نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالا لمديرة مكتبها في العراق وإيران إريكا سولومون، قالت فيه إنه مع تعثر خطط محادثات السلام بين
الولايات المتحدة وإيران، على الأقل في الوقت الراهن، تغرق
طهران وواشنطن في مأزق محرج، لا سلام ولا حرب، حيث يأمل كل طرف في الصمود أكثر من الآخر في مواجهة ذات عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي.
وقالت سولومون "يبدو أن المسؤولين
الإيرانيين واثقون من قدرتهم على تحمل التداعيات الاقتصادية للحرب لفترة أطول من الرئيس ترامب، وفقا للمحللين. لكنهم ما زالوا قلقين من أنهم، في غياب زخم المفاوضات، سيظلون عالقين تحت التهديد المستمر للهجمات الأمريكية أو الإسرائيلية".
وقال ساسان كريمي، نائب الرئيس في الحكومة الإيرانية السابقة وعالم السياسة في جامعة طهران، عن الحرب الإسرائيلية الإيرانية التي اندلعت في حزيران/ يونيو الماضي: "ما يحدث أشبه بما شهدناه في نهاية حرب الأيام الاثني عشر، أي إنهاء الحرب، ولكن دون أي ضمانات دائمة".
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، وصفت مقالة نشرتها صحيفة "خراسان"، وهي صحيفة محافظة بارزة، وأعادت نشرها عدة وسائل إعلام إيرانية أخرى، الوضع الراهن بأنه "حالة من الجمود الاستراتيجي" تنطوي على مخاطر جسيمة.
وأضافت صحيفة خراسان: "تراجع كلا الجانبين عن تكلفة الحرب الشاملة، لكنهما لم يتجاوزا منطق القوة والضغط.. وقد يكون هذا أخطر من الحرب قصيرة الأجل نفسها".
وتعكس الجهود المتعثرة لإعادة إطلاق محادثات وقف إطلاق النار، التي توسطت فيها باكستان، الديناميكيات السائدة منذ انتهاء القصف الأمريكي الإسرائيلي لإيران بوقف إطلاق النار في وقت سابق من هذا الشهر. وادعى كلا الجانبين أنهما خرجا من هذه الأزمة بموقف متفوق. ويبدو أن ترامب يعتقد أيضا أن الولايات المتحدة قادرة على الصمود أمام إيران في مواجهة التداعيات الاقتصادية للحرب، ولا سيما الحصار المتزامن لمضيق هرمز.
نتيجة لذلك، لا يرغب أي من الطرفين في تقديم تنازلات تسمح بتقدم المفاوضات.
ألغى ترامب، يوم السبت، إرسال مبعوثه الخاص، ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، لعقد جولة ثانية من محادثات الهدنة. وقال إن الإيرانيين سيضيعون وقت المفاوضين.
يؤكد كبار المسؤولين الإيرانيين أنهم لن يجتمعوا لإجراء مفاوضات مباشرة حتى يرفع ترامب الحصار البحري الأمريكي الذي فرضه على الموانئ الإيرانية بعد الموافقة على وقف إطلاق النار.
ومع ذلك، توجه وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، يوم السبت إلى اجتماعات في سلطنة عمان بعد زيارته لباكستان في اليوم السابق، على الرغم من عودته إلى باكستان يوم الأحد. ومن المقرر أن يتوجه إلى روسيا في وقت لاحق من هذا الأسبوع، وفقا لوسائل الإعلام الإيرانية الرسمية، بعد عقد اجتماع ثان مع نظرائه في باكستان.
إلى جانب إسلام آباد، التي ستستضيف جولة محادثات مستقبلية، يرى الإيرانيون أن التنسيق مع سلطنة عُمان، الدولة الخليجية الأخرى التي تقع على طول مضيق هرمز الاستراتيجي، أمرٌ بالغ الأهمية للتوصل إلى تسوية.
وحثّ كريمي، المسؤول الإيراني السابق، القيادة الإيرانية الحالية على اغتنام هذه الفرصة لوضع إطار عمل شامل لاتفاق مع الولايات المتحدة، بدءا من التنازلات الإيرانية وصولا إلى مطالبها النهائية، ورؤية لميثاق سلام إقليمي.
لكن في إيران، حذر كريمي قائلا: "إن الوضع الراهن هو النهج السياسي الأكثر تحفظا في الوقت الراهن، لأن أي تغيير يزيد من احتمالية تحميل إيران المسؤولية في المستقبل" في حال فشل الخطة.
كما لا تزال إيران تعتقد، من الناحية الاقتصادية، أنها "قادرة على الانتظار أكثر من ترامب، على الأقل لعدة أسابيع، حيث ستكون الاضطرابات في المضيق أكثر تكلفة على ترامب منها على الإيرانيين"، وفقا لما ذكره إسفنديار باتمانغليج، الرئيس التنفيذي لمؤسسة بورصة وبازار، وهي منظمة بحثية مقرها لندن.
لكن الاقتصاد الإيراني يواجه بالفعل أزمة حادة. وتنتشر تقارير التسريح من العمل في جميع أنحاء البلاد، التي تعاني من نقص في إنتاج البتروكيماويات والأدوية نتيجة للحرب.
وتوقعت صحيفة "دنيا اقتصاد"، أبرز الصحف الاقتصادية في إيران، أن يرتفع التضخم السنوي إلى 49% "في أفضل الأحوال" عند التوصل إلى اتفاق. وحذرت من أن حالة "لا حرب ولا سلام" قد تدفع التضخم إلى ما يقارب 70% خلال الأشهر المقبلة، بينما قد تؤدي العودة إلى الحرب إلى تضخم مفرط يتجاوز 120%.
ومع ذلك، يقدر بعض الاقتصاديين أن بإمكان حكام إيران السلطويين الصمود في وجه الأزمة الاقتصادية الحالية لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر.
وفي المقابل، قال باتمانغليج إن اضطرابات إنتاج النفط وصادرات الأسمدة، على سبيل المثال، قد تبدأ في إحداث صدمات اقتصادية أعمق للاقتصاد العالمي في غضون أسابيع، ما قد يدفع ترامب إلى تسريع وتيرة المحادثات.
وأضاف إنه مع ذلك، حتى لو تمكنت إيران من تجاوز المأزق الحالي اقتصاديا، فإن معضلتها الاستراتيجية لا تزال قائمة.
وقال: "إن وضع عدم التوصل إلى اتفاق وعدم الحرب، من وجهة النظر الإيرانية، يجعلهم عرضة للخطر".