هل تعيد أزمة الخرائط البحرية رسم العلاقة بين العراق والكويت؟

تقع منطقة "خور عبدالله" المائية شمال الخليج العربي- جيتي
تفجر جدل دبلوماسي بين الكويت والعراق، بعد إيداع الأخير خرائط حدوده البحرية لدى الأمم المتحدة، الأمر الذي أثار تساؤلات ملحة عن مدى انعكاس ذلك على العلاقة بين البلدين الجارين، خصوصا بعد احتجاج كويتي ضد هذه الخطوة العراقية.

وأعلنت الكويت احتجاجها رسميا على هذه الخطوة باستدعاء القائم بالأعمال العراقي لديها، معتبرة أن الإحداثيات والخريطة العراقية تمس بسيادتها على مناطق بحرية ثابتة ومستقرة لم تكن محل خلاف، داعية بغداد إلى احترام التفاهمات والاتفاقيات الثنائية.

وفي المقابل، أكد العراق أن إيداع الخرائط البحرية استند إلى قرارات وقوانين وطنية واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، معتبرا تحديد المجالات البحرية شأنا سياديا.

"خطوات صعبة"

تعليقا على ذلك، قال خبير اقتصاد النقل الدولي زياد الهاشمي إن "إيداع العراق للخرائط المتعلقة بترسيم المنطقة البحرية وامتداداتها التي تشمل المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلد، يعتبر إجراء طبيعيا تقوم به الدول حسب قانون البحار لعام 1982، الذي يتيح المجال للدول المتشاطئة الترسيم ضمن ضوابط مشددة".

وأضاف الهاشمي لـ"عربي21" أن "الكويت سبقت العراق منذ عام 2014 وقامت بإيداع الخرائط المتعلقة بالمنطقة الاقتصادية والجرف القاري الكويتي وفي حينها لم يحدث أي اعتراض عراقي أو من دولة أخرى".

وأشار إلى أن "العراق اليوم بعد تأخر 12 عاما عن الكويت قدم خرائطه حسب قانون البحار في مكتب الاتفاقية في الأمم المتحدة في نيويورك، وعلى هذا الأساس أعلنت الأخيرة تسلم الخرائط".
ورأى الخبير العراقي أن "هذه الخطوة ليست مرحلة نهائية، وإنما هي خطوة إجرائية أولية اتخذها العراق ليست فيها ضمانات أو تمتع تلقائي بهذه المناطق كما لدى دول أخرى تملك بشكل رسمي مناطق اقتصادية وجرف قاري مصادق عليه من الأمم المتحدة".

وتوقع الهاشمي أن "تفتح هذه الخطوة الباب أمام خطوات لاحقة قد تكون صعبة على دول المنطقة لاسيما الكويت وإيران وحتى السعودية، وهذا قد يتطلب الدخول في مفاوضات بين  البلدين، لأن قانون أعالي البحار يشجع الدول على فتح باب التفاوض بجو ودي وبطريقة مهنية، خصوصا أن هناك تداخل واضح بين الخرائط العراقية والمديات التي قدمتها الكويت في خرائطها".

وأكد الهاشمي أن "استدعاء القائم بالأعمال العراقي في الكويت جاء لأن الأخيرة كانت تعتبر أن كل الأمور مستتبة في هذا الجانب، بالتالي كانت خطوة العراق مفاجئة لها"، لافتا إلى أن "الكويت تحاول اليوم عمل حملة علاقات عامة للضغط على العراق في هذا الملف".

واستبعد الخبير العراقي أن "تترك هذه الخطوة أثرا دبلوماسيا أو سياسيا، لأنه العراق أودع الخرائط بشكل رسمي وانتهى الموضوع، وأن الكرة حاليا في ملعب الحكومة الكويتية لفتح المجال للتفاوض مع الجانب العراقي حول مستقبل المناطق التي حصل فيها التداخل سواء الاقتصادية منها أو الجرف القاري".

وتوقع أن "تشكل هذه الخطوة مرحلة تفاوضية جديدة تتجاوز خور عبد الله إلى منطقة ما بعد الدعامة 162 التي تركها قرار مجلس الأمن رقم 833 لعام 1993 دون ترسيم وأبقى مسألة التفاوض البيني قائما بين العراق والكويت لوضع الخرائط".

وتابع: "العراق- حسب بعض المسؤولين- له حقوق في حقول مثل حقل الدرة الغازي وغيرها، بالتالي أصبحت هذه منطقة نزاع بين العراق والكويت وحتى الشركات التي قدمت سابقا عروض للجانب الكويتي للاستثمار في الغاز، قد تتردد اليوم بسبب أن المنطقة متنازع عليها".

وشدد الهاشمي على أنه إذا لم تصل الأمور إلى اتفاق حل بين الكويت والعراق بعد المفاوضات، فإنه سيصار إلى اللجوء للتحكيم الدولي، وإذا أصدرت محكمة هامبورغ قرارا فإنها ستكون ملزمة للجميع، سواء كانت إيجابية أو سلبية للطرفين".

وخلص الخبير العراقي إلى أن "هناك أشواطا عديدة قادمة شاقة وصعبة وربما معقدة، لكن بكل الأحوال يجب أن تدار بمهنية واحترافية بعيدا عن الخطابات والتصعيد الإعلامي والشعبي الذي يضر بالعلاقة التاريخية بين العراق والكويت".

استعادة الحقوق

وفي السياق ذاته، قال المحلل السياسي العراقي، غانم العابد لـ"عربي21" إن "العراق ذاهب باتجاه تثبيت حدوده البحرية التي كانت مؤجلة بسبب الفشل السياسي، بالتالي اليوم هو يمارس حقه الطبيعي في إيداع الخرائط لدى الأمم المتحدة، بعد كل الجهود التي بذلتها اللجان العراقية المعنية".
وأعرب العابد عن استغرابه من ردة فعل الجانب الكويتي، لأنه إذا كانت الخطوة العراقية- كما يقولون- ليست ذات جدوى ولن تغير شيئا على أرض الواقع، فلماذا كل هذه البيانات شديدة اللهجة ومساندة دول الخليج ومصر والأردن وكلها ذهبت باتجاه العراق؟

وعن التداعيات السياسية، قال العابد إنها "زوبعة في فنجان، لأنه سبق أن حدثت خلافات بين السعودية والإمارات وقامت الأخيرة بالفعل ذاته الذي أقدم عليه العراق، وأيضا صدرت بيانات شديدة اللهجة لكن بقيت الأوضاع كما هي، لذلك لن يتعدى الموضوع البيانات وردات الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي".

ووصف العابد القرارات الدولية التي صدرت بعد غزو العراق للكويت عام 1991، بأنها كانت "ظالمة" للجانب العراقي وأتت على حساب العراقيين، بالتالي هناك حقوق يجب أن تتم مراجعتها، لأن البعض يسعى إلى عدم امتلاك العراق أي منفذ بحري، وبالتالي فإن استعادة الحقوق يعتمد على الدبلوماسية العراقية ومدى نجاحها.

واستبعد الخبير العراقي أن "تزعزع هذه القضية الثقة السياسية بين البلدين، لأننا نتحدث عن دول وهي دائما ما تكون طاولة المفاوضات هي الحكم والفيصل فيما بينها، إضافة إلى قرارات الأمم المتحدة".
وشدد العابد على أن "هذه القضايا تتولاها الدول وأعتقد أن المفاوضات هي من تحسم القضايا بين الطرفين، ولا أعتقد أن طرفا سيتنازل عن حقوقه للطرف الآخر، لذلك نتمنى ألا يتسع الخلاف بالشكل الذي يؤثر على الشعبين العربيين خصوصا في ظل الإساءة المتبادلة على مواقع التواصل".

وعلى الصعيد ذاته، رأى الرئيس السابق للجنة ترسيم الحدود العراقية، جمال الحلبوسي، أن استدعاء السفير العراقي، "يندرج ضمن أدوات الضغط الدبلوماسي المتعارف عليها بين الدول"، لافتا إلى أن "مثل هذه الإجراءات شهدتها حتى دول مجلس التعاون في ما بينها".

ودعا الحلبوسي إلى "اتخاذ موقف مماثل عبر استدعاء السفير الكويتي وإبلاغه رسميا بأن ما جرى يُعد تجاوزا"، مؤكدا أن "العراق يتحرك ضمن أطر قانونية وفنية واضحة لحماية حقوقه البحرية"، حسبما نقلت صحيفة "العالم العراقية" الأحد.

وفي 4 أيلول/ سبتمبر 2023 قضت المحكمة الاتحادية العراقية بعدم دستورية قانون تصديق البرلمان العراقي لاتفاقية تنظيم الملاحة البحرية بين العراق والكويت في منطقة "خور عبد الله"، وذلك لعدم توفر أغلبية الثلثين في الجلسة التي تعدّ شرطا أساسيا لإضفاء الشرعية.

وتقع منطقة "خور عبدالله" المائية شمال الخليج العربي، بين جزيرة بوبيان الكويتية، وشبه جزيرة الفاو العراقية، ويمتد إلى داخل الأراضي العراقية، مشكلا خور الزبير الذي يقع فيه ميناء أم قصر العراقي.

وتقضي الاتفاقية بتقسيم مياه "خور عبدالله" مناصفة بين البلدين، انطلاقا من قرار مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة رقم 833 الصادر عام 1993، الذي أعاد ترسيم الحدود في أعقاب الغزو العراقي للكويت.