كشفت وزيرة التعليم البريطانية، بريدجيت فيليبسون، أن حكومة حزب العمال تستعد لتقديم "اعتذار كامل باسم الدولة" لجميع المتضررين من سياسات
التبني القسري التاريخية في إنجلترا، في خطوة تمثل تحولا في موقف الحكومات البريطانية المتعاقبة تجاه واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية إثارة للجدل في تاريخ البلاد الحديث.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام بريطانية الأربعاء، فإن ما يقدر بنحو 185 ألف طفل جرى فصلهم عن أمهاتهم غير المتزوجات وإخضاعهم للتبني بين عامي 1949 و1976 في إنجلترا وويلز، ضمن ممارسات تعرضت لاحقا لانتقادات واسعة باعتبارها انتهاكا لحقوق الأمهات والأطفال.
وخلال إفادتها أمام لجنة التعليم في البرلمان البريطاني، قالت فيليبسون: "أعلم أنكم في اللجنة ترغبون في سماع أن هذه الحكومة ستقدم قريبا جدا اعتذارا كاملا باسم الدولة لكل المتضررين من التبني القسري التاريخي في إنجلترا".
وأضافت: "سيكون لدى رئيس الوزراء المزيد ليقوله بشأن هذه المرحلة المخزية من تاريخنا، بما يعكس حجم ما حدث وخطورته".
وتابعت مخاطبة الضحايا مباشرة: "أقول لكل من تأثر بهذه الممارسات: ستحصلون على الاعتذار الذي تستحقونه بعمق".
ووصفـت الوزيرة تلك السياسات بأنها تمثل "فترة مخزية" في تاريخ المملكة المتحدة.
ضغوط حقوقية وبرلمانية
ويأتي الإعلان بعد سنوات من مطالبات قادها ناجون ومنظمات حقوقية للحصول على اعتذار رسمي من حكومة وستمنستر، بعدما سبق لكل من الحكومتين في ويلز واسكتلندا أن قدمتا اعتذارات رسمية للمتضررين.
وكانت لجنة التعليم البرلمانية قد دعت سابقا إلى إصدار اعتذار رسمي وغير مشروط للناجين من التبني القسري، معتبرة أن ذلك يشكل خطوة ضرورية نحو تحقيق قدر من العدالة ومنح المتضررين "السلام النفسي".
كما أوصت اللجنة المشتركة لحقوق الإنسان في البرلمان البريطاني عام 2022 بأن تعتذر الحكومة للنساء غير المتزوجات اللواتي تعرضن لضغوط وإكراه للتخلي عن أطفالهن لصالح التبني.
غير أن الحكومة المحافظة السابقة رفضت آنذاك تقديم اعتذار رسمي، وقالت في ردها عام 2023 إنها "آسفة باسم المجتمع" للطريقة التي عوملت بها النساء، لكنها لا ترى أن اعتذارا رسميا مناسبا لأن "الدولة لم تدعم هذه الممارسات بشكل مباشر".
وأثار ذلك الموقف انتقادات من اللجنة المشتركة لحقوق الإنسان التي وصفت غياب الاعتذار الرسمي بأنه "مخيب للآمال".
وفي جلسة سابقة للجنة التعليم هذا العام، أقر وزير التعليم البريطاني جوش ماكاليستر بمسؤولية الدولة عن تلك الممارسات.
وقال: "استمرت هذه الممارسات لعقود، وتم خلالها انتزاع الأطفال قسرا من هؤلاء النساء داخل مؤسسات كانت تدار أحيانا من قبل الدولة، كما جرى ذلك تحت إشراف عاملين اجتماعيين موظفين لدى الدولة، وفي ظل مواقف اجتماعية عززتها ممارسات استمرت سنوات طويلة".
توصيات جديدة ودراسة التعويضات
وفي تقرير نشرته لجنة التعليم البريطانية خلال آذار/ مارس الماضي، أوصى النواب بأن يشمل الاعتذار فترة زمنية أوسع من تلك المعترف بها رسميا، مؤكدين أنهم تلقوا "أدلة واضحة" على أن ممارسات التبني القسري بدأت قبل عام 1949 واستمرت بعد صدور قانون التبني لعام 1976.
كما دعا التقرير إلى تحسين وصول المتبنين والأمهات إلى السجلات التاريخية، وتوفير خدمات دعم متخصصة تراعي الآثار النفسية والصدمات المرتبطة بعمليات البحث عن أفراد الأسرة ولم الشمل.
ورغم أن التقرير لم يوص بشكل مباشر بتعويضات مالية للضحايا، فإنه طالب الحكومة بإجراء "تقييم دقيق" للتجارب الدولية في هذا الملف، مع التركيز على آليات التعويض التي اعتمدتها كل من أستراليا وأيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا.
وأكد النواب أن الدروس المستفادة من تلك التجارب يجب أن تسهم في صياغة مقاربة بريطانية "تتجنب الإجراءات الرمزية أو غير المكتملة، وتوفر استجابة شاملة وممولة بالكامل يقودها الناجون أنفسهم".
وأشار التقرير إلى أن جمهورية أيرلندا أقرت عام 2022 تشريعا يمنح تعويضات مالية للناجين من مؤسسات رعاية الأمهات والأطفال، فيما أوصت أيرلندا الشمالية قبل ذلك بعام بإطلاق برنامج مماثل لتعويض الضحايا.