نشرت صحيفة "
نيويورك تايمز" تقريراً لمراسلتها للشؤون الطبية، تيدي روزنبلث، قالت فيه إن تقريراً جديداً كشف عن مئات الآلاف من الإعلانات الاحتيالية لمنتجات طبية، بعضها غير قانوني أو مصنف على أنه خطير.
قبل شهرين، ظهر منشور دعائي لمكمل غذائي على
فيسبوك، يحمل ادعاءً خارقاً: "لقد أخفى الأطباء هذا الأمر! سيختفي مرض السكري في غضون يومين!"، هكذا تباهى الإعلان باللغة الألمانية. "أخيراً، تمكنت من التوقف عن تناول الميتفورمين الذي كنت أتناوله لمدة خمس سنوات.".
وفي أسفل المنشور، كان هناك رابط يوجه المستخدمين إلى "شراء الأقراص الآن"، ولا يعد هذا النوع من الإعلانات غريباً على فيسبوك وفقاً لتقرير جديد نشرته مؤسسة Reset Tech "ريست تك"، وهي مؤسسة عالمية غير ربحية معنية بالسياسات العامة.
ووثّق الباحثون مئات الآلاف من المنشورات الدعائية المماثلة التي تبيع منتجات صحية غير مرخصة لمستخدمي فيسبوك في الاتحاد الأوروبي بين عامي 2023 و2026. العديد من هذه المنتجات، مثل المنتج المُعلن عنه لعلاج السكري، كانت غير قانونية أو صنّفتها السلطات الصحية على أنها خطيرة.
سياسات ردع "غير متسقة"
وتضع منصة
ميتا سياسات تهدف إلى منع انتشار مثل هذه الإعلانات على منصتها. على سبيل المثال، تحظر الإعلانات التي تدّعي "علاج أو شفاء أو القضاء على" الأمراض المستعصية كالسكري. لكن الباحثين وجدوا أن تطبيق هذه السياسات كان "غير متسق، وذا أثر رجعي، ومتأخرا".
وذكر التقرير أن الحسابات التي تنشر هذه الإعلانات سُمح لها في كثير من الأحيان بالبقاء متصلة بالإنترنت، ما أدى إلى نشر آلاف الإعلانات لعلاجات غير مثبتة لأمراض خطيرة كالسرطان وارتفاع ضغط الدم، وفقاً لما ذكرته ألكسندرا أتاناسوفا، الباحثة في مؤسسة ريست تك، والتي قادت المشروع.
وقالت أتاناسوفا: "إنهم يستغلون بذكاء نقاط ضعف الأشخاص الأكثر عرضة للخطر"، حيث قامت وفريقها بفحص مكتبة إعلانات ميتا، وهي قاعدة بيانات عامة تضم جميع الإعلانات المنشورة على المنصة، وكشفوا عن أكثر من 350 ألف إعلان على فيسبوك تروج لـ 390 مكملاً غذائياً غير مرخص.
بدوره، صرح دانيال روبرتس، المتحدث باسم ميتا، بأن الشركة أزالت الإعلانات والصفحات المذكورة في التقرير التي تبين أنها تنتهك سياساتها. وأضاف: "لا نسمح بالإعلانات المضللة التي تدعي علاج الأمراض المستعصية، ونحظر
الترويج للمنتجات والمكملات الغذائية غير الآمنة.
وبينما ركز التقرير على الحملات التي تستهدف المستخدمين الأوروبيين، قالت أتاناسوفا إن المشكلة عالمية، وأضافت "إنها تحدث في كل مكان. المشكلة متجذرة في النظام".
ميتا ترفض الاتهامات "تشوه حقيقة عملنا"
في السنوات الأخيرة، واجهت ميتا انتقادات حادة بسبب تعاملها مع المحتوى المضلل على منصاتها. في عام 2025، ألغت شركة ميتا برنامج التحقق من الحقائق التابع لفيسبوك في الولايات المتحدة، وأعلنت أنها ستعتمد على المستخدمين للإبلاغ عن المعلومات المضللة.
رفعت كل من جمعية المستهلكين الأمريكية، وهي منظمة تُعنى بحماية المستهلك، ومكتب المدعي العام لجزر فيرجن الأمريكية، دعوى قضائية ضد ميتا بتهمة السماح بانتشار الإعلانات الاحتيالية على فيسبوك وإنستغرام. وصرح روبرتس، بأن هذه الادعاءات "تشوه حقيقة عملنا، وسندافع عنها".
من غير الواضح عدد الأشخاص الذين شاهدوا الإعلانات الصحية التي وثقتها مؤسسة ريست تك، أو عدد الذين نقروا عليها. ووجد التقرير أن هذه الإعلانات وصلت إلى 878 مليون مستخدم في الاتحاد الأوروبي، ولكن من المحتمل أنها استهدفت فئات متداخلة من المستخدمين.
وحتى لو لم يشترِ هذه المنتجات سوى نسبة ضئيلة من المستخدمين، فإن المخاطر جسيمة، فأحد المنتجات المُعلَن عنها لإنقاص الوزن يحتوي على دواء سُحب من الأسواق في الولايات المتحدة الأمريكية لأنه يزيد من خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية لدى بعض الأشخاص.
كما احتوت الكبسولات على مادة كيميائية أشارت الدراسات إلى أنها قد تُسبب السرطان، ووجد الباحثون عشرات الآلاف من الإعلانات التي تُركز على الأمراض المزمنة، مثل داء السكري ("يختفي داء السكري! ينخفض مستوى السكر في الدم خلال يومين!")".
وكذلك الصدفية ("كيف تتخلص من هذا المرض المناعي الذاتي القاتل؟ حل المشكلة في المنزل دون الحاجة لزيارة الطبيب!"). كما رصدوا إعلانات لمكملات إنقاص الوزن تُظهر صورا لتحولات قبل وبعد، ونساء يقرصن دهون بطونهن، وكلها تُخالف على ما يبدو قواعد الإعلان الخاصة بشركة ميتا.
لم تتم إزالة ما يقرب من ثلث الإعلانات التي رصدتها أتاناسوفا وفريقها حتى وقت نشر التقرير. وعندما اتخذت الشركة إجراءات صارمة، كان ذلك غالبا بإزالة إعلانات فردية بدلا من حظر الحساب الذي نشرها.
وأوضحت أن هذه مشكلة، إذ وجد فريقها أدلة على أن العديد من هذه الإعلانات لم تُنشأ من قِبل أفراد مُسيئين، بل من قِبل شبكات حسابات تحمل أسماء مستخدمين متشابهة، وتنشر إعلانات بشعارات مُتطابقة.
ويُسهّل بقاء هذه الشبكات على حالها على هذه الحسابات استبدال أي إعلانات تُحذف بسرعة، يقول كورنيليوس هيرش، رئيس قسم منتجات الأبحاث في مؤسسة ريست تك: "في اليوم التالي، واليوم الذي يليه، يُطلقون مئة إعلان جديد".
فيسبوك ليس الوحيد
لا يُعدّ فيسبوك المنصة الوحيدة التي تُعاني من هذه المشكلة، فقد وجد الباحثون بضعة آلاف من الإعلانات المُشابهة على غوغل.
وقالت إريكا والش، المُتحدثة باسم غوغل، إن الشركة تتخذ "إجراءات واسعة النطاق" لمنع الإعلانات الاحتيالية من الظهور على المنصة، بما في ذلك تعليق الحسابات.
لكن يبدو أن حجم المشكلة أكبر بكثير على فيسبوك، وهو ما افترضه الباحثون، ربما لأن تكلفة إعلانات المنصة أقل، ويمكن تخصيصها لاستهداف فئات مُحددة جدا من الأشخاص.
وهنا، يجب الملاحظة أيضا أن قاعدة بيانات ميتا العامة للإعلانات المدفوعة أكثر شفافية من قاعدة بيانات غوغل، مما سهّل علة الباحثين العثور على هذه الإعلانات.
ووجد الباحثون أدلة على محاولات المحتالين للتهرب من رصد ميتا؛ إذ كانوا أحيانا يصغرون إعلاناتهم ويضعونها في زاوية صورة أكبر تبدو بريئة، كصورة حيوان مثلا، أو يدسونها خلسة في نهاية سلسلة طويلة من الإعلانات غير الضارة للأثاث والملابس.
قال هيرش إنه يجد صعوبة في تصديق أن إحدى أغنى الشركات في العالم يمكن التغلب عليها بمثل هذه الأساليب. وأشار إلى أن فريقا صغيرا في مؤسسة ريست تك، يعمل بموارد محدودة نسبيا، تمكن من كشف مئات الآلاف من هذه الإعلانات.
وافق لوكا لوسيري، الباحث في مجال حملات التأثير على منصات التواصل الاجتماعي في جامعة جنوب كاليفورنيا، على أنه لن يكون من الصعب تقنيا على شركة مثل ميتا التصدي لهذه الحملات الإعلانية.
لكنه أضاف أن لديهم دوافع لإبقائها منشورة. كشف تحقيق أجرته رويترز العام الماضي أن شركة ميتا تتوقع أن يأتي 10 بالمئة من إيراداتها السنوية من الإعلانات الترويجية لعمليات الاحتيال والسلع المحظورة.
وصرح متحدث باسم الشركة لرويترز آنذاك بأن الوثائق التي راجعوها "تقدم صورة منتقاة تشوه نهج ميتا في التعامل مع الاحتيال وعمليات النصب"، وقال الدكتور لوسيري إن تعامل ميتا مع هذه الإعلانات "مسألة أولويات"، وأضاف: "منذ بداية عام 2025، يبدو أن أولويات ميتا لا تتجه نحو التنقيح".