كيف "رقصت" روسيا على الحبال وانتفع بوتين من حرب الخليج الرابعة؟

قال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي إن اليد الخفية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين تقف وراء الأساليب العسكرية الإيرانية - جيتي
بعد أن كان مجرد تلميح، أصبح دعم روسيا لإيران أمراً مؤكداً لدى العديد من الدول اليوم، حيث ترسخت قناعة بأن طهران لم تكن لتصمد وتطاول كل هذه المدة أمام الترسانة الحربية المتطورة لأمريكا وإسرائيل لولا تلقيها إسناداً خارجياً.

كايا كالاس، الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، وصفت الاثنين الماضي التقارير الإعلامية التي تفيد بدعم روسيا لإيران مؤخراً بأنها أمر متوقع وليست بالمفاجأة.

ونقلت شبكة "سي أن أن" وصحيفة "واشنطن بوست" عن مصادر مطلعة لدى الاستخبارات الأمريكية القول إن الكرملين يزود طهران ببيانات بشأن مواقع وتحركات القوات والسفن والطائرات الأمريكية، كما نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين أمريكيين ترديد معلومات مماثلة.

وكان المبعوث الخاص الأمريكي ستيف ويتكوف، قد طالب يوم السبت الماضي روسيا بعدم تزويد طهران بمعلومات ذات صلة بالحرب في أوكرانيا، أما وزير الدفاع البريطاني فقال إن بصمة بوتين واضحة خلال هجمات إيران عبر يد خفية.



وفي واشنطن، قلل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تأثير أي دعم استخباري محتمل من روسيا لإيران، معتبراً أن مثل هذه المساعدة لن تغير كثيراً من مسار المواجهة.
 

موقف روسيا "غير محايد"

ورغم ذلك، أعلنت روسيا دعمها الصريح لإيران في خضم التصعيد العسكري الجاري في الشرق الأوسط، مؤكدة أنها لا تتبنى موقف الحياد في المواجهة الدائرة عقب الضربات التي استهدفت الأراضي الإيرانية خلال الأيام الماضية.


وقال السفير الروسي لدى المملكة المتحدة أندريه كيلين إن العمليات العسكرية ضد إيران "غير عادلة"، مشدداً على أن موسكو تقف إلى جانب طهران في هذه المواجهة، فيما دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى وقف سريع للأعمال العدائية في منطقة الشرق الأوسط.

مسك العصا من الوسط

طوال أيام الحرب، حاول الرئيس بوتين تصوير روسيا كوسيط محتمل يمكنه استخدام علاقاته الوثيقة مع إيران لمحاولة إحلال السلام في منطقة مضطربة، مجرياً اتصالات مع زعماء الدول المؤثرة، ومعلناً في الوقت نفسه دعمه لإيران، الحليف الاستراتيجي، بأنه "ثابت لا يتزعزع".

رغم ذلك، يؤكد خبراء أن هناك حدوداً لما يمكن أن يفعله الكرملين. فروسيا لا ترغب في استعداء واشنطن، وجيشها لا يزال يعاني من ضغوط الحرب المستمرة منذ أربع سنوات في أوكرانيا، وفق تقرير عدته بريار ستيوارت المراسلة في هيئة الإذاعة الكندية (CBC) ومقرها لندن.

إلا أن هناك أيضاً فوائد اقتصادية محتملة، فقد ساهمت الهجمات على ناقلات النفط في مضيق هرمز والضربات على البنية التحتية للطاقة في إحداث صدمة عالمية في قطاع الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط - بما في ذلك صادرات روسيا الخاضعة لعقوبات مشددة.

فرصة روسيا لرد الاعتبار

الاثنين الماضي، ومع ارتفاع أسعار النفط إلى ما يزيد عن 100 دولار أمريكي للبرميل، سخر بوتين من الاتحاد الأوروبي، قائلاً إن "روسيا ستواصل بكل سرور بيع النفط الخام للدول الأوروبية إذا وافقت على أن تصبح عملاء على المدى الطويل". 

هانا نوت، مديرة برنامج منع الانتشار النووي في أوراسيا بمركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي، قالت إن "روسيا ترى فوائد قصيرة المدى في حرب الخليج الحالية"، وأضافت أن "ما بدأ كضربات ضد إيران وحدها، قد زج المنطقة بأكملها في أزمة حادة".

وأدت هجمات إيران وتهديداتها المستمرة ضد السفن في مضيق هرمز إلى شلل حركة الشحن عبر ممر ينقل حوالي خُمس عمليات نقل النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.



وحذر إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم قيادة ختم الأنبياء العسكرية في طهران، الأربعاء، الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاءهما من الاستعداد لسعر 200 دولار للبرميل من النفط الأمريكي، قائلاً إن أي ناقلات متجهة في اتجاههم "ستكون هدفاً مشروعاً".

الحديث عن تخفيف العقوبات

وفي محاولة لتهدئة مخاوف السوق، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الاثنين إن الولايات المتحدة سترفع العقوبات عن "بعض الدول" مؤقتاً، وعرضت الولايات المتحدة على الهند تخفيف ضغوط الإمدادات بالسماح لمصافيها بشراء النفط الروسي الموجود بالفعل على ناقلات في البحر.

ورغم دعوة القادة الأوروبيين إلى الإبقاء على العقوبات المفروضة على روسيا، وتشكيك مدير صندوق تنمية الطاقة في موسكو سيرغي بيكين في سعي واشنطن لتخفيف القيود على نطاق واسع، إلا أنه رجح ارتفاع إيرادات الميزانية الروسية إذا استمرت الأسعار في الصعود لفترة أطول من المدى القصير.

وقال سيرغي لشبكة "سي بي سي" الإخبارية: "من الواضح أن الشحنات من الشرق الأوسط لم تعد موثوقة كما كانت، وأن مخاطر النقل هائلة. وقد يكون الوضع أسوأ غداً".

وفي المحصلة سيصب كل هذا في مصلحة روسيا، لأن موسكو تواصل تزويد الصين والهند وعدد من الدول الأخرى بما لديها."، وبالتالي فإن مدة استمرار أزمة الطاقة العالمية تعتمد إلى حد كبير على القرارات الأمريكية.

كيف ستزيد روسيا من نفوذها داخل إيران المنهكة؟

تواجه روسيا ضغوطاً متزايدة على ميزانيتها، مدفوعةً بارتفاع الإنفاق العسكري، وتباطؤ الاقتصاد، وانخفاض أسعار الطاقة. وقد انخفضت عائدات النفط والغاز بنسبة 44 بالمئة في شباط/فبراير مقارنةً بالشهر نفسه من العام الماضي.

حيث تعتمد ميزانية روسيا لعام 2026 على سعر بيع النفط عند 59 دولارًا أمريكيًا للبرميل. قبل أن تشن الولايات المتحدة والاحتلال ضرباتهما في 28 شباط/فبراير، كان سعر النفط أقل بكثير من هذا السعر المرجعي.

ورغم إمكانية انتفاع روسيا مالياً على المدى القصير من زيادة أسعار النفط، إلا أن الهجمات المستمرة على إيران يمكن أن تُعرّض أيضاً مليارات الدولارات التي استثمرتها موسكو في البلاد للخطر، حيث تُعدّ روسيا من أكبر المستثمرين الأجانب في إيران، وقد ضخّت أموالاً طائلة في مشاريع الغاز.


وقالت هانا نوت، مديرة برنامج منع الانتشار النووي في أوراسيا، إن الضربات قد تضر ببعض استثمارات روسيا، لكن "إيران المنهكة والضعيفة" قد تصبح أيضاً أكثر اعتماداً على موسكو، مما يمنح روسيا نفوذاً إضافياً، وفق ما أفادت به شبكة "بي بي سي".
 
لطالما ساعدت إيران روسيا في وقت مبكر من غزوها الشامل لأوكرانيا من خلال تزويدها بطائرات شاهد بدون طيار - وهي نفس النوع الذي يطلقه الحرس الثوري الآن على جيران إيران في الخليج - ومن خلال مساعدة روسيا في إنشاء مصنع لزيادة الإنتاج المحلي.
 

شريك استراتيجي مدعوم دبلوماسياً وعسكرياً

وردت تقارير في وسائل الإعلام الأمريكية تفيد بأن روسيا تساعد إيران عسكرياً، بما في ذلك تقديم المشورة بشأن تكتيكات الطائرات بدون طيار وتوفير صور الأقمار الصناعية. 

قالت نوت، التي شاركت في تأليف ورقة بحثية في أيلول/سبتمبر الماضي، حول الشراكة الدفاعية بين إيران وروسيا، إن روسيا من المرجح أن تقدم بعض بيانات الاستهداف والمشورة العملياتية، لكنها شككت في الوقت نفسه في أن موسكو ستشارك بشكل مباشر خلال الصراع.

أشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى أن روسيا قد تفكر في إرسال قوات برية إلى إيران، لكن نوت قالت إن هذا الأمر غير وارد، وأضافت: "الأرجح هو أن روسيا ستواصل حماية إيران دبلوماسياً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث تمتلك موسكو مقعداً دائماً وحق النقض (الفيتو)".