وثائق سرية تكشف حقن آلاف الأمريكيين بمواد مشعة دون علمهم
لندن- عربي2103-Mar-2612:08 PM
شارك
مذكرة عام 1947 أوصت بإخفاء معلومات حقن البشر بالبلوتونيوم لتجنب تأثير سلبي على الرأي العام- CC0
أظهرت وثائق رفعت عنها السرية أن الحكومة الأمريكية تعمّدت إخضاع مواطنين لحقن بمواد مشعة من دون علمهم أو موافقتهم، ضمن برامج تجارب نووية سرية استمرت لعقود وشملت آلاف الأشخاص.
ووفق تقرير لصحيفة "ديلي ميل" البريطانية عن هذه الوثائق ، تعود البدايات الأولى لهذه التجارب إلى الفترة بين عامي 1945 و1947، حين أجرى أطباء أمريكيون تجارب على 18 مريضا في مستشفيات، حيث حقنوا بالبلوتونيوم لدراسة كيفية تحرك هذه المادة داخل الجسم وتأثيراتها عليه.
وكانت هذه التجارب جزءا من المشاريع النووية الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، بهدف فهم مخاطر الإشعاع على العمال الذين شاركوا في بناء القنابل الذرية.
ولم تكشف التفاصيل الكاملة إلا في عام 1995، بعدما أمر البيت الأبيض في عهد الرئيس بيل كلينتون وزارة الطاقة برفع السرية عن الوثائق المرتبطة بهذه البرامج.
وأظهرت الوثائق أن الحكومة الفيدرالية رعت ما يقارب 4 آلاف تجربة إشعاعية بشرية بين عامي 1944 و1974، شملت فئات مختلفة من المواطنين، دون علم أغلبهم.
ووأشارت إلى أن من بين الضحايا الأوائل عامل الأسمنت الأمريكي من أصل إفريقي إيب كيد، الذي نقل إلى مستشفى "أوك ريدج" العسكري بعد تعرضه لحادث سيارة أصيب فيه بكسور متعددة في الرضفة اليمنى والساعد الأيمن وعظمة الفخذ اليسرى.
وبعد أربعة أيام من دخوله المستشفى، حُقن في ذراعه اليسرى بجرعة من البلوتونيوم دون علمه أو موافقته. وتُظهر الوثائق أن الجرعة التي تلقاها كانت أكبر بخمس مرات مما اعتقد العلماء أنه آمن للجسم البشري، وأكبر بـ80 مرة مما يمتصه الشخص العادي خلال عام كامل.
واعترف جوزيف هاولاند، مساعد رئيس الأبحاث الطبية في المستشفى، في مذكرة داخلية بأنه حقن إنسانا بالبلوتونيوم، مشيرا إلى أنه اعترض على الأمر لكنه نفذه لأنه كان في الجيش حيث "الأمر هو أمر". وتوفي كيد عن عمر 63 عاما، بعد نحو ثماني سنوات من حقنه، بينما عاش إخوته وأخواته لعقود أطول.
كما شملت التجارب ألبرت ستيفنز، البالغ من العمر 58 عاما، الذي شُخص خطأ بسرطان المعدة وأُبلغ بأن أمامه ستة أشهر فقط للعيش. وخلال تلك الفترة، حُقن سرا بجرعة كبيرة من البلوتونيوم-238، وهو نظير أكثر إشعاعا بـ276 مرة من البلوتونيوم-239.
وعندما أجرى الأطباء عملية استئصال واسعة، تبين أنه لم يكن مصابا بالسرطان، بل كان يعاني من قرحة معدية حميدة مع التهاب مزمن. ورغم الجرعة التي وُصفت بأنها مميتة مفترضة، عاش ستيفنز 21 عاما إضافية، ومن بين الضحايا أيضا جانيت شتات، التي توفيت بسبب سوء التغذية الناتج عن سرطان الحنجرة بعد تلقيها الإشعاع في المستشفى. ولم تعلم عائلتها بأنها حُقنت بالبلوتونيوم إلا عام 1994، عندما اتصلت بهم وزيرة الطاقة الأمريكية هيزل أوليري لإبلاغهم بالحقيقة.
وأظهرت الوثائق الداخلية تبريرات العلماء لهذه التجارب، إذ كتب فريق من مختبر شيكاغو أن الناس كانوا معرضين حتما لدرجة ما من البلوتونيوم، وبما أن المادة شديدة السمية الإشعاعية، كان لا بد من إيجاد وسيلة لتحديد ما إذا كان شخص معين يحمل أي كمية منها في جسمه.
وأضافوا أن التجارب على الحيوانات وفرت بيانات كثيرة، لكنهم احتاجوا إلى دراسات بشرية لمعرفة كيفية تطبيق هذه البيانات على البشر.
وفي خطاب سري عام 1946، قال الباحث ستافورد وارين، مخترع جهاز "الماموغرام"، إن امتصاص بضعة ميكروغرامات من البلوتونيوم يعني اليقين بالإصابة بفقر دم تدريجي أو ورم خلال فترة تتراوح بين 5 و15 سنة، واصفا ذلك بأنه خطر خبيث يصعب التحصن ضده.
ولم تقتصر التجارب على البلوتونيوم، إذ كشفت الوثائق أن برامج الإشعاع شملت إعطاء جرعات منخفضة من مواد تتبع مشعة للبالغين، وتعريض الأطفال لنظائر مشعة، وتشعيع أجسام سجناء، وتعريض جنود لانفجارات نووية لدراسة ردود أفعالهم، إضافة إلى مراقبة تأثير التساقط النووي على عمال مناجم اليورانيوم وسكان جزر مارشال.
وفي سبعينيات القرن العشرين، استمرت التجارب، حيث تعرض مرضى سرطان لجرعات هائلة من الإشعاع في تجارب قُدمت على أنها علاجية، لكنها كانت في الواقع تغذي معلومات للجيش وأدت ببعض المرضى إلى وفيات أليمة.
ونفذت هذه البرامج من قبل علماء مشروع مانهاتن، المشروع السري لصنع القنبلة الذرية، إضافة إلى هيئة الطاقة الذرية ومسؤولي البنتاغون وعدد من المستشفيات والجامعات الأمريكية خلال الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي.
ولإبقاء هذه التجارب طي الكتمان، صنفت على أنها "سرية للغاية" لتجنب الغضب الشعبي.
وأظهرت مذكرة صادرة عن هيئة الطاقة الذرية عام 1947 أن المعلومات المتعلقة بحقن البشر بالبلوتونيوم لا ينبغي الكشف عنها لأنها قد تؤثر سلبا على الرأي العام.
واستمر التعتيم حتى عام 1994، حين شكلت الحكومة اللجنة الاستشارية للتجارب الإشعاعية البشرية، التي خلصت إلى أن الحكومة الفيدرالية رعت بالفعل عدة آلاف من التجارب الإشعاعية البشرية، وأن جرعات التتبع المماثلة لتلك المستخدمة اليوم لأغراض علاجية تسببت في حالات مرضية إشعاعية حادة.
وقالت الصحفية إيلين ويلسوم، الحائزة على جائزة "بوليتزر" لتغطيتها هذه القضية، إنها اكتشفت القصة مصادفة أثناء قراءتها عن تجارب على كلاب البيجل التي حُقنت بكميات كبيرة من البلوتونيوم وأصيبت لاحقا بداء الإشعاع والأورام. وأشارت في كتابها "ملفات البلوتونيوم" إلى أنها تساءلت عما إذا كان البشر قد تعرضوا للمصير ذاته.
وأدت هذه التجارب إلى عواقب صحية كارثية، شملت حالات مرض ووفيات في بعض الأحيان، فضلا عن أضرار طويلة الأمد وزيادة احتمالات الإصابة بالسرطان لدى الناجين.
وتعد هذه القضية واحدة من أحلك صفحات التاريخ الأمريكي، حيث تجاوزت الحكومة الحدود الأخلاقية تحت شعار الأمن القومي والتقدم العلمي، مخلفة وراءها ضحايا لم يعلموا أنهم تحولوا إلى أرقام في تجارب نووية سرية.