كارثة إنسانية في الشرق الأوسط.. المدنيون وقود الحرب الأمريكية ضد إيران

المجلة استعرضت قصة الطفلة هيلما أحمدي زاده لاعبة الكرة الطائرة - جيتي
كشفت تقديرات حقوقية وإحصاءات رسمية عن تصاعد الكلفة الإنسانية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مع تجاوز عدد القتلى المدنيين حاجز الألفي ضحية في عدة دول بالمنطقة.

كشفت مجلة تايم الأمريكية، في تقرير موسع أعدته كل من ريبيكا شينايد ونانديكا تشاترجي وريتشارد هول، أن الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران خلّفت واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية دموية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، مؤكدة أن النسبة الأكبر من الضحايا لم تكن من العسكريين أو المقاتلين، بل من الأطفال والنساء والمسعفين والصحافيين والعمال المدنيين الذين وجدوا أنفسهم في قلب نيران حرب تجاوزت حدود إيران لتضرب أكثر من دولة في المنطقة.

وبحسب التقرير، فإن آلاف المدنيين سقطوا منذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما المفاجئ على إيران في 28 شباط / فبراير الماضي، في وقت ما تزال فيه الحصيلة الدقيقة صعبة التحديد بسبب تعذر الوصول إلى كثير من المناطق المستهدفة، فضلا عن استمرار عمليات انتشال الضحايا من تحت الأنقاض في عدة مواقع. غير أن الأرقام المجمعة من بيانات رسمية صادرة عن حكومات المنطقة، ووزارات الصحة، إلى جانب تقارير حقوقية مستقلة، تشير إلى أن ما لا يقل عن 2100 مدني قتلوا بشكل مباشر نتيجة هذه الحرب، فيما تؤكد تقديرات أخرى أن العدد مرشح للارتفاع مع اتساع دائرة التوثيق.

وأوضحت المجلة أن الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية كانت مسؤولة عن الغالبية الساحقة من هذه الخسائر، حيث وثقت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان الإيرانية "هرانا" مقتل 1701 مدني داخل إيران وحدها، ضمن حصيلة إجمالية تجاوزت 3400 قتيل منذ اندلاع الحرب، وهو ما يعكس حجم الضربات التي طالت أحياء سكنية ومدارس ومنشآت مدنية في أكثر من محافظة إيرانية. كما نقل التقرير عن مسؤولين إيرانيين قولهم إن نحو 45 بالمئة من إجمالي قتلى الهجمات كانوا من المدنيين العاديين غير المنخرطين في أي نشاط عسكري.

وفي لبنان، لم يكن المشهد أقل مأساوية؛ إذ أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن حصيلة القتلى جراء الغارات الإسرائيلية منذ الثاني من آذار / مارس ارتفعت إلى 2496 قتيلا، دون أن تشمل الإحصاءات الكاملة المفقودين تحت الركام في بعض المناطق الجنوبية. وأشارت الوزارة إلى أن ما يقرب من ربع الضحايا كانوا من النساء والأطفال وعناصر الإسعاف والطواقم الطبية، ما يبرز أن دائرة النار لم تفرق بين أهداف عسكرية ومرافق مدنية أو فرق إنقاذ.

ووفق الأرقام التي استعرضها التقرير، بلغ عدد النساء اللواتي قُتلن في الحرب 503 نساء على الأقل، بواقع 251 امرأة في إيران و248 في لبنان، إضافة إلى أربع نساء في الضفة الغربية المحتلة قضين جراء صواريخ إيرانية. كما سقط 413 طفلا في هذه الحرب، من بينهم 248 طفلا في إيران و165 في لبنان، في حصيلة تعكس اتساع المأساة الإنسانية، خصوصا مع تكرار استهداف مناطق سكنية وتعليمية ومرافق عامة مكتظة بالعائلات.

ولم تتوقف الخسائر عند هذا الحد، إذ أشارت المجلة إلى مقتل تسعة صحفيين على الأقل في غارات إسرائيلية على لبنان منذ تصاعد العمليات العسكرية مطلع آذار / مارس ، فضلا عن مقتل 91 من العاملين في القطاع الصحي وفرق الإسعاف، في وقت وصفت فيه منظمات الإغاثة المستشفيات في بيروت ومدن لبنانية أخرى بأنها وصلت إلى حالة “الإنهاك الكامل”، مع تدفق أعداد ضخمة من المصابين واستنزاف غرف الطوارئ والمستلزمات الطبية بفعل موجات القصف المتلاحقة.

ورغم أن الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية أوقعت بدورها عشرات القتلى المدنيين في إسرائيل ودول خليجية، حيث سجلت إسرائيل مقتل 23 شخصا، كما قُتل ما لا يقل عن 10 أشخاص في الإمارات بينهم عمال مهاجرون، إلى جانب تقارير عن وفيات في السعودية وعمان والبحرين، فإن التقرير شدد على أن الجانب الأكبر من الكارثة الإنسانية ارتبط بالغارات الأمريكية والإسرائيلية التي أصابت مراكز سكانية ومنشآت خدمية ومدارس ومبان سكنية بشكل مباشر.

وسردت المجلة عددا من القصص الإنسانية التي رأت أنها تختصر الوجه الحقيقي للحرب. ففي جنوب لبنان، قتل المسعف حسن بدوي، البالغ من العمر 31 عاما، في 12 نيسان / أبريل أثناء تأديته عمله الإنساني مع الصليب الأحمر اللبناني في بلدة بيت ياحون. وكان بدوي، الذي يعمل مسعفا منذ عام 2012، ينقل مريضا على نقالة من سيارة إسعاف حين استهدفته غارة إسرائيلية وأصابته بجروح قاتلة توفي على إثرها لاحقا. وبدوي، وهو أب لطفلين، كان واحدا من 91 عاملا صحيا فقدوا حياتهم منذ بدء القصف الإسرائيلي على لبنان.

ونقلت المجلة عن والده علي بدوي قوله إن ابنه "أدى واجبه الإنساني حتى اللحظة الأخيرة"، بينما قالت والدته أحلام إن حسن كان في كل حرب من أوائل من يهبون لإنقاذ الجرحى، لكن هذه المرة دفع حياته ثمنا لذلك.

وفي إيران، توقفت المجلة عند مأساة الطفلة رها زيراي، ذات السبع سنوات، التي كانت تلميذة بمدرسة “الشجرة الطيبة” الابتدائية في مدينة ميناب بمحافظة هرمزجان. ففي الساعات الأولى من الحرب، تعرضت المدرسة لغارة جوية أمريكية مشتبه بها، أسفرت عن مقتل 165 شخصا، غالبيتهم من التلاميذ والمعلمين. وعثر والدها رضا زيراي على جثتها تحت الركام بعد دقائق من القصف. ونقلت المجلة عن عمتها قولها إن رها كانت طفلة مرحة لا تفارقها الضحكة، تحب الغناء وتأليف المقاطع القصيرة، وكانت تحلم بأن تصبح طبيبة أسنان عندما تكبر.

كما أشارت إلى أن عددا من لاعبي الجمباز الصغار كانوا بين الضحايا، بينهم رضا حبشي وأرينا عرب كيش وأتينا أحمد زاده ومكان ناصري وأراز أحمدي زاده، وأكدت ممثلة المجلس التنسيقي لجمعيات المعلمين الإيرانيين أن المدرسة أُعلن إغلاقها مع بداية الحرب، لكن الفترة الزمنية بين قرار الإغلاق والانفجار كانت قصيرة للغاية، ما حال دون تمكن كثير من الأهالي من اصطحاب أبنائهم، فيما بقي المديرون والمعلمون داخل المبنى لمحاولة إخراج الأطفال وقُتل معظمهم في القصف.

كما سلط التقرير الضوء على العمال المهاجرين في الخليج، الذين وجدوا أنفسهم مضطرين لمواصلة العمل رغم تصاعد المخاطر. ونقلت المجلة تحذيرات منظمة “هيومن رايتس ووتش” من أن السائقين وعمال التوصيل وحراس الأمن وعمال النظافة والطهاة في دول الخليج يواجهون “مخاطر إضافية” بسبب استمرار النزاع وعدم قدرتهم على التوقف عن العمل لتأمين احتياجات أسرهم. ومن بين هؤلاء صالح أحمد، العامل البنغلاديشي البالغ من العمر 55 عاما، الذي قتل في عجمان بدولة الإمارات في اليوم الأول للحرب بعدما أصابته شظايا صاروخ إيراني جرى اعتراضه. وكان صالح يقوم بتوصيل المياه لحظة إصابته، وهو المعيل الوحيد لزوجته وأطفاله الأربعة في بنغلاديش، إذ أمضى 25 عاما يعمل في الإمارات ويرسل دخله أسبوعيا إلى أسرته.

وفي جنوب لبنان أيضا، وثقت المجلة مقتل الصحافية غادة الدايخ، البالغة من العمر 59 عاما، في الثامن من نيسان / أبريل، بعد غارة إسرائيلية استهدفت المبنى السكني الذي تقيم فيه بمدينة صور، ما أدى إلى تدميره بالكامل، وكانت الدايخ تعمل منذ 37 عاما في إذاعة “صوت الفرح” المحلية، وتقدم برنامجا صباحيا يوميا يتناول الشأن العام والرياضة والثقافة. وبعد تدمير مقر الإذاعة في بداية النزاع، واصلت عملها من منزلها حتى لقيت حتفها تحت أنقاضه.

كما تناول التقرير مقتل مراسلة صحيفة “الأخبار” اللبنانية أمل خليل في 22 نيسان / أبريل ، بعدما تعرضت للاستهداف عدة مرات خلال ساعات، رغم سريان وقف إطلاق النار، إضافة إلى مقتل ثلاثة صحفيين آخرين في 28 آذار / مارس إثر استهداف سيارة صحفية تحمل علامات واضحة قرب بلدة جزين جنوب البلاد.

وفي إيران، استعرضت المجلة قصة الطفلة هيلما أحمدي زاده، لاعبة الكرة الطائرة ذات العشر سنوات، التي قتلت في غارة استهدفت منشأة رياضية بمدينة لامرد أثناء تدريب فريق نسائي، ما أسفر عن مقتل 21 شخصا على الأقل. وذكرت المجلة أن هيلما نجت من الانفجار الأولي وسارت بنفسها إلى سيارة الإسعاف وهي تقول لمدربتها إنها تشعر وكأن شيئا اخترق جسدها، قبل أن تفارق الحياة لاحقا في المستشفى بعد أن تبين أن شظية اخترقت قلبها. وقتلت معها صديقتها إلاهيهي، التي كانت تكبرها بعام واحد وتشاركها اللعب في الفريق نفسه.

وفي ختام التقرير، أشارت المجلة إلى أن المأساة لم تقتصر على إيران ولبنان والخليج، بل امتدت أيضا إلى إسرائيل نفسها، حيث قتل عدد من المدنيين جراء الصواريخ الإيرانية، بينهم ثلاثة أطفال من عائلة واحدة هم ياكوف بريتون (16 عاما) وأفيغيل (15 عاما) وسارة (13 عاما)، بعدما سقط صاروخ على مدينة بيت شيمش في الأول من مارس/آذار ودمر منازل ومعبدا يهوديا.

وخلصت مجلة تايم إلى أن الصورة التي تتركها هذه الحرب لا تُقرأ فقط عبر الخرائط العسكرية أو بيانات الجيوش، بل من خلال مئات القصص التي انتهت فيها حياة أطفال داخل مدارسهم، ومسعفين أثناء نقل الجرحى، وصحافيين تحت أنقاض منازلهم، وعمال مهاجرين في الشوارع، لتؤكد أن المدنيين كانوا الضحية الأكثر حضورا في حرب تقول المجلة إن آثارها الإنسانية ستبقى أطول بكثير من زمن القصف نفسه.