من "إرهابي" إلى قديس سياسي.. وثائقي بريطاني يعيد فتح ملف مانديلا

يبقى مانديلا بالنسبة لكثيرين أحد أبرز الشخصيات السياسية والأخلاقية في القرن العشرين، ورمزًا عالميًا للنضال ضد العنصرية والاضطهاد، وهي المكانة التي تفسر استمرار حضوره في الذاكرة البريطانية والعالمية حتى اليوم.
كشف تقرير نشرته الصحفية إيمين سانر في صحيفة "الغارديان" البريطانية، أمس الخميس، عن كواليس مرحلة كان يُنظر فيها إلى الزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا بوصفه "الشيطان المتجسد" و"إرهابيًا"، قبل أن يتحول لاحقًا إلى أحد أبرز رموز الحرية في العالم.


ويأتي التقرير بمناسبة عرض وثائقي جديد بعنوان "أطلقوا سراح نيلسون مانديلا" تنتجه شركة Rogan Productions ويُعرض على القناة الرابعة البريطانية، مستعرضًا ثلاثة عقود من النضال الدولي ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا حتى إطلاق سراح مانديلا عام 1990 ثم انتخابه رئيسًا للبلاد بعد أربع سنوات.

مانديلا كان يُعامل كإرهابي


ونقل التقرير عن الناشط البريطاني ووزير حزب العمال السابق بيتر هاين قوله: إن الرأي العام الغربي لم يكن يتعامل مع مانديلا بوصفه بطلًا عالميًا كما هو الحال اليوم، بل كان يُصوَّر "كإرهابي" حتى أواخر الثمانينيات، مشيرًا إلى أن رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر وصفته علنًا بهذا الوصف قبل سنوات قليلة من الإفراج عنه.

وأوضح هاين أن نشطاء حركة مناهضة الأبارتهايد في بريطانيا تعرضوا لحملات تشويه وضغوط أمنية، وقال إنه تلقى رسالة مفخخة وتعرض لمحاولات تلفيق اتهامات جنائية بسبب نشاطه السياسي.

سنوات المنفى والخوف


كما يتضمن الوثائقي شهادات من دالي تامبو، نجل رئيس المؤتمر الوطني الأفريقي الراحل أوليفر تامبو الذي عاش في المنفى بلندن منذ ستينيات القرن الماضي بعد حظر الحزب في جنوب أفريقيا.

ويروي تامبو أن عائلته كانت تتوقع باستمرار احتمال اغتيال والده على يد أجهزة النظام العنصري، خصوصًا بعد اغتيال شخصيات معارضة بارزة في الخارج. كما تحدث عن عمليات تجسس ومراقبة طالت منزل العائلة في لندن، وحوادث أمنية تركت أثرًا عميقًا في طفولته.

وقال إن والده ورفاقه في المؤتمر الوطني الأفريقي كانوا مقتنعين بأنهم قد لا يعيشون حتى يروا نهاية الأبارتهايد، لكنهم واصلوا العمل السياسي رغم ذلك.

الرياضة والثقافة كسلاح سياسي


ويبرز التقرير الدور الكبير الذي لعبته المقاطعة الرياضية والثقافية في عزل جنوب أفريقيا دوليًا. فقد قاد هاين الاحتجاجات ضد جولات الفرق الرياضية الجنوب أفريقية في بريطانيا خلال أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، ما ساهم في لفت انتباه الرأي العام إلى سياسات التمييز العنصري.

أما على المستوى الثقافي، فقد تحولت أغنية "أطلقوا سراح نيلسون مانديلا" إلى نشيد عالمي للحركة المناهضة للأبارتهايد، بينما لعب الفنانون والموسيقيون البريطانيون دورًا مهمًا في تعبئة الرأي العام، وفق التقرير.

وأشار هاين إلى أن حفل ملعب ويمبلي عام 1988، الذي حضره فنانون عالميون ووصل إلى مئات الملايين من المشاهدين عبر التلفزيون، كان "نقطة تحول" في الحملة الدولية ضد نظام الفصل العنصري.

العم نيلسون


كما يتناول الوثائقي الجوانب الإنسانية في شخصية مانديلا بعد خروجه من السجن. ويصفه هاين بأنه كان يمتلك قدرة استثنائية على التواصل مع الناس رغم مكانته العالمية، فيما يقول دالي تامبو إنه ظل بالنسبة إليه "العم نيلسون" أكثر من كونه زعيمًا تاريخيًا.

ومن المقرر أن يُعرض مسلسل "أطلقوا سراح نيلسون مانديلا" على القناة الرابعة البريطانية في 14 يونيو/حزيران الجاري، في عمل يوثق المسار الطويل الذي انتهى بانهيار نظام الفصل العنصري وصعود مانديلا إلى رئاسة جنوب أفريقيا.

من سجينٍ صنفته قوى غربية "إرهابيًا" إلى رمز عالمي للحرية..


بعد أكثر من ثلاثة عقود على خروجه من السجن، لا يزال اسم نيلسون مانديلا حاضرًا بقوة في الوعي البريطاني، وهو ما يفسر الاهتمام المتجدد بالوثائقيات والكتب والبرامج التي تتناول حياته ونضاله ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

فمن هو مانديلا؟ ولماذا يحظى بهذه المكانة في بريطانيا رغم أنه كان في وقت من الأوقات شخصية مثيرة للجدل في الأوساط السياسية الغربية؟

من قرية ريفية إلى قيادة النضال


وُلد نيلسون روليهلاهلا مانديلا في 18 تموز/ يوليو 1918 في قرية مفيزو بإقليم الكيب الشرقي في جنوب أفريقيا، وينتمي إلى أسرة ذات مكانة تقليدية في شعب الخوسا.

تلقى تعليمه في مدارس تبشيرية ثم درس القانون، ليصبح لاحقًا أحد أوائل المحامين السود في البلاد. وخلال الأربعينيات انضم إلى المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC)، الذي كان يقود النضال السياسي ضد سياسات التمييز العنصري التي كانت تتوسع آنذاك.

لماذا حمل السلاح؟


في بدايات نشاطه، كان مانديلا من دعاة المقاومة السلمية والاحتجاجات المدنية. لكن بعد مذبحة شاربفيل عام 1960، التي قتلت خلالها الشرطة عشرات المتظاهرين السود، وحظر المؤتمر الوطني الأفريقي، خلص مانديلا ورفاقه إلى أن العمل السياسي السلمي وحده لم يعد كافيًا.

لذلك شارك عام 1961 في تأسيس الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي "أومخونتو وي سيزوي" (رمح الأمة)، الذي نفذ عمليات تخريب استهدفت منشآت حكومية ورموزًا للنظام العنصري، مع الحرص المعلن على تجنب استهداف المدنيين.

وهذه المرحلة هي التي دفعت حكومات غربية عديدة، من بينها بريطانيا والولايات المتحدة، إلى التعامل معه لسنوات بوصفه "متطرفًا" أو "إرهابيًا" في سياق الحرب الباردة.

27 عامًا في السجن


في عام 1962 اعتُقل مانديلا، ثم حُكم عليه عام 1964 بالسجن المؤبد في محاكمة ريفونيا الشهيرة.

أمضى نحو 27 عامًا خلف القضبان، معظمها في سجن جزيرة روبن الشهير، حيث أصبح رمزًا عالميًا للمقاومة ضد الظلم العنصري.

وخلال سنوات سجنه، تصاعدت حملات التضامن الدولية، خصوصًا في بريطانيا وأوروبا وأفريقيا، للمطالبة بالإفراج عنه وفرض عقوبات على حكومة بريتوريا.

من السجن إلى الرئاسة


في 11 شباط/ فبراير 1990 خرج مانديلا من السجن بعد ضغوط دولية هائلة وتغيرات داخلية في جنوب أفريقيا.

وقاد بعد ذلك مفاوضات مع حكومة الأقلية البيضاء لإنهاء نظام الفصل العنصري، في عملية تجنب خلالها البلد حربًا أهلية كان كثيرون يتوقعونها.

وفي عام 1994 أصبح أول رئيس أسود منتخب ديمقراطيًا في تاريخ جنوب أفريقيا، في انتخابات اعتُبرت لحظة تاريخية أنهت رسميًا عقودًا من الحكم العنصري.

لماذا أصبح رمزًا عالميًا؟


لم يكن مانديلا أول من ناضل ضد الأبارتهايد، لكنه أصبح رمزه الأبرز لسببين رئيسيين: الأول هو صموده خلال عقود السجن الطويلة دون التخلي عن قضيته. أما الثاني فهو تبنيه بعد خروجه من السجن خطاب المصالحة الوطنية بدل الانتقام، إذ دعا السود والبيض إلى بناء دولة مشتركة بدل تصفية الحسابات. ولهذا حاز جائزة نوبل للسلام عام 1993 مع الرئيس الجنوب أفريقي فريدريك دي كليرك.

لماذا يهتم البريطانيون به؟


يرتبط الاهتمام البريطاني بمانديلا بعدة أسباب تاريخية وسياسية. فبريطانيا كانت المركز الأهم للحركة الدولية المناهضة للأبارتهايد خارج أفريقيا، ومنها انطلقت حملات المقاطعة الاقتصادية والثقافية والرياضية التي مارست ضغطًا كبيرًا على حكومة جنوب أفريقيا.

كما استضافت لندن قيادة المؤتمر الوطني الأفريقي في المنفى لعقود، وعلى رأسها أوليفر تامبو، الذي جعل من العاصمة البريطانية مركزًا دبلوماسيًا لحشد الدعم العالمي ضد النظام العنصري.

وشهدت المدن البريطانية عشرات المظاهرات الكبرى، فضلاً عن الحملات الطلابية والنقابية التي طالبت بسحب الاستثمارات من جنوب أفريقيا.

كذلك لعب الفنانون البريطانيون دورًا بارزًا في تحويل قضية مانديلا إلى قضية شعبية عالمية، عبر الأغاني والحفلات الجماهيرية التي بلغت ذروتها في حفل ويمبلي الشهير عام 1988.

إرث لا يخلو من الجدل


ورغم صورته الإيجابية عالميًا اليوم، فإن إرث مانديلا لا يخلو من الجدل. فبعض المنتقدين يرون أن التسوية السياسية التي قادها أنهت الحكم العنصري دون أن تعالج بالكامل التفاوتات الاقتصادية العميقة التي خلفها النظام السابق.

كما أن جنوب أفريقيا ما تزال تعاني مستويات مرتفعة من الفقر والبطالة والجريمة، وهو ما يدفع بعض الباحثين إلى التساؤل حول حدود الإنجازات التي حققتها مرحلة ما بعد الأبارتهايد.

ومع ذلك، يبقى مانديلا بالنسبة لكثيرين أحد أبرز الشخصيات السياسية والأخلاقية في القرن العشرين، ورمزًا عالميًا للنضال ضد العنصرية والاضطهاد، وهي المكانة التي تفسر استمرار حضوره في الذاكرة البريطانية والعالمية حتى اليوم.