أنيسة تبريزي: نتحمل في الإمارات عواقب استهانت أمريكا و"إسرائيل" برد إيران

أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية رصد 196 صاروخاً باليستياً تم تدمير 181 منها منذ بدء الهجمات - جيتي
حذرت خبيرة شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد تشاتام هاوس، أنيسة بصيري تبريزي، من أن التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى يدفع المدنيون في المنطقة ثمنه المباشر.

ونشرت صحيفة "الغارديان" مقالًا للزميلة المشاركة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، تبريزي، قالت فيه إن عائلتها في طهران، وهي في أبوظبي. وفي جميع أنحاء المنطقة، يدفع الناس العاديون ثمن هذه الهجمات.

وأضافت: "منذ يوم السبت، وأنا ممزقة بين مكان إقامتي، أبوظبي، وطهران، التي كانت محور عملي وبحثي لأكثر من 15 عامًا، حيث لا تزال عائلتي تقيم.

وأشارت إلى أنها عندما رأيت أن إسرائيل والولايات المتحدة قد هاجمتا إيران، بدأت أشعر بالقلق على عائلتي، وأفكر في العواقب المحتملة. لكن لم يكد يمر وقت حتى أعلن دونالد ترامب أن الأمر يتعلق بتغيير النظام.

وتابعت أنه في تلك اللحظة، أدركت أن الأمر سيكون خطيرًا، بل أسوأ من هجوم حزيران/ يونيو الماضي، وأنه سيؤدي إلى انقسام إقليمي، وكما كان متوقعًا، بدأ رد إيران بعد ذلك بوقت قصير: أولًا ضد إسرائيل، ثم ضد دول في منطقة الخليج، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة.

وأضافت أن كل ذلك جاء وفقًا لأسوأ سيناريوهات التصعيد التي كنا قد حددناها منذ حزيران/ يونيو، وخاصة منذ كانون الثاني/ يناير، عندما صرّح دونالد ترامب - وسط الاحتجاجات - بأن 'المساعدة' في طريقها".

وذكرت أنها كانت تحاول باستمرار التواصل مع عائلتها كلما توفر الاتصال بالإنترنت، وهو في أحسن الأحوال لبضع دقائق يوميًا. كل محادثة قصيرة وعملية: "هل أنت بخير؟ هل تأثرت منطقتك؟"
وأوضحت أن قلقها الأكبر هو على سكان طهران، المدينة الأكثر استهدافًا حتى الآن.

ويصف أقاربها كيف طُلب منهم الاستمرار في الذهاب إلى العمل بينما تحاول السلطات إظهار أن "الأمور تسير كالمعتاد"، رغم أن الواقع أبعد ما يكون عن الطبيعي. الاتصالات متقطعة، ولا توجد صفارات إنذار أو تنبيهات قبل الهجوم.

وتابعت أن الأخبار تصل متقطعة، ويواجه الناس العاديون مخاطر لم يختاروها، ويتحملون تبعات الأحداث الخارجية. يبدو الإرهاق واضحًا في أصواتهم، لا الذعر. وفي بعض الأحيان، يكتبون للاطمئنان عليها، وهذا أمرٌ غريبٌ للغاية.

وقالت إن النهج، في الإمارات، كان مطمئناً ومنهجياً. تحولت المدارس إلى التعليم عن بُعد، وأماكن العمل أيضاً عن بُعد، لتجنب المخاطر. وباتت أنظمة الدفاع الجوي ظاهرة للعيان، مع إطلاق الإنذارات والتحذيرات عند وقوع الحوادث.

تستمر الحياة، لكن كل يوم يحمل معه المزيد من التساؤلات: "إلى متى سيستمر هذا الوضع؟ ما الذي سيعنيه عدم الاستقرار المطوّل لحياتنا ولأطفالنا؟ حتى في مدينة مستعدة، تكتنف حياتنا اليومية حالة من عدم اليقين".

وأكدت أن من الأمور اللافتة للنظر أيضاً مدى استهانة الإدارتين في واشنطن وإسرائيل برد طهران، حيث اعترف ترامب بأنه فوجئ بالضربات الإيرانية الانتقامية على الخليج – "وهو الأمر الذي حذرنا منه نحن الذين وضعنا نماذج للتصعيد الإقليمي في حال شعرت طهران بأنها محاصرة أو تحت تهديد وجودي".

وقالت بصيري تبريزي، إن السؤال الأهم هو "ماذا سيحدث بعد ذلك؟"، وأضافت أن من غير المرجح أن يُحسم هذا الأمر بضربة واحدة أو بيان واحد، بل بمدى استمرار هذا الضغط، وعدد الخطوط الحمراء التي يتم تجاوزها، وحجم الضرر المتراكم قبل أن يعود ضبط النفس إلى حساباتنا.

لكن في الوقت الراهن، لا يبدو أي من الطرفين مستعداً أو راغباً في خفض التصعيد، إذ يتمسك بموقف متشدد رغم تداعيات الأزمة الإقليمية، وبيّنت أنه بالنسبة لإيران، فإن المخاطر وجودية: فبقاء النظام، وسلامة أراضيها، ومصداقية قدرتها على الردع، كلها على المحك.

أما بالنسبة لدولة الاحتلال، فالحسابات استراتيجية لكنها حاسمة؛ تتشكل من الاعتقاد بأن هذه اللحظة تمثل فرصة سانحة لإضعاف القدرات العسكرية والنووية الإيرانية بشكل دائم، حتى مع خطر تصعيد أوسع.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن المخاطر جيوسياسية ومنهجية، إذ تسعى إلى الموازنة بين طموحات تغيير النظام، ومصداقية التحالفات، والضغوط السياسية الداخلية، وبين تكاليف الانجرار إلى صراع آخر طويل الأمد في الشرق الأوسط.

أما بالنسبة لدول الخليج، فالمخاطر هيكلية، تهدد الأمن الداخلي، والاستقرار الاقتصادي، ومكانتها التي حققتها بشق الأنفس كمراكز للتجارة والاستثمار العالميين.

وبالنسبة للأسواق العالمية وسلاسل التوريد، فإن العواقب منهجية، إذ أن عدم الاستقرار المستمر في منطقة محورية لتدفقات الطاقة، ولكنها تخضع لممرات بحرية حيوية، يتردد صداه إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط، وفي غضون ذلك، نادرًا ما يقتصر التصعيد على مكان واحد.

فالمنطقة بأسرها تراقب الوضع. دول الخليج تعيد تقييم أوضاعها بهدوء، وتعزز دفاعاتها، وتُحدّث خطط الطوارئ، والتجار والأسواق في حالة تأهب، والحكومات في جميع أنحاء العالم تستعد لتداعيات محتملة.

أما بالنسبة للناس العاديين - في طهران، وبيروت، وغزة، وبشكل متزايد في جميع أنحاء الخليج - فإن الثمن يُدفع في صورة حالة من عدم اليقين، واضطراب في الحياة، وإعادة تقييم مستمرة لمعنى "الوضع الطبيعي" الحالي.

وختمت بالقول إن إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ستواصل قتالها. لكن يجب أن نتذكر أن الأمر لا يقتصر على الاستراتيجية العسكرية والردع فحسب؛ بل يتعلق، بالنسبة لأولئك في جميع أنحاء المنطقة، بصمود الإنسان.