لم يعد حضور صُنّاع "الترند" مقتصرا على الفضاء الافتراضي ، بل
تجاوزه إلى وسائل الإعلام التقليدية وفي مقدّمتها التّلفزيون. فيقودون النّقاشات ويخوضون في مختلف القضايا والاختصاصات عن دون خبرة ولا دراية
غالبا. بل تحوّل بعضهم إلى مقدّمي برامج ومنهم من أصبح مرجعية لدى قنوات إعلامية تستدعيها بحثًا عن نسب مشاهدة مرتفعة وفرص اشهاريّة . ويتم فرضهم على متابعي وسائل
الإعلام التقليدية تحت مسمّى
"الكرونيكور" الذي يتم فيما بعد
تداول تفاعلاته الانطباعيّة كأفكار وآراء وتؤخذ اخباره كمسلّمات تتغلغل داخل
المجتمع فيتأثّر بها..
لم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، ففي تونس مثلا جرى توظيف من يعرفون
بالمؤثّرين في أعمال درامية رمضانية بهوس
ربحي (المشاهدات والمردودية الاشهارية)
ومن ثمة ارساء تقاليد جديدة للتّسويق للعمل.
وتتعمّق هذه الظاهرة في ظل
"انسحابيّة" جزء من المثقّفين خيّروا الانشغال بادارة معركة تبدو واهية مع الوسائط الرقمية والثورة
الرقمية عموما. ويمكن تسمية هذه المعركة بمعركة "الاعتراف" إذ ينظرون
باستخفاف إلى هذه الوسائط في حين أن
الأشكال ليس فيها بقدر ماهو في استخداماتها وبدل أن ينخرطوا في استثمارها للعب
ادوارهم تركوا فراغا يملؤه اليوم "فاعلين جدد" منحوا أنفسهم صفة
"المؤثرين" ومع التّراكم الكمّي
لمحتواهم تحوّلوا هؤلاء الفاعلين إلى نجوم المنابر الإعلامية. ورغم وجود أصوات ذات قيمة معرفية ضمن الفضاء الافتراضي
، فإنها تظل محدودة واستثنائية.
أمام هذا التحوّل، تقفز إلى الذّهن أسئلة
ملحّة : هل تراجع دور المثقف
العربي فعلاً في
التأثير وصناعة الرأي العام؟ أم أننا
إزاء إعادة تشكّل لهذا الدور ضمن بيئة رقميّة جديدة غيّرت قواعد التأثير وصناعة
الراي العام؟
وللإجابة عنها، تواصلت
"عربي 21" مع عينة تمثيلية من
المثقفين من بلدان لها خصوصياتها السياقيّة من أزمات وحروب ومحاولات لبناء
المجتمعات ضمن مختلف المسارات الانتقاليّة بين المغرب العربي والمشرق العربي.
المثقف العربي زمن الخوارزميات
يعتبر الرّوائي والباحث الحزائري بومدين
بلكبير، في حديث خصّ به
"عربي 21"، أنّ: "ما نعيشه اليوم ليس مجرد
تحوّل عابر، بل تغيّر بنيوي عميق أعاد تشكيل صورة المثقف وموقعه داخل فضاء افتراضي
تحكمه خوارزميات التسليع والتفاهة والاستهلاك السريع. في هذا السياق، يطرح سؤال
جوهري نفسه: هل ما زال المثقف مرتبطًا بالواقع؟ وهل لا يزال قادرًا على التأثير في
الوعي الجمعي؟"
بومدين بلكبير.. كاتب جزائري
ويرى بومدين: "أن الأنظمة السياسية
التقطت مبكرًا هذه التحولات، فبدل الدخول في مواجهة مباشرة مع المثقف النقدي، الذي
اعتاد أن يعرّي مواطن الفشل ويزعج السلطة بصراحته، لجأت إلى استراتيجية مختلفة: لم
تعد بحاجة إلى القمع العنيف أو المنع المباشر، بل أصبحت تراهن على تمييع المشهد،
تفريغه من المعنى، وإغراقه في موجات متلاحقة من الترفيه المبتذل والسطحية. وهكذا
تُدفن الحقيقة وسط "الترندات"، وتُفرغ الكلمة من قدرتها على التغيير."
في المقابل، ترى الإعلامية التونسية
والمختصة في علم الاجتماع حنان الفرجاني:"أنه لا يمكن الجزم أن دور المثقف
العربي في التأثير على الرأي العام زمن الخوارزميات والترندات قد تراجع ولكن
الأكيد أن آليات إنتاج المعرفة و تداولها قد تغيرت جذريا."
وتذهب الفرجاني إلى أنّ: "
الإشكاليّة تكمن في عدم مجاراة هذه
التحوّلات من طرف نسبة كبيرة من المثقفين في العالم العربي الذين تعودوا أن تكون
لهم وحدهم ما يمكن وصفه بال "وصاية" على العقول من خلال الكتب الصحف و
الندوات الجامعات الأمر الذي تغير عصر شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية
التي وفرت مساحة من حرية التعبير والمجهولية وأعطت الكلمة للجميع مع إمكانية
لصناعة رأي عام "جديد"، عاطفي سريع عنيف مثير، كان فيما مضى حكرا على
الطبقة المثقفة التي عجزت عن استيعاب ذلك ووجدت نفسها على هامش هذا الإيقاع الرقمي."
حنان الفرجاني.. إعلامية تونسية
أما الكاتبة اللبنانية ميشلين مبارك، فترى
أنّه: "لا شك في تراجع دور المثقف
العربي زمن ترند لما تشكله الترندات من
سخافة وتسخيف لتاريخ الفكر العربي.. وبرأيي أنّ التراجع يأتي نتيجة تراجع القضايا
العربية الكبرى، فتجدين الشعب العربي لا يتفق على قضية موحدة للأسف".
هل يتحمّل المثقف مسؤولية هذا التراجع؟
تطرح هذه المقاربات سؤالًا مكمّلًا: إلى أي
مدى يتحمّل المثقف نفسه مسؤولية هذا التراجع؟
تؤكد ميشلين:"إننا لا نتحكم
بالخوارزميات على اعتبارها منوطة بمؤسسات تكنولوجية عالمية ومحركات بحث عالمية
وهذا سبب آخر لتراجع دور المثقف مقابل تقدم دور التفاهة."
في حين تحمّل حنان الفرجاني المثقف جزءًا
مهمًا من المسؤولية، معتبرة:"أنّه لم يتشرف عمق التحولات الرقمية التي يشهدها
المجتمع (كما لم يستشرف الثورات العربية) و ترفع عنها في البداية و إعتبر أن هذا
الفضاء أقل قيمة من الفضاءات الثقافية و ترك المجال فارغا، زد على ذلك أنها بقيت
أسيرة خطاب أكاديمي نخبوي عجز عن التواصل و التفاعل مع واقع الناس و إهتماماتهم و
أن يكون ذلك المثقف العضوي كما رآه قرامشى."
ويرى بومدين:"المثقف في أفضل حالاته
صوت من لا صوت لهم، وشاهد على ما يُهمّش أو يُنسى. وعندما ينعزل عن الإنسان
العادي، أو يرى نفسه فوق الواقع، يفقد جزءًا كبيرا من صدقه وقيمته، ويصبح لا يرى
سوى نفسه."
صنّاع المحتوى.. مثقفون جدد؟
هل يمكن اعتبار بعض صنّاع المحتوى امتدادًا
جديدًا للمثقف، أم أن هناك قطيعة حقيقية بين
الثقافة ومنطق " الترند"؟
توضح الفرجاني: "أنه لا يمكن التعامل
مع صناع المحتوى ككتلة موحدة فبعضهم يعتمد اللا محتوى والسطحية و الإثارة و متابعة
الترندات وهناك فئة من صناع المحتوى يحاولون تقديم المعلومة و تبسيطها في مجالات
متعددة عن طريق البودكاست مثلا (سلسلة الدحيح..) بلغة سلسة و سهلة و جذابة قريبة
من المتلقي والجمهور العريض. يمكن إعتبارهم إمتدادا للمثقف التقليدي بأدوات جديدة."
بينما يذهب بومدين إلى موقف أكثر حذرًا: "لا
يمكن نعتهم بالمثقفين الجدد، بقدر ما يمكن القول أن مساحات المثقف تآكلت لصالحهم،
وليس المساحات فقط، بل امتد الأمر للتأثير وصناعة الرأي، إذ يدفع هؤلاء أي (صناع
المحتوى)، المثقف إلى أن يستحيل مجرد شاهد صامت أو محايد، بل قد يغدو المثقف كائنا
غريبا.. ولا يصح أن يجري المثقف الحقيقي خلف الترند."
إعادة تعريف المثقف في العصر الرقمي
في ظل هذه التحولات، يبدو أن مفهوم
"المثقّف" نفسه بات بحاجة إلى مراجعة. تقول الفرجاني:"إننا
أمام مفهوم جديد للمثقف في سياقات جديدة. قد ينظر للمثقف ذلك الذي يمتلك القدرة
على تحويل المعرفة إلى خطاب قابل للتداول الرقمي دون فقدان المعنى الحقيقي والسقوط
في السطحية والمباشرتية."
ويضيف بومدين: "قد يشعر المثقف بالعزلة
وسط عالم لا يسمع صوته ولا يعبأ بصراخه... لكن التحدي اليوم ليس فقط في المقاومة،
بل في إعادة التفكير في أدوات الفعل الثقافي، وتخطي النماذج الكلاسيكية."
ميشلين مبارك.. كاتبة لبنانية
أما ميشلين فتخلص إلى أنّه و:"بناء على
كل ما تقدم نحن امام إعادة تعريف المثقف نظرا للتحولات والتطورات الهائلة التي
نعيشها خصوصا على صعيد الذكاء الاصطناعي والمعرفة الرقمية والنشر الرقمي. وبرأيي
لا مانع من التطور والتغيير لمواكبة كل ذلك ولمواكبة الثقافة الجديدة لكن مع
الحفاظ على العمق بعدم إفراغ الامور من معناها."
رؤية مغايرة.. المثقف لم يكن يومًا صانعًا
للرأي العام
من زاوية مختلفة، يرى الكاتب السوري باسم
سليمان: "هناك مفارقة
في السؤال عن دور المثقف في صناعة الرأي العام! فكيف لمن لا يطبع في أحسن الأحول
أكثر من ألف نسخة من كتابه أن يكون له تأثير؟.. لا أعتقد أن دوره قد تراجع فهو لم
يكن في بورصة التأثير يومًا إلا كبروباغندا..
باسم سليمان.. كاتب سوري.
ويضيف: "من هذا المنطلق لن يغير عدم
ركوب المثقف الترند أو الخوارزميات من الأمر شيئًا... هذه الأدوات تتعارض مع طبيعة
الثقافة وطبيعة المثقف."
ويختم مستحضرًا مفارقة ساخرة: "ليس من
حاجة لإعادة تعريف المثقف العربي، لأنه ولد غريبًا في بيئة وزمن غريبين عنه."
بين من يرى أن المثقف خسر المعركة، ومن
يعتبر أنه لم يكن يومًا شريكا فيها، يظل السؤال مفتوحًا: هل يستطيع المثقف العربي
إعادة تموقعه داخل فضاء رقمي سريع التحولات؟ أم أن زمن التأثير قد انتقل نهائيًا
إلى فاعلين جدد يصوغون الرأي العام بمنطق مختلف؟