بعد ساعات فقط من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب، الجمعة، رفضه استخدام القوة ضد
إيران، شن جيش الاحتلال والقوات الأمريكية، صباح السبت، هجوما جويا واسعا طال مناطق من العاصمة طهران، ومدينة قم التاريخية، وأصفهان ولرستان، تحت ذريعة تنفيذ "ضربة استباقية وقائية".
وعلى ما يبدو، فإن ما جرى السبت مشابه لسيناريو حزيران/يونيو الماضي، وفق ما عُدَّ آنذاك بـ"الخدعة"، حيث مُنحت إيران فرصة أخيرة قبل انضمام القوات الأمريكية إلى القصف الإسرائيلي خلال حرب الـ12 يوماً، إلا أنها رفضتها، وفقاً لصحيفة "واشنطن بوست".
وقبيل مغادرته إلى تكساس، أعلن ترامب، الجمعة للصحفيين، أنه "غير راضٍ" عن مسار المفاوضات الجارية مع إيران، مشيراً إلى أنه لم يتخذ بعد "قراراً نهائياً" بشأن احتمال توجيه ضربة عسكرية، معلناً في الوقت نفسه ترقبه لجولة مفاوضات جديدة.
رغم محاولات ترامب الإيحاء بأنه أبقى خياراته مفتوحة، إلا أنه كان يشعر بالإحباط المتزايد إزاء ما يصفه مساعدوه بحدود النفوذ العسكري المتاحة ضد إيران، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي واحتمالات التصعيد، وفق ما أفادت شبكة "
سي بي إس نيوز"، نقلاً عن مصادر مطلعة.
أُبلغ ترامب بأن الضربات المحدودة التي تستهدف مصالح طهران قد تفتح الباب أمام مواجهة أوسع نطاقاً، تُنذر بتورط الولايات المتحدة في صراع طويل الأمد في الشرق الأوسط، وهو ما لا ترغب به واشنطن.
كما حذر مسؤولون في البنتاغون، عبر تسريبات إعلامية، من نقص الذخائر والموارد اللازمة لحملة عسكرية واسعة النطاق، فضلاً عن تقارير تناولتها شبكة "
سي أن أن" تفيد بحاجة حاملات الطائرات الأمريكية للصيانة.
وبالتالي فإن أي هجوم مطول سيُدخل الولايات المتحدة في مستنقع شبيه بمستنقع العراق، في ظل تحذيرات من أن القوات الأمريكية تخاطر بحياتها دون موارد كافية، وهو ما يعد انتحارًا سياسيًا لأي رئيس، مهما بلغ شعوره بالقوة المطلقة، كما يظن ترامب بعد العملية في فنزويلا.
أوراق إيران لمواجهة حرب "وجودية"
لا تملك إيران قوة عسكرية تضاهي في قدراتها ما تملكه الولايات المتحدة، وتستند استراتيجيتها في المواجهة على فكرة مفادها الصمود أمام الموجة الأولى من الضربات الأمريكية، قبل أن ترد باستهداف أصول رمزية لواشنطن وحلفائها في المنطقة.
وهو ما أفصح عنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، قائلا: "إذا قررت الولايات المتحدة، فإن القواعد الأمريكية في المنطقة ستصبح أهدافاً مشروعة. نحن نعتبرها قواعد أمريكية، وليست جزءاً من أراضي جيراننا أو الدول التي تقع فيها".
يقول مسؤولو البنتاغون إن عمليات الانتشار دفاعية ومصممة لردع التصعيد، إلا أن حجم وتيرة الحشد يؤكد أن أي ضربة في إيران ستؤدي على الأرجح إلى رد فعل، سواء من خلال هجمات صاروخية أو مضايقات بحرية في مضيق هرمز أو قوات وكيلة تعمل في العراق وسوريا وأماكن أخرى، وهو ما حصل فعلا.
إعادة سيناريو الحوثيين في اليمن
يقول خبراء إقليميون نقلت عنهم صحيفة "نيويورك تايمز"، إن إيران قد تحاول تقليد جماعة الحوثي، حليفتها في اليمن؛ ففي عام 2025، أربك "أنصار الله" حملة عسكرية أمريكية كانت تهدف إلى وقف هجماتهم على الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
وواصلت الجماعة مهاجمة الطائرات المسيّرة الأمريكية والسفن الدولية، بما في ذلك حاملة طائرات أمريكية، وقد كلفت المواجهة التي استمرت 31 يوماً واشنطن أكثر من مليار دولار، وفي النهاية فضّل ترامب التوصل إلى اتفاق بدل المخاطرة بانخراط عسكري طويل الأمد.
أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الأمن بجامعة شيكاغو، روبرت باب، قال إن على الرئيس ترامب أن يوضح ما يدور في ذهنه حقاً، حيث إن تغيير النظام في إيران مهمة أصعب بكثير من حروبها الأبدية، فهي ضعف مساحة العراق وأفغانستان مجتمعتين، ويبلغ عدد سكانها 92 مليون نسمة، أي أكثر من ضعف عدد سكان كاليفورنيا.
منظومات دفاعية ومنصات صواريخ بحسب عدد من الخبراء نقل عنهم موقع "بوليتيكو"، في شباط/فبراير 2026، فإن التحييد الفوري لأنظمة الدفاع الجوي وشلّ القدرات الصاروخية الإيرانية يمثلان العامل الأهم في نجاح أي ضربة مؤثرة تمنع إيران من الدفاع عن نفسها.
ووفقا لموقع "
تايمز أوف إسرائيل"، فإن طهران وقعت صفقة سرية بقيمة 589 مليون دولار مع روسيا في كانون الأول/ديسمبر الماضي للحصول على 500 منصة إطلاق صواريخ سطح-جو من الجيل الرابع من طراز فيربا.
ويتم تشغيل هذا النظام من قبل فرق صغيرة من القوات البرية، مما سيمكن إيران من نشر الدفاعات الجوية وتقديم هدف أكثر مراوغة، ورغم أنه من المقرر تسليم الأنظمة بين عامي 2027 و2029، لكن أحد المصادر أخبر الموقع أن بعضها قد تم تسليمه مبكراً.
كذلك، يشير موقع "ميليتري واتش" الأمريكي، في شباط/فبراير 2026، إلى أن إيران نشرت منظومة دفاع جوي "أس-300" قرب العاصمة طهران، وفي أصفهان، وهو ما يشكل حماية لمنظومات الدفاع الجوي الإيراني.
صواريخ إيران الباليستية
قدر موقع "إيران واتش" القريب من دوائر الاستخبارات في واشنطن، في تقريرٍ له في كانون الثاني/يناير 2026، أن إيران لديها 3 الاف صاروخ باليستي، يرى البعض أنها أقرب إلى 1500-2000، بالإضافة إلى مخزون متزايد من صواريخ كروز والصواريخ الفرط صوتية.
أما بالنسبة لمدى انتشارها جغرافياً. يقدر موقع "JINSA" التابع لـ"إسرائيل" في الولايات المتحدة، في تقريرٍ له في شباط/فبراير 2026، أن صواريخ إيران ومسيراتها تنتشر عبر الجغرافيا الإيرانية في "مدنٍ صاروخية" عميقاً تحت الأرض، الأمر الذي يصعّب استهدافها.
وهي تحصينات سلطت الضوء عليها وكالة "
بلومبرغ" وكيف أن أي عملية عسكرية أمريكية ستواجه عدة تحديات، أبرزها الطبيعة الجغرافية وتضاريس إيران الشاسعة والجبلية، مع توزيع طهران لبنيتها التحتية الصاروخية في مناطق عدة، ما يتطلب قوة نارية وجوية أكبر لتعطيلها.
سوف تعتمد أي ضربة على إيران، في العقيدة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، على اليوم أو الأيام الأولى، التي قد تشن فيها موجات أولية سريعة وعارمة وساحقة من الجو والبحر، بحسب تقرير لـ"معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" من أجل شل فعالية أي أنظمة متنقلة قبل أن يجري تحريكها أو إخفاؤها.
وبالتالي، إذا ما تمكنت إيران من استيعاب تلك الموجة، مع الحفاظ على أصول عسكرية كافية لمواصلة القتال بفعالية من بعدها، فإن جدوى الحملة العسكرية قد تتحول إلى موضع شكٍ وتساؤل في أمريكا، وهو ما سيضر بترامب في عام انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، بحسب "نيويورك تايمز".