مع تصاعد الضربات العسكرية بين أطراف النزاع الدائر في المنطقة، تتجلى تداعياتها الاقتصادية بمرور الزمن. وفي عالمنا المعولم هذا، لم تعد الحروب حكراً على النطاق الإقليمي فحسب، بل باتت تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي ككل. ومن يتأمل الخريطة البحرية اليوم يدرك تمامًا أن إغلاق الخليج العربي سيُحدث صدمة عالمية.
الخبير في مجال الشحن والخدمات اللوجستية، والمحاضر في مركز روبين الأكاديمي، رافائيل بن آري، ذكر أنه "في الأيام التي يتابع فيها العالم أجمع عن كثب تطورات الحرب مع
إيران، يميل كثيرون للتفكير في العواقب من الناحية الأمنية فقط.
ومع ذلك، فإن "خلف العناوين العسكرية هناك دراما أخرى أقل أهمية، لكنها لا تقل أهمية، وهي التطورات الاقتصادية واللوجستية، وتهزّ التجارة الدولية، لأنه من ينظر للخريطة العالمية من خلال عيون عالم الشحن والخدمات اللوجستية يدرك جيدًا أن التصعيد في الشرق الأوسط ليس مجرد حدث إقليمي".
وأضاف في مقال نشرته صحيفة "
مكور ريشون"، وترجمته "
عربي21" أن "التقديرات الإسرائيلية بشأن أصداء هذه الحرب تترك تبعاتها في كل ميناء حول العالم.
وفي محاولة واضحة لفرض ثمن عالمي يوقف الحملة ضدها، "تركز طهران هجماتها على البنية التحتية للطاقة في الخليج، ومع ارتفاع أسعار براميل النفط بنسبة 20%، وشلّ طرق التجارة، أصبح اقتصاد الطاقة العالمي الجبهة الرئيسية في الحرب".
وأوضح أن "القراءة الإسرائيلية ترى في
مضيق هرمز أحد نقاط الاختناق الرئيسية للاقتصاد العالمي، وهو ممر بحري ضيق نسبيًا، لكنه ذو أهمية استراتيجية هائلة، ويمرّ عبره 30٪ من إمدادات النفط والغاز في العالم".
وعندما يتم إغلاق الممر، أو التهديد به، "يشعر العالم كله بذلك، لأن الزيادة الحادة في أسعار النفط والغاز التي شهدناها في الأيام الأخيرة ليست سوى العَرَض الأول لهذا الاضطراب، وبالنسبة لعالم الشحن، هذه آلية رد فعل تلقائية".
وأكد أن "أسعار الوقود تُعدّ أحد المكونات الرئيسية لتكاليف النقل البحري، وبالتالي فإن أي قفزة في أسعار الطاقة تترجم بسرعة لزيادة في أسعار النقل، لكن في الحالة الراهنة لا يقتصر الأمر على أسعار الوقود نفسها".
حيث "يتطلب التصعيد الأمني من شركات الشحن تغيير المسارات، وإعادة النظر في المخاطر، وإجراء تعديلات تجعل النقل أكثر تكلفة، وفي العام الماضي، شهدنا بالفعل كيف يعمل التوتر الإقليمي على تغيير خريطة الشحن العالمية".
وأضاف أنه "بعد فترة بدأت فيها شركات الشحن العودة تدريجياً لمسار قناة السويس بعد هدوء نسبي على جبهة الحوثيين، فإن التصعيد الحالي يوقف هذا الاتجاه، وستكون هناك عودة للمسار الالتفافي عبر أفريقيا".
إلا أن هذا الطريق "يعمل على إطالة زمن النقل بشكل كبير، ويتطلب استهلاكًا أعلى للوقود بنسبة 30% تقريبًا مقارنة بالطريق القصير عبر السويس، لأنه عند الجمع بين الوقود الأكثر تكلفة والطرق الأطول، يتم الحصول على معادلة واضحة: أسعار النقل ترتفع بشكل كبير".
وأوضح أن "العديد من شركات الشحن بالفعل تفرض رسوم حرب ورسوم وقود الطوارئ على البضائع، وأصبح نقل حاوية من الشرق الأقصى إلى أوروبا أو البحر المتوسط أكثر تكلفة في وقت قصير بآلاف الدولارات".
وبالنسبة للشركات التجارية والمستوردين والمصدرين، "فهذا يعني زيادة كبيرة في التكاليف، لكن القصة لا تنتهي عند ارتفاع أسعار الوقود وطرق الشحن، فالتأمين هو أحد العناصر الأكثر حساسية في عالم الشحن، وعندما يتم تعيين منطقة معينة كمنطقة حرب، يتعين على شركات التأمين إعادة تقييم المخاطر".
وأشار إلى أننا "نرى بالفعل كيف أن بعض شركات إعادة التأمين في العالم تعلن أنها لم تعد مستعدة لتوفير التغطية التأمينية لمخاطر الحرب في منطقة الخليج العربي، ومن هم على استعداد لتحمل المخاطر يطالبون بأقساط تأمين أعلى بعشر مرات، كما تنتقل هذه التكلفة أيضًا في النهاية إلى أسعار النقل والسلع".
وأكد أن "هناك مشكلة أخرى لا تقل أهمية، وهي الاضطرابات في سلاسل التوريد، فقد توقفت العديد من شركات الشحن بالفعل عن قبول طلبات النقل لمنطقة دول الخليج".
وهذا يعني أن "الشحنات بدأت تتراكم في موانئ بديلة في جميع أنحاء آسيا: الهند وماليزيا وإندونيسيا وسيريلانكا وسنغافورة وموانئ أخرى، وفي الوقت نفسه، هناك العديد من السفن الموجودة في منطقة الخليج، ولا يمكنها مواصلة طريقها، بما في ذلك ناقلات النفط وسفن الحاويات".
وأضاف أنه "عندما تسوء حركة السفن عند نقطة ما في النظام العالمي، ينتشر التأثير بسرعة لسلسلة التوريد بأكملها، وعلى خلفية هذا الواقع تحديداً، من المهم أن نلاحظ أن "إسرائيل"، ورغم كونها جزءاً من المنطقة المتوترة، تمكنت من الحفاظ على الاستمرارية الوظيفية في أنظمتها التجارية".
وقال "تعمل موانئ "إسرائيل" البحرية كالمعتاد، وتواصل شركات الشحن التردد على موانئها، وقد نشرت هيئة الشحن والموانئ تعليمات تسمح باستمرار العمليات بشكل طبيعي، كما تستمر أنشطة الجمارك والاستيراد والتصدير في العمل".
وأشار أنه "في القطاع الجوي، يواصل مطار بن غوريون العمل لرحلات الشحن، مع استمرار طائرات الشحن التابعة لشركتي العال وتشالينج إير في التحليق، لكن حقيقة أن رحلات إنقاذ الركاب لا تحمل بضائع تخلق عبئاً إضافياً على نظام النقل الجوي".
لكن، والكلام لـ"رافائيل بن آري"، الصورة الكبيرة واضحة، فنحن فقط في بداية الاضطراب، والتجارة الدولية نظام معقد وحساس، وكل صدمة جيوسياسية كبرى تخلق سلسلة من ردود الفعل، وطالما استمرت الأزمة في منطقة الخليج، سنشهد ارتفاعًا إضافيًا في أسعار النقل، وازدحام الموانئ، وتأخر الإمدادات، وارتفاع أسعار السلع".
تشير هذه القراءة الإسرائيلية في التبعات الاقتصادية للحرب الجارية إلى أنها لم تعد إقليمية فقط وتقتصر على هذه المنطقة، لأنها تؤثر على أسعار الطاقة، وطرق الشحن، وسلاسل التوريد، والاقتصاد العالمي بأكمله، ومن ينظر إلى الخريطة البحرية اليوم يدرك جيدًا أنه إذا أُغلق الخليج العربي، فسيشعر العالم كله بالصدمة.