أثار قرار رئيس النزام
المصري عبدالفتاح
السيسي، الذي صدر ظهر أمس الأربعاء، بترقية مدير الأكاديمية العسكرية المصرية الفريق أشرف سالم زاهر، إلى رتبة فريق أول وتعيينه وزيراً للدفاع والإنتاج الحربي بدلاً من الفريق أول
عبدالمجيد صقر، تساؤلات وتكهنات واسعة حول وجود مخالفات دستورية وقانونية.
وكان تغيير وزير الدفاع، الحدث الأبرز في التشكيل الحكومي الجديد؛ فالرجل الذي استُدعي من التقاعد وتُرك منصبه المدني (محافظ السويس) ليتولى منصب القائد العام للقوات المسلحة في 3 تموز/ يوليو 2014، غادر منصبه بعد عام وسبعة أشهر فقط، مسجلاً بذلك أقصر فترة خدمة بين وزراء دفاع مصر في عهد السيسي، وكذلك بين وزراء الحربية والدفاع منذ عام 1952.
وخلال عرض رئيس الوزراء مصطفى مدبولي التعديل الوزاري الجديد، الذي شمل 13 حقيبة من أصل 32 وزارة على مجلس النواب بجلسة طارئة عصر الثلاثاء الماضي، تم تأكيد بقاء صقر على رأس المؤسسة العسكرية.
لكن السيسي، ومن قصر الرئاسة بالعاصمة الجديدة، فاجأ الجميع ظهر الأربعاء بظهور الفريق أشرف سالم، رجله المقرب بالأكاديمية العسكرية صاحبة الأدوار المتصاعدة بقوة في البلاد، وهو يؤدي اليمين الدستورية بدلًا من صقر، ليكون وزير الدفاع الرابع للسيسي خلال 12 عامًا.
مفارقة كتاب الرئاسة
وتتضح برصد للبيانات الرسمية الصادرة عن البرلمان، والمتحدث باسم رئاسة الجمهورية والمتحدث العسكري يومي الثلاثاء والأربعاء، مفارقة استمرار الفريق صقر في منصبه، سواء في التعديل الوزاري الأولي أو بعد تغييره لاحقًا، الأمر الذي يعتبره مراقبون مناورة من رأس النظام تحمل أبعادًا ودلالات خاصة.
وأعلن رئيس مجلس النواب، هشام بدوي، في حوالي الساعة الرابعة والنصف من عصر يوم الثلاثاء، أسماء الوزارات التي سيُجرى التعديل فيها، والتي وصلته عبر كتاب رسمي من رئاسة الجمهورية لعرضها على النواب للتصويت عليها بموجب المادة (147) من الدستور.
إلا أن هذا الإعلان خلا من أي تغيير يخصّ حقيبة الدفاع، ولم يأتِ على ذكر اسم الفريق أشرف زاهر ضمن المعينين الجدد، بل أكد الإعلان بقاء 19 وزيرًا، من بينهم صقر.
في
صباح الأربعاء، وتحديداً في الساعة التاسعة، تأكد أن صقر يواصل مهام عمله، حيث أعلن المتحدث العسكري أن رئيس الصومال، حسن شيخ، ووزير الدفاع، عبدالمجيد صقر، شهدا اصطفاف القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي إلى مقديشيو.
لكن التطور
الجديد جاء في الساعة 12:40 ظهر يوم الأربعاء، عندما أعلن المتحدث العسكري، في سياق التعديل الوزاري، أن السيسي استقبل صباح الأربعاء الفريق أول صقر والفريق زاهر. بعد ذلك، ظهر زاهر وهو يؤدي القسم أمام السيسي بصفته وزيرًا للدفاع.
سيناريو زكي وعسكر.. نسخة مُعادَة
يشبه هذا السيناريو التعديل الوزاري الذي حدث قبل الأخير في 3 تموز/ يوليو 2024، حيث تم الإعلان عن التشكيل الوزاري مع إبقاء الفريق أول محمد زكي وزيرًا للدفاع، ثم فاجأ السيسي الجميع بتعيين العسكري المتقاعد عبدالمجيد صقر، وترقيته ترقية مزدوجة من لواء إلى فريق أول، وذلك قبل وقت قصير من أدائه اليمين الدستورية.
وهو الإجراء ذاته الذي اتُخذ بإقالة رئيس أركان الجيش السابق الفريق أسامة عسكر وتعيين الفريق أحمد خليفة بدلًا منه، وهو ما اعتبره المعارضون في ذلك الوقت
إطاحة بأحد أقوى شركاء السيسي في الانقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي في 3 تموز/ يوليو 2013.
استكمالًا للتغييرات التي يجريها
الجيش المصري، أُعلن يوم الأربعاء عن قرار جمهوري بترقية قائدي القوات البحرية والجوية، اللواء محمود عادل فوزي واللواء عمرو عبدالرحمن صقر، إلى رتبة الفريق.
في سياق متصل، تساءل مراقبون عن دلالات القرارات الأخيرة للسيسي، خاصة فيما يتعلق بوزير الدفاع؛ فقد أُعلِن الثلاثاء عن بقائه بعد مناورة، ثم تمت إقالته الأربعاء بموافقة البرلمان، وتعيين رئيس الأكاديمية العسكرية في المنصب العسكري الذي شغله السيسي (بين 2012 و2014) والذي قاد منه الانقلاب الذي أوصله إلى سدة الحكم في مصر.
القلعة السوداء
ويرى الخبير العسكري والعميد المتقاعد بالجيش المصري عادل الشريف، في تحليله للمشهد، أن السيسي يسعى لجعل الجيش "قلعة سوداء لا يستطيع أحد الاقتراب من معلوماتها أو ميزانيتها".
وأضاف لـ"
عربي21" واصفا السيسي "هو وحده من يفتح البوابة، ويحدد في اللحظة الأخيرة من هو الشخص الذي سيجلس رسميًا في مكتب الإدارة الشاغر دون امتلاك صلاحيات كاملة".
ويعتقد الشريف أن "صقر كان خارج الحسابات والخطط المعدة مسبقًا، وتم اختياره بشكل عشوائي لمجرد أنه كان مستعدًا لأداء القسم كوزير للحكم المحلي بعد أن شغل منصب محافظ السويس، ثم فوجئ السيسي برغبة محمد زكي في الحصول على منصب آخر بديلاً عن المنصب الحالي، فاستجاب له بسرعة".
وحول اختيار السيسي لـ"أشرف سالم"، الذي يعمل بالأكاديمية العسكرية التي تضطلع بأدوار في تشكيل وعي موظفي الدولة وقياداتها عبر التدريب العسكري الإلزامي للمعينين الجدد، أكد الشريف أن "أشرف سالم مُخطط ومناسب تمامًا"، متوقعًا استمراره "لبعض الوقت".
وفي نهاية حديثه، استدرك قائلاً: "هذا إن بقي السيسي أصلاً لبعض الوقت"، مُلَمِّحًا إلى تزايد الغضب الشعبي والمطالبات التي يقودها "جيل زد" بإقالته.
وجرى تعيين اللواء أشرف زاهر مديرًا للكلية الحربية شرق القاهرة عام 2020، وتولي رئاسة مكتب تنسيق القبول للكليات والمعاهد العسكرية، كان بمثابة فرصة للصعود بقوة لاحقًا مع تدشين الأكاديمية العسكرية المصرية عام 2022 في مقر وزارة الدفاع الجديد "الأوكتاغون" بالعاصمة الإدارية الجديدة.
زاهر، البالغ من العمر 52 عامًا (من مواليد القاهرة في تشرين الأول/أكتوبر 1974، وذو أصول من (محافظة سوهاج)، تخرج في كلية الدفاع الجوي (الدفعة 17).
وقد عينه الرئيس السيسي مديرًا للأكاديمية العسكرية التي تدمج الكليات الحربية، والبحرية، والجوية، والدفاع الجوي. وقد تعاظمت أدوار هذه الأكاديمية مؤخرًا، وظلت منبرًا للرئيس للتواصل مع الجيش والشعب، قبل أن يصدر قرار بترقيته إلى رتبة فريق في 19 كانون الثاني/يناير 2023.
بطلان دستوريان لتغيير وزير الدفاع
يرى بعض المراقبين، ومنهم الباحث في الشؤون القانونية عباس قباري، أن تعيين وزير الدفاع الجديد باطل دستوريًا لأنه لم يُعرض على البرلمان. وأشار قباري إلى مخالفة المادة 147 من الدستور، التي تنص على أن رئيس الجمهورية يُجري التعديل الوزاري بعد مشاورة رئيس الوزراء وموافقة مجلس النواب، موضحًا أن المجلس أقر التشكيل الجديد دون أن يُطرح عليه تغيير وزير الدفاع.
ويشير آخرون إلى مخالفة المادة 234 من الدستور، التي تشترط تعيين وزير الدفاع بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي لم يُعقد منذ أربعة أشهر، حيث كان آخر اجتماع له في 5 تشرين الأول/أكتوبر الماضي بمناسبة الذكرى الـ53 لنصر عام 1973.
كما رصد محللون مخالفة ثالثة لنص المادة (129) من لائحة مجلس النواب، حيث خلا خطاب تكليف مدبولي، الذي أرسله السيسي للبرلمان ويضم الأسماء الجديدة للتشكيل الوزاري، من اسم وزير الدفاع الجديد أشرف زاهر.
4 وزراء في 12 عاما
شهدت الفترة التي تلت تولي الرئيس السيسي للحكم، تعيينه 4 وزراء للدفاع خلال 12 عامًا فقط. فقد خلف السيسي المشير حسين طنطاوي في هذا المنصب (من 12 آب/أغسطس 2012 إلى 26 آذار/مارس 2014).
ثم عين أربعة وزراء هم: صدقي صبحي (27 آذار/مارس 2014 - 14 حزيران/يونيو 2018)، ومحمد زكي (14 حزيران/يونيو 2018 - 3 تموز/يوليو 2024)، وعبدالمجيد صقر (3 تموز/يوليو 2024 - 11 شباط/فبراير 2026)، وأخيرًا أشرف زاهر، الذي تولى المنصب أمس.
على النقيض، ورغم أن فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك امتدت لـ 30 عامًا (1981 - 2011)، إلا أنه عين 3 وزراء دفاع فقط خلالها، وهم: المشير عبدالحليم أبوغزالة (4 آذار/مارس 1981 - نيسان/أبريل 1989)، والفريق يوسف صبري أبوطالب (15 نيسان/أبريل 1989 - 20 مايو 1991)، والمشير حسين طنطاوي (20 أيار/مايو 1991 - 12 آب/أغسطس 2012).
وعين أنور السادات (1970- 1981)، 5 وزراء، هم: المشير أحمد إسماعيل (1972– 1974)، والمشير عبد الغني الجمسي (1974– 1978)، والفريق أول كمال حسن علي (1978– 1980)، والفريق أول أحمد بدوي (1980– 1981)، ليخلفه المشير عبدالحليم أبوغزالة.
وشهد عهد جمال عبد الناصر (24 تموز/ يونيو 1956- 28 أيلول/سبتمبر 1970)، تولي 5 وزراء لمنصب وزير الحربية هم: عبداللطيف البغدادي (1953– 1954)، وعبدالحكيم عامر (1954– 1967)، وأمين هويدي (1967– 1968)، والفريق أول محمد فوزي (1968– 1971)، والفريق أول محمد صادق (1971- 1972).
دلالات التوقيت
وعبر مواقع التواصل الاجتماعي تساءل الإعلامي هيثم أبوخليل عن "الرسالة من تعيين وزير دفاع أكاديمي صرف في هذا التوقيت الهام والخطير؟"، في إشارة إلى ما يشهده إقليم الشرق الأوسط من أزمات وتداعيات خطيرة تمس الأمن القومي.
ومن الملفات الملتهبة: أزمة المياه مع إثيوبيا، وتداعيات حرب غزة، والصراع على السلطة في السودان وليبيا، والاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال، والتأزم الحاصل بين السعودية والإمارات في اليمن، والذي انحازت فيه القاهرة للرياض وفق تسريبات غربية.
سبق تغيير وزير الدفاع بشخصية ذات ثقل وحضور أكبر داخل المؤسسة العسكرية، لقاءات عقدها السيسي، شملت رئيس الإمارات محمد بن زايد في أبوظبي، واستقبال السيسي لرئيس الصومال حسن شيخ الأحد الماضي، بالإضافة إلى زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التاريخية التي سبقت ذلك في 4 شباط/فبراير الجاري، وذلك ضمن تنسيق مع أنقرة بشأن ملفات السودان وليبيا والصومال.
وفي تحركٍ متناقض مع الموقف المصري المتطور مؤخرًا، كشفت وكالة "رويترز" يوم الاثنين الماضي عن تدريب 4300 عنصر من مليشيا الدعم السريع في إثيوبيا بدعم إماراتي.
ويأتي هذا في ظل
تقارير غربية أشارت إلى انطلاق مسيّرات تركية من قاعدة عسكرية مصرية في "شرق العوينات" لدعم جيش السودان، مما أثار مخاوف
سياسيين مصريين ودفعهم للتساؤل: هل ستقصف مصر معسكرات الدعم السريع في إثيوبيا؟.
على طريقة مبارك
أشار الباحث في الشؤون العسكرية، محمود جمال، إلى تشابه في السياق السياسي بين تعيين عبدالمجيد صقر ثم إقالته، وبين تجربة وزير الدفاع الأسبق يوسف صبري أبوطالب في عهد حسني مبارك.
وعبر منصة "إكس"، أكد جمال أن تعيين صقر جاء في أعقاب فترة تولي وزير الدفاع محمد زكي -قائد الحرس الجمهوري في عهد الرئيس مرسي وأحد أطراف أحداث يوليو 2013- المنصب، حيث بقي زكي وزيرًا للدفاع لمدة ست سنوات وشكّل مركز قوة داخل دائرة الحكم.
وأوضح أن اختيار شخصية أقل رسوخًا لتخلف زكي كان منطقيًا من منظور إدارة السلطة، حيث لم يكن من الملائم أن يخلفه اسم ثقيل ومتمرس يتمتع بامتيازات راسخة داخل البنية الصلبة للمؤسسة العسكرية. كان المطلوب شخصية يتم تصعيدها حديثًا بحيث يكون ولاؤها الوظيفي والسياسي مرتبطًا مباشرة برأس السلطة، وهو ما تحقق باختيار صقر كخيار انتقالي.
وألمح إلى أن حسني مبارك، بعد إزاحة المشير عبدالحليم أبوغزالة، لجأ إلى صيغة انتقالية عبر يوسف صبري أبوطالب (المحافظ السابق)، قبل أن يدفع بمحمد حسين طنطاوي كشخصية أكثر رسوخًا بعد أن اطمأن إلى استقرار المؤسسة العسكرية عقب خروج أبوغزالة، الرجل القوي في الجيش. ووضح أن إبعاد صقر جاء على هذا القياس بعد فترة قصيرة، ليحل محله أشرف زاهر.
وخلص إلى أن السيسي يتبنّى سياسة التدوير المتسارع لقيادات المؤسسة العسكرية، وذلك بهدف تفادي تشكّل مراكز قوى مستقلة داخل الجيش قد تشكّل تهديدًا له مستقبلًا. وألمح إلى اعتماده تعديلات في تموز/يونيو 2021، قلّصت مدة بقاء قادة الأفرع الرئيسية من أربع سنوات إلى عامين فقط.