصعيد مرتبط
بالسؤال الأهم: هل تستطيع الولايات المتحدة فرض إرادتها على إسرائيل، أم ستنجح حكومة
نتنياهو في جر واشنطن إلى جولة جديدة من المواجهة؟
وأشار إلى أن نجاح
واشنطن في كبح جماح إسرائيل قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة، بينما سيؤدي
فشلها إلى استمرار مشروع المنطقة العازلة الذي تسعى إليه تل أبيب، والذي يمتد من جنوب
لبنان وصولًا إلى الجولان وغزة.