كيف يمكن للحرب مع إيران أن تعجل بسقوط الإمبراطورية الأمريكية؟

ذكرت الكاتبة أن "هذه ليست ضربة محدودة ولا استعراضًا محسوبًا للقوة"- جيتي
تتصاعد المواجهة بين "إسرائيل" وإيران إلى مستوى غير مسبوق، مع انخراط الولايات المتحدة عسكرياً في الصراع، في حرب يرى مراقبون أنها تمثل ذروة مسار طويل من التحذيرات والضغوط التي قادها رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طوال سنوات، في إطار سعيه إلى مواجهة طهران وإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.

وفيما يلي النص الكامل لمقال الكاتبة التونسية والخبيرة في شؤون الشرق الأوسط سمية الغنوشي، الذي نشره موقع "ميدل إيست آي":

لأكثر من عقدين، ظل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحوم حول هدف بعينه.

حذّر منه، وسعى إليه، وصوّره بشكلٍ درامي على المنابر، من واشنطن إلى الأمم المتحدة. وها هو قد وصل إلى هدفه.

الحرب التي طالما زعم أنها حتمية اندلعت أخيرا: مواجهة مباشرة مع إيران، لا تخوضها إسرائيل وحدها، بل معها الولايات المتحدة بكامل ثقلها العسكري.

هذه ليست ضربة محدودة ولا استعراضًا محسوبًا للقوة، بل هي المواجهة الأخطر والأكثر تهورًا من نوعها. حرب لم تفرضها ضرورة أمريكية، ولا تهديدات وشيكة، ولم يقرها الكونغرس أو الأمم المتحدة، بل تحركها رؤية إسرائيلية لإعادة تشكيل المنطقة.

لسنوات طويلة، تحدث نتنياهو ودائرته علناً عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط. من وجهة نظرهم، الحدود ليست ثابتة، والمنطقة عبارة عن رقعة شطرنج يمكن إعادة ترتيبها وفقاً لرغبات إسرائيل الاستراتيجية والأيديولوجية.

تسللت لغة “إسرائيل الكبرى” من الهوامش لتحتل صدارة الخطاب السياسي السائد. يتحدث المسؤولون الإسرائيليون – والعديد من الأصوات الأمريكية التي تردد صدى الخطاب الإسرائيلي – بلا مواربة عن مواجهة “التطرف الشيعي” اليوم و”التطرف السني” غداً، وكأن العالم الإسلامي بأسره ليس سوى سلسلة من الأهداف التي تنتظر دورها.

والآن، بدعم من القوة العسكرية الأمريكية، يعتقد نتنياهو أن بإمكانه تغيير مسار التاريخ.

سيناريو يتكرر

يُقال إن سبب الحرب هي الصواريخ الإيرانية، والسلاح النووي، والأمن القومي الأمريكي. ويكرر وزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخارجية ماركو روبيو، هذه الذرائع بيقين مصطنع: إيران على وشك امتلاك السلاح النووي، إيران تمثل تهديداً، يجب إيقاف إيران.

لقد سمعنا هذا الكلام سابقا من الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير بشأن “أسلحة الدمار الشامل” التي يمتلكها صدام حسين. وشاهدنا كيف تعرض العراق للغزو والتدمير والتفتيت، لنكتشف في النهاية أن الذريعة الأساسية للحرب كانت ملفقة.

لم تكن التداعيات نظرية، بل خسائر بشرية بمئات الآلاف، وفوضى إقليمية عارمة، ووصمة عار أبدية تلطخ مصداقية الغرب.

والآن، يُستخدم السيناريو ذاته. خلال المفاوضات التي جرت في عُمان وجنيف، أبدت إيران مرونة واستعداداً لخفض تخصيب اليورانيوم وقبول رقابة شاملة، وكان هناك مجال لخفض التصعيد. ولكن المفاوضات تحوّلت إلى “مسرحية”. بينما كان الدبلوماسيون يتحدثون عن التسوية، كانت الأساطيل تتحرك بصمت عبر المحيط الهندي ومياه الخليج، وتم حشد القوات تحت غطاء المفاوضات. كان المشهد مألوفا: الحديث عن السلام في خضم الاستعداد للحرب.

ثم جاءت الضربة: اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، واستهداف القيادات السياسية والعسكرية، وقصف أراضي دولة ذات سيادة، وضربات عنيفة على عدة مدن. ورغم كل ذلك، تُصوّر إيران في الرواية الغربية السائدة على أنها الطرف المعتدي.

عملت إسرائيل لعقود على ترسيخ صورة “الجيش الذي لا يقهر”، والدولة التي هزمت الجيوش العربية مراراً في حروب تقليدية. لكن سجلات التاريخ تروي قصة أكثر تعقيداً بكثير.

قتال منفرد

في عام 1948، لم يكن ما يُسمى بـ “التحالف العربي” موحداً ولا ذا سيادة حقيقية. كان جزء كبير من العالم العربي قد خرج للتوّ من أتون الحكم الاستعماري الأوروبي المباشر.

الإمبراطورية البريطانية التي كانت تدير فلسطين، هي ذاتها التي تولت تدريب وتسليح وقيادة “الفيلق العربي” التابع لإمارة شرق الأردن، حيث كان قائده الضابط البريطاني “غلوب باشا“. لم يكن الجيش العربي الأكثر كفاءة في الميدان يعمل تحت قيادة عربية مستقلة وموحدة.

أما الملك عبد الله، ملك الأردن، فقد كان تركيزه منصبًا على تأمين السيطرة على الضفة الغربية أكثر من اهتمامه بالدفاع عن كامل أرض فلسطين. وقد رسمت حساباته السياسية حدود الانخراط في تلك الحرب.

كان جيش الأردن مقيّدًا وموجّهًا رغم صموده أمام القوات الصهيونية، إذ خضع زخمه الميداني لطموحات توسعية، أكثر من انخراطه في استراتيجية عربية منسقة.

أما أداء مصر في حرب 1948 فقد تأثر بخلل وظيفي في أعلى مستويات القيادة. ففي عهد الملك فاروق، دخل الجيش المصري الحرب وهو يفتقر إلى الاستعدادات الضرورية، مع هياكل قيادة مرتبكة وتنسيق ضعيف.

وقد فجّرت فضيحة “الأسلحة الفاسدة” لاحقًا غضبًا واسعًا في القاهرة، بعد أن ترددت مزاعم بتزويد الجنود بذخيرة فاسدة وأسلحة غير صالحة للاستخدام، وهي قضية أججت الغضب الشعبي ومهّدت الطريق لانقلاب الضباط الأحرار عام 1952.

وفي هذه الأثناء، واجه المقاتلون الفلسطينيون واقعاً أشد قسوة. طالب عبد القادر الحسيني، الذي كان يقود قوات غير نظامية في محيط القدس، مراراً وتكراراً بالحصول على أسلحة وتعزيزات، لكنها لم تصل أبدا. وقبيل معركة “القسطل” في نيسان/ أبريل 1948، أرسل نداءات عاجلة لتزويده بالذخيرة.
قبل يومين من وفاته، كتب إلى الأمين العام للجامعة العربية: “أحمّلكم المسؤولية بعدما تركتم جنودي في ذروة انتصاراتهم بلا دعم ولا سلاح”.

استبسل هو ورجاله حتى آخر رصاصة، وقُتل في أرض المعركة. لم تكن قواته مدعومة بقيادة عربية موحدة، بل كانوا يقاتلون في الغالب بمفردهم.

الأسطورة الإسرائيلية

في عام 1948، لم تكن هناك آلة حرب عربية تقليدية موحدة تعمل بشكل منسق وتتمتع بالسيادة. كانت هناك دول متشرذمة، وأنظمة ملكية متنافسة، وعلاقات استعمارية متشابكة، وطموحات متضاربة، وقدرات عسكرية متفاوتة.

لم تهزم إسرائيل جيشاً عربياً موحداً، وقد ظهرت في عالم عربي لا يزال يعيش حينها تحت تأثير الهياكل الاستعمارية الأوروبية، أو تحت سلطتها المباشرة في الغالب، بينما استفادت إسرائيل من التفوق التنظيمي والدعم الدولي.

أما أسطورة “هزيمة الجيوش العربية”، فقد تم صياغتها لاحقاً لتتحول إلى ملحمة وطنية.

وفي عام 1967، تحقق التفوق الإسرائيلي الحاسم من خلال ضربة جوية استباقية دمرت سلاح الجو المصري على الأرض في غضون ساعات. وبمجرد تأمين التفوق الجوي، أصبحت النتيجة محسومة إلى حد كبير. لم يكن صراعًا طويلاً أو متوازناً بين جيوش متكافئة، بل كانت ضربة قاضية قبل أن تتبلور ملامح المواجهة التقليدية بالكامل.

جاءت حرب 1973 لتزيد من تعقيد هذه الأسطورة. ففي أكتوبر/ تشرين الأول من ذلك العام، عبر الجيش المصري قناة السويس، واخترق خط بارليف، وتقدم داخل سيناء في هجوم مفاجئ أذهل القيادة الإسرائيلية وبدّد هالة التفوق التي ترسخت عام 1967.

ولأول مرة منذ تأسيس إسرائيل، أظهر جيش عربي تخطيطا وتنسيقا وكفاءة ميدانية بشكل أجبر إسرائيل على اتخاذ موقف دفاعي، لكن هذا الزخم العسكري لم يتحوّل إلى مكاسب استراتيجية.
وقد ساهم جسر جوي أمريكي ضخم في تعويض خسائر إسرائيل وتثبيت موقفها، ما أدى إلى تغيير موازين القوة مرة أخرى. أما الرئيس المصري أنور السادات، الذي كان يتوق للتوجه إلى واشنطن وتأمين تسوية سياسية، فقد سارع إلى إجراء المفاوضات.

ما بدأ كصدمة عسكرية تحوّل إلى ترتيبات دبلوماسية تُوّجت بتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد.

نمط مشترك

منذ ذلك الحين، كانت مواجهات إسرائيل الكبرى في المنطقة مع جهات غير حكومية. في لبنان، واجهت حزب الله واضطرت إلى الانسحاب. وفي غزة، لم تتمكن إسرائيل من القضاء على حماس رغم الدعم الأمريكي الهائل والقوة العسكرية الغاشمة، واستعادت الرهائن عبر المفاوضات وليس من خلال الحسم العسكري.

اعتادت إسرائيل على شن غارات جوية ضد خصوم مشتتين، لا على خوض حروب استنزاف طويلة الأمد ضد جيش كبير ومنظم تدعمه قيادة سياسية موحدة.

تتّبع الولايات المتحدة النمط ذاته. ففي عام 2003، كان العراق في أضعف حالاته بعد سنوات من العقوبات. كانت قدراته العسكرية متدهورة، وبنيته التحتية متهالكة، وشعب منهكا. وفي أفغانستان، واجهت القوات الأمريكية فصائل متمردة. وفي ليبيا والصومال وسوريا، كانت هناك مسارح عمليات متفرقة وأطراف متناحرة.

اعتادت واشنطن محاربة الأنظمة الضعيفة أو الحركات اللامركزية، وأصبح أسلوبها مألوفاً: التدخل السريع، والقوة الغاشمة، ثم إعلان النصر.

لكن الأمر مختلف هذه المرة. للمرة الأولى منذ عقود، تواجه إسرائيل والولايات المتحدة قوة عسكرية منظمة تابعة لنظام سياسي متكامل قادر على الاستمرارية وتجديد الدماء. إيران ليست عراق 2003، ولا أفغانستان 2001. تمتلك إيران عمقاً جغرافياً، وثقلاً ديموغرافياً، ومؤسسات عسكرية راسخة، وواحدة من أكبر ترسانات الصواريخ في المنطقة. وقد استثمرت عقوداً في الصناعات العسكرية المحلية، وتكنولوجيا الطائرات المسيرة، والبنية التحتية الدفاعية، وكل ذلك تحت وطأة عقوبات تهدف إلى خنقها.

إيران نتاج ثورةٍ انبثقت من مشاعر عميقة مناهضة للاستعمار: ثورة قومية وأيديولوجية، تتمتع باستقلالٍ راسخ. أطاحت بنظام ملكي مدعوم من الغرب، وأمضت عقودًا في بناء استقلاليتها تحت وطأة الحصار. تصنع أسلحتها بنفسها، وتعقد تحالفاتها من منطلق مصالحها الخاصة.

الاستخفاف بالنظام الإيراني من خلال اختزاله في عبارة “الملالي” ليس تحليلاً، بل صورة كاريكاتورية سطحية تجسد نزعةً أمريكيةً أوسع نطاقًا للاستهانة بالمجتمعات التي لا تفهمها.

بين الخطاب والواقع

ظهرت هذه الصورة النمطية في المؤتمر الصحفي الذي عقده البنتاغون، حيث وصف هيغسيث النظام الإيراني بأنه “مجنون” و”متشبث بأوهام النبوءات الإسلامية”. في الوقت نفسه، صرّح روبيو بأن إيران يقودها “رجال دين متطرفون” لا يتخذون قراراتهم بناءً على معطيات جيوسياسية، بل على أساس تصورات دينية عن نهاية العالم.

تأتي هذه التصريحات من إدارة متحالفة مع المسيحية الصهيونية وحكومة إسرائيلية يمينية متطرفة غارقة في أوهام “الاستحقاق التوراتي”. إدارة يستشهد سفيرها لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بالنصوص الدينية والوعود الإلهية كأساس للمطالبة بالأرض.

ولكن بعيداً عن هذا الخطاب، يكمن واقع أكثر أهمية: إيران لا تحارب إسرائيل فحسب، بل تواجه منظومة القوة الأمريكية بأكملها في المنطقة. تواجه الراعي والمورد والضامن للهيمنة الإسرائيلية.
لا تنظر طهران إلى إسرائيل كخصم معزول، بل باعتبارها العقدة الأكثر تحصيناً ضمن الهيكل الأوسع للهيمنة الأمريكية. ولا يتوقف خط المواجهة عند تل أبيب، بل يمتد مباشرة إلى شبكة القواعد الأمريكية التي تدعم النفوذ العسكري الأمريكي، من البحرين إلى الكويت والإمارات والعراق وما وراءها.

وليس هذا التصعيد عرضيًا. استهدف رد الفعل الإيراني عمداً الأصول الأمريكية ودول الخليج التي تستضيف قوات أمريكية، في إشارة إلى أن طهران لا تنظر إلى عدوها كجيش منفرد، بل كنظام استراتيجي عالمي يرتكز على التفوق اللوجستي والعسكري الأمريكي.

ولا تخوض إيران حربًا تقليدية متكافئة، بل تنفّذ استراتيجية غير متكافئة: تهديد بنية الخليج التحتية، وتدفقات الطاقة، والممرات البحرية الاستراتيجية التي يقوم عليها المنظومة الرأسمالية العالمية والنظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة، خصوصًا منظومة البترودولار التي تغذي وول ستريت وواشنطن معًا.

وإذا ما تزعزع استقرار الخليج، فإن التداعيات ستتسع لتطال أسواق الطاقة والعملات عالميا، والبنية المالية التي تقوم عليها القوة الأمريكية.

سويس واشنطن

قد تصبح هذه المغامرة الأخطر في تاريخ الولايات المتحدة، والتي يُقدم عليها أحد أكثر رؤسائها تهورًا. قد لا تفضي الحرب إلى ولادة “شرق أوسط جديد” وفق الرؤية الإسرائيلية، بل قد تتبع نمطًا أكثر شيوعًا: القصة المألوفة لقوة عظمى تتجاوز حدودها.

تبدأ الإمبراطوريات، في أوج ثقتها بنفسها، بتصديق أساطيرها، فتخلط بين التفوق العسكري والحكمة الاستراتيجية، وتقنع نفسها بأن القوة قادرة على تغيير مجرى التاريخ.

نادراً ما تنهار الإمبراطوريات لأنها ضعيفة، بل لأنها تبالغ في تقدير قوتها. لا تسقط نتيجة نقص في القوة، بل بسبب فائض الثقة والغرور.

تعلمت بريطانيا هذا الدرس عام 1956. كانت مقتنعة بأن سلطتها دائمة، واثقة بأنها ما زالت قادرة على فرض إرادتها خارج حدودها، فانطلقت في مغامرة السويس: استعراض قوة هدفه تأديب طرف إقليمي متمرد واستعادة هيبة الإمبراطورية.

لكن ما حدث كشف حدود القوة البريطانية، حيث تصاعد الضغط المالي، واشتدت المعارضة الدولية، وتلاشت أوهام السيطرة. وما كان يهدف إلى إظهار القوة، أصبح بداية تقهقر استراتيجي.

لم تُنهِ أزمة السويس الإمبراطورية البريطانية بين ليلة وضحاها، لكنها كشفت عن حقيقة حاسمة: القدرات العسكرية من دون شرعية سياسية، والقوة من دون قيود، تُسرّع بالانحدار بدل أن توقفه.

نادرا ما يكرر التاريخ نفسه بكل تفاصيله، لكنه يكرر منطقه. قد تكون إيران اليوم “سويس واشنطن”.