بعد الهدنة مع لبنان.. استعراض "إسرائيلي" للعلاقات الثنائية والتشاؤم إزاؤها

قالت صحيفة يديعوت أحرونوت إنّ كاتس وعد بالتدمير، لكن اللبنانيين عبروا نهر الليطاني على الجسور التي هوجمت - الأناضول
مع تزايد الحديث الأمريكي عن مفاوضات مباشرة وشيكة بين لبنان ودولة الاحتلال، يستعيد الإسرائيليون ذلك التاريخ من العلاقات الثنائية، لاسيما حين وقّعا اتفاق سلام بينهما في 1983، لكنه لم يُنفّذ قط.

وهو ما يطرح علامات استفهام وجملة تساؤلات في الداخل المحتل حول ما إذا كانت الظروف قد نضجت بالفعل لإبرام اتفاق سلام شبيه، في ظل غياب شروط استمراره.

المستشرق وخبير شؤون الشرق الأوسط، حاييم غولوفنيتسيتس، اعتبر أن "المفاوضات المباشرة بين الاحتلال ولبنان، التي بدأت في واشنطن، وأسفرت عن وقف رسمي لإطلاق النار، وإن كان محدوداً زمنياً، حدث تاريخي".

ويضيف أن التقييم لها يأتي "بغض النظر عن نتائج المفاوضات المستقبلية، عادّاً إياها ثمرة واضحة للتغيرات الجذرية التي شهدتها المنطقة عموماً ولبنان خصوصاً منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023".

وأضاف في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، وترجمته "عربي21" أن "أول اتفاق سلام بين لبنان ودولة الاحتلال تم توقيعه في مايو/أيار 1983، لكنه لم يُنفّذ قط".

فـ"لبنان، الذي شهد ازدهاراً ورخاءً في ظل الرئيس فؤاد شهاب، ووفقاً لاتفاق عام 1943 الذي كان يُفترض أن يُنظم العلاقات الطائفية والعائلية داخله، انهار في حرب أهلية عام 1975 أدت إلى تدميره من الداخل، وصعود الشيعة بقيادة موسى الصدر، وتأسيس حركة أمل، ثم حزب الله لاحقاً، وتسلل السوريين للبلاد".

وأوضح أنه في "ذلك الحين ظهر نشاط منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تشنّ عملياتها من الأراضي اللبنانية ضد الاحتلال، مما جرّ لبنان إلى التدخل العسكري منذ ذلك الحين، ثم ظهرت فرصة جديدة في علاقاتهما مع الغزو الإسرائيلي للبنان.

وأيضاً التحالف (الإسرائيلي) مع المسيحيين بقيادة بشير الجميل، وتوقيع اتفاقية سلام مع شقيقه أمين في مايو/أيار 1983، لكن هذه الاتفاقية ظلت حبراً على ورق، بل وأُلغيت رسمياً بعد نحو عام ونصف.

وأكد أن حرب السابع من أكتوبر 2023 أحدثت تحولاً جذرياً في القطاع الشمالي، وأدت إلى صراع مستمر مع الدولة اللبنانية وحزب الله، أقوى فصائلها العسكرية والسياسية، وقد تكبد الحزب خسائر فادحة، بلغت ذروتها باغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وتدمير بنيته التحتية العسكرية.

ورغم مقتل آلاف من مقاتليه، فإنه اضطر مجدداً للانخراط في الحرب، عقب اندلاع حرب إيران الأخيرة، واغتيال خامنئي، وأوضح أن بنود اتفاق الطائف لعام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان نظرياً، وافق على نزع سلاح جميع الفصائل المسلحة، باستثناء حزب الله.

وجاء استعراضه للقوة في أيار/مايو 2008 بعد أن اتخذت الحكومة اللبنانية، تحت ضغط من جبهة 14 آذار المناهضة للحزب، قرارين هامين: إقالة وفيق شقير، رئيس أمن مطار بيروت، بتهمة مساعدة الحزب في تهريب الأسلحة عبر المطار".

وإصدار تعليمات للجيش اللبناني بتفكيك شبكة اتصالات الحزب التي أدار من خلالها شبكة تهريب معقدة من إيران إلى بيروت. وأشار إلى أن نشطاء الحزب وحركة أمل خرجوا للشوارع، مما أدى لانهيار الحكومة، وتفاهمات الدوحة التي أفضت لأعظم إنجازات الحزب بتشكيل قوة ثالثة معرقلة"

لكن كل شيء انهار في 2024 عندما أُجبر الحزب على التخلي عن الطرف الثالث الحاسم. وواجه شعاره "جيشٌ وشعبٌ ومقاومة" تحدياً شديداً من الرأي العام، حتى داخل المجتمع الشيعي نفسه، في ضوء نتائج الحرب، وبشكلٍ أكبر الآن، مع توسيع الاحتلال لمنطقته العازلة"

فضلا عن سعي دولة الاحتلال لتدمير البنية التحتية للقرى في المنطقة، بما يمنع عودة مئات الآلاف من النازحين إلى الجنوب.

وأضاف أن الواقع اليوم يفيد بأن كل شيء تغير، فقد خضعت جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة لتغييرات، سواء طوعاً أو قسراً؛ فمسيحيو عام 1982 ليسوا مسيحيي اليوم، غادر السوريون لبنان".

وأكد أنه "رغم هذه التغييرات، فلا يمكن إحداث تغيير جوهري دون إصلاح جذري لجيش لبنان، تماماً كما لم تُولد حكومة فيه توافق على بقاء جيش الاحتلال على أراضيها.

وصحيح أن "الجيش مؤسسة تحظى بتأييد شعبي واسع رغم أدائه المتواضع، لكن نقاط ضعفه على أرض الواقع ستجعل أي اتفاق عديم الجدوى، وله تاريخ من الإخفاقات في دعم القرارات الدولية، مثل القرار 1701".

أما "فيما يتعلق بنزع سلاح الحزب في الجنوب، فهو يعاني من مشاكل مالية ومعنوية وعملياتية كبيرة، ويعتمد بشكل أساسي على الدعم الأمريكي".

وختم بالقول إنه "نظراً لإدراك دولة الاحتلال أن حكومة لبنان ترغب بالتغيير، لكنها تواجه صعوبة في تنفيذه، وهنا ينبغي أن تركز المحادثات تحديداً على قضية الجيش، والتغيير الجذري الذي يجب أن يخضع له، وتنتقل مسؤوليته، وإعادة بنائه للولايات المتحدة والسعودية".

مع "تطهيره من عناصر الحزب على جميع مستويات الخدمة، فإذا تحقق ذلك، وبالتزامن مع جميع الظروف الأخرى، فقد يكون ممكناً التوصل لاتفاق سلام مستدام، أما بدون تغيير جذري، فحتى لو تم توقيع الاتفاق، فمن المتوقع أن يبقى بلا جدوى، على غرار اتفاق عام 1983".