تستعد
مصر والصين لإحياء "اليوم
العالمي لحوار الحضارات" من خلال حفل فني مشترك تحتضنه دار الأوبرا المصرية
مساء الأربعاء المقبل، في مناسبة تتجاوز بعدها الموسيقي والفني إلى رسائل ثقافية
وفكرية تعكس أهمية الحوار بين الحضارات بوصفه أحد السبل الأساسية لتعزيز التفاهم
الإنساني ومواجهة منطق الصدام والانغلاق.
وتتابع وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة
جيهان زكي، الترتيبات النهائية للحفل الذي يجمع فنانين وموسيقيين من البلدين على
خشبة المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، في إطار احتفاء القاهرة وبكين بالمناسبة
الدولية التي أقرتها الأمم المتحدة لتعزيز قيم التعددية الثقافية والتواصل بين
الشعوب.
ويحمل اختيار العاشر من حزيران/ يونيو
موعداً للحفل دلالة خاصة، إذ يتزامن مع "اليوم العالمي لحوار الحضارات"،
وهو يوم يهدف إلى التأكيد على أن التنوع الثقافي والحضاري ليس مصدر صراع، بل يمكن
أن يكون أساساً للتعاون والتكامل بين الأمم.
ومن المنتظر أن يشهد الحفل قيادة موسيقية
مشتركة تجمع بين المايسترو المصري أحمد الصعيدي ونظيره
الصيني تشن شيانغ، اللذين
سيتوليان قيادة "أوركسترا سوتشو السيمفوني" الصينية، في تجربة فنية تعكس
روح التلاقي بين ثقافتين تعدان من أقدم الحضارات المستمرة في التاريخ الإنساني.
الموسيقى لغة تتجاوز الحدود
ورغم أن الحدث يأتي في إطار التعاون الثقافي
بين مصر والصين، فإن رمزيته تتجاوز العلاقات الثنائية بين البلدين. فالموسيقى،
بوصفها لغة إنسانية عالمية، ظلت عبر التاريخ إحدى أكثر الوسائل قدرة على تجاوز
الحواجز اللغوية والسياسية والجغرافية، وتحويل الاختلاف إلى مساحة للتعارف
والإبداع المشترك.
ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية في ظل
النقاشات الفكرية المتجددة حول مفهوم "حوار الحضارات"، الذي برز خلال
العقود الأخيرة بوصفه بديلاً عن أطروحات "صدام الحضارات" التي سادت في
بعض الأوساط الفكرية والسياسية بعد نهاية الحرب الباردة.
فإذا كانت نظريات الصدام تنظر إلى الاختلاف
الثقافي باعتباره مصدراً محتملاً للنزاع، فإن فلسفة الحوار تنطلق من الإيمان بأن
الحضارات الكبرى لم تتطور عبر العزلة، بل من خلال التفاعل والتبادل والتأثير
المتبادل.
القاهرة وبكين.. شراكة ثقافية تتجاوز
السياسة
ويأتي الحفل في سياق مسار متصاعد من التعاون
الثقافي بين مصر والصين خلال السنوات الأخيرة، شمل تبادل المعارض الفنية والأنشطة
الأكاديمية والبرامج التعليمية والمبادرات المرتبطة بالتراث والحضارة.
وتنظر القاهرة وبكين إلى الثقافة باعتبارها
أحد أهم روافد "القوة الناعمة" القادرة على بناء جسور التواصل بين
الشعوب، وتعزيز العلاقات الثنائية خارج الأطر الاقتصادية والسياسية التقليدية.
وفي هذا السياق، تمثل دار الأوبرا المصرية
منصة رمزية لهذا الحوار، ليس فقط باعتبارها إحدى أهم المؤسسات الثقافية العربية،
بل أيضاً بوصفها فضاءً مفتوحاً أمام التفاعل بين الثقافات العالمية المختلفة.
من الاحتفال إلى الرسالة الحضارية
ولا تقتصر أهمية الحفل المرتقب على كونه
مناسبة فنية أو بروتوكولية، بل تتجلى في الرسالة التي يحملها في لحظة عالمية تشهد
استقطابات متزايدة وصعوداً لخطابات الانغلاق والهويات المتصارعة.
فإحياء "اليوم العالمي لحوار
الحضارات" عبر الموسيقى والفنون يعكس قناعة متنامية بأن التحديات الكبرى التي
تواجه العالم، من النزاعات إلى الأزمات الإنسانية والثقافية، لا يمكن التعامل معها
فقط عبر الأدوات السياسية والدبلوماسية، بل تحتاج أيضاً إلى فضاءات ثقافية قادرة
على ترسيخ قيم الاحترام المتبادل والتفاهم المشترك.
ومن هنا يبدو الحفل المصري الصيني أكثر من
مجرد أمسية موسيقية؛ إنه تذكير بالدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة في تقريب
المسافات بين الشعوب، وإحياء فكرة أن الحضارات، مهما اختلفت لغاتها وتجاربها
التاريخية، قادرة على أن تلتقي في مساحة مشتركة قوامها الحوار والإبداع والاعتراف
المتبادل.
ما هو "اليوم العالمي لحوار
الحضارات"؟
أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 7
حزيران/ يونيو 2024 يوم 10 حزيران/ يونيو من كل عام يوماً عالمياً لحوار الحضارات،
بموجب قرار اعتمد بالإجماع وحظي بدعم أكثر من 80 دولة.
ويهدف اليوم إلى تعزيز التفاهم المتبادل بين
الشعوب والثقافات، وترسيخ قيم الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والتعاون الدولي
في مواجهة التحديات العالمية المتزايدة. وأكد القرار الأممي أن الإنجازات الحضارية
المختلفة تمثل "تراثاً مشتركاً للإنسانية"، مشدداً على أهمية احترام
التنوع الحضاري والثقافي ودور الحوار في دعم السلام والتنمية والرفاه الإنساني.
ويأتي استحداث هذا اليوم في سياق نقاشات
فكرية ودبلوماسية ممتدة منذ مطلع الألفية الجديدة حول ضرورة الانتقال من منطق
"صدام الحضارات" إلى منطق "الحوار بين الحضارات"، خاصة في ظل
تصاعد النزاعات الدولية وخطابات الكراهية والاستقطاب الثقافي. وترى الأمم المتحدة
أن الحوار بين الحضارات يشكل أحد أهم الأدوات لمكافحة التمييز والأحكام المسبقة،
وتعزيز الثقة بين الأمم والشعوب، وبناء أرضية مشتركة للتعامل مع القضايا العالمية
المعقدة.
وتحظى المبادرة بدعم خاص من الصين التي
تقدمت بمشروع القرار إلى الأمم المتحدة، انطلاقاً من رؤية تؤكد أهمية التنوع
الحضاري والتعلم المتبادل بين الثقافات المختلفة. غير أن البعد الأممي للمناسبة
يتجاوز الأطر السياسية والدبلوماسية، ليعكس توجهاً عالمياً متنامياً نحو اعتبار
الثقافة والحوار والتبادل المعرفي أدوات أساسية لتعزيز السلم الدولي والتقارب بين
الشعوب.
ومن هذا المنطلق تكتسب
الفعاليات الثقافية
والفنية التي تنظمها دول مختلفة بمناسبة هذا اليوم أهمية رمزية خاصة، إذ تُعد
الفنون والموسيقى والآداب من أكثر الوسائل قدرة على تجسيد فكرة الحوار الحضاري
وتحويلها من مفهوم نظري إلى ممارسة إنسانية حية تتجاوز الحدود السياسية واللغوية.