نشرت صحيفة "وول
ستريت جورنال"
تقريرا للصحفيين ماكس كولشيستر وديفيد لونو عن تأثيرات قضية رجل الأعمال الأمريكي المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين على مستقبل رئيس الحكومة البريطانية كير
ستارمر.
وذكر التقرير، أن كير
ستارمر دخل داونينغ ستريت عام 2024
بأغلبية ساحقة وتفويض لإعادة الهدوء إلى الحياة السياسية البريطانية بعد سنوات من
الأزمات والتحولات السياسية الحادة.
وبعد 19 شهرا فقط،
أصبح ستارمر من بين أقل الزعماء شعبية في
بريطانيا في العصر الحديث، ويكاد يفقد
سلطته.
ويقول معظم المحللين إن رحيله مسألة وقت لا أكثر وسيضع ذلك بريطانيا على
طريق تغيير زعيمها للمرة الخامسة في سبع سنوات، وهو احتمال مُقلق للشركات
والمستثمرين.
وبرأي الصحيفة، فإن الأزمة الحالية تتمثل في ملفات إبستين والكشف عن أن بيتر ماندلسون، الذي اختاره ستارمر سفيرا لبريطانيا
في واشنطن، كان متورطا بشكل أعمق بكثير مع المدان بالاعتداء الجنسي مما كان معروفا
سابقا.
واعتذر ستارمر عن تعيينه أحد كبار الشخصيات في حزب
العمال، واستقال ماندلسون
من مجلس اللوردات - الغرفة العليا في البرلمان البريطاني - وسط تحقيق تجريه الشرطة
حول ما إذا كان قد شارك معلومات حساسة تتعلق بالسوق مع الممول. ولم يرد ماندلسون
على طلبات التعليق.
وأشارت الصحيفة، إلى أن الفضيحة الآن تتخذ منحى آخر، حيث يهدد نواب حزب العمال الساخطون باستغلالها لإزاحة ستارمر غير
الشعبي.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، ضحى رئيس الوزراء برئيس ديوانه، مورغان
ماكسويني، وهو أحد المقربين القدامى لماندلسون، والذي تحمل مسؤولية نصحه ستارمر
بتعيين وزير حزب العمال السابق.
ويوم الاثنين، استقال
رئيس قسم الاتصالات في داونينغ ستريت، مما زاد من حدة التوتر وكان رابع شخص يشغل
هذا المنصب خلال العام الماضي. وبعد ساعات، دعا رئيس حزب العمال الاسكتلندي، أنس
ساروار، ستارمر إلى الاستقالة، قائلا: "يجب وضع حد لهذا التشتيت".
وتلقى ستارمر دفعة
قوية بعد أن أعلن عدد من أعضاء حكومته دعمهم له، ونفى متحدث باسم الحكومة نيته
الاستقالة، قائلا إنه "يركز على المهمة الموكلة إليه".
ويوم الاثنين،
تمسك ستارمر بموقفه، قائلا لموظفي داونينج ستريت "امضوا بثقة بينما نواصل
تغيير البلاد"، مُعددا نجاحات مثل تقليص قوائم الانتظار لمواعيد المستشفيات،
وفقا لما صرح به مسؤول حضر الاجتماع للصحفيين.
واجتمع ستارمر مع
مجموعة كبيرة من نواب حزب العمال في وقت لاحق من مساء الاثنين في البرلمان، حيث
أطلق نداء حماسيا ووعدا بأنه سيأخذ آراءهم بعين الاعتبار. وقال للمجموعة:
"نحن معا في هذا".
وأوضحت الصحيفة، أن وراء هذا
التمرد تكمن حقيقة بسيطة: تراجعت شعبية ستارمر بشكل حاد، ويتزايد قلق نوابه بشأن
مستقبلهم الوظيفي، على الرغم من أن الانتخابات لن تُجرى حتى عام 2029.
وأظهر
استطلاع رأي أجرته مؤسسة إيبسوس مؤخرا أن 20% من البريطانيين يُحبون ستارمر، بينما
يكرهه 70%. يحتل حزب العمال الآن المركز الثالث خلف حزب الإصلاح البريطاني الشعبوي
المناهض للهجرة وحزب المحافظين، وفقا لمعظم استطلاعات الرأي".
بدوره يقول روب فورد، عالم
السياسة بجامعة مانشستر: "بإمكانه الاستمرار بصعوبة، لكن من الصعب التكهن
بكيفية صموده حتى نهاية العام".
وأشارت إلى أن هذا العامل يعد الأهم
الذي يُنقذ ستارمر هو عدم وجود مرشح بارز لخلافته، فضلا عن أن عملية إزاحته طويلة
ومعقدة.
وتحظى نائبة رئيس الوزراء السابقة، أنجيلا راينر، بشعبية بين أعضاء حزب
العمال، لكنها تخضع حاليا لتحقيق من قبل سلطات الضرائب بعد اعترافها بالتهرب
الضريبي على عقار اشترته. يُنظر إلى ويس ستريتينغ، وزير الصحة، كنجم صاعد في
اليسار، لكن تربطه أيضا علاقات بماندلسون.
ولم يسبق أن أُطيح
بزعيم حزب العمال الحاكم أثناء توليه منصبه.
من جانبه يقول جيمس ليونز، الذي شغل منصب مدير
الاتصالات لستارمر حتى وقت قريب: "هناك دائما مخرج لرئيس الوزراء، لكن طريق
البقاء أصبح أضيق وأكثر صعوبة".
ومن المرجح وفقا للتقرير، أن يزداد
الضغط. هناك انتخابات فرعية لشغل مقعد برلماني شاغر في أواخر شباط/ فبراير،
وانتخابات محلية في أيار/ مايو.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن حزب "إصلاح
المملكة المتحدة" من المتوقع أن يحقق أداء جيدا في معاقل حزب العمال
التقليدية، مما قد يعزز الزخم للإطاحة بستارمر.
وعلاوة على ذلك، صوّت
المشرّعون الأسبوع الماضي على نشر جميع المراسلات بين ماندلسون وداونينغ ستريت
بشأن تعيينه سفيرا، الأمر الذي قد يكشف عن تفاصيل محرجة أخرى تتصدر عناوين الأخبار.
وبرأي الصحيفة، فإن من شأن تمرد حزب
العمال ضد ستارمر أن يطيل أمد حالة عدم اليقين التي عانت منها المملكة المتحدة على
مدى العقد الماضي، بما في ذلك انفصال بريطانيا المطوّل عن الاتحاد الأوروبي، وفوضى
الجائحة، وتغيير القادة بشكل متكرر، بما في ذلك فترة تولي ليز تراس المحافظة
منصبها لمدة 49 يوما فقط، والتي تسببت في انهيار قيمة الجنيه الإسترليني بإعلانها
عن تخفيضات ضريبية غير ممولة. وقد أضرّ عدم اليقين باستثمارات الشركات وأضعف
الاقتصاد.
وتشير أكثر المعلومات
ضررا التي كُشفت حتى الآن من المراسلات في ملفات إبستين إلى أن ماندلسون، بصفته
وزيرا في الحكومة، أرسل رسائل بريد إلكتروني إلى إبستين تتضمن معلومات حساسة تتعلق
بسياسات الحكومة، والتي كان من الممكن أن تسمح له بالاستفادة من هذه المعلومات.
ولم يُعلّق ماندلسون على هذه الرسائل.
وقال جون كورتيس،
أستاذ العلوم السياسية في جامعة ستراثكلايد على ذلك إن "هذه فضيحة كبرى.
قد يختلف الناس حول ما إذا كان ينبغي الاستمرار في أي نوع من العلاقات مع شخص مسجون،
لكن الجميع متفقون على أنه لا يجوز لوزير في الحكومة تقديم معلومات مالية سرية.
يفتقر ستارمر إلى رأس المال السياسي، ما يجعل الوضع أشبه بعاصفة كاملة".
وأكدت الصحيفة أن استبدال ستارمر سيؤدي إلى زيادة الضغط لإجراء انتخابات عامة مبكرة، وهو أمر سيتخوف منه العديد من نواب
حزب العمال نظرا لتراجعهم في استطلاعات الرأي.
وهناك إدراك لدى الكثيرين في حزب
العمال بأن الضجيج والاضطراب يضرّان بالاقتصاد البريطاني ومكانته، بحسب ما قال
توني ترافيرز، الخبير السياسي في كلية لندن للاقتصاد.
ويُعتبر ستارمر،
البالغ من العمر 63 عاما، حديث العهد نسبيا بالسياسة البريطانية، إذ لم يدخل مجلس
العموم إلا في عام 2015. وهو ليس معروفا بخطاباته الحماسية أو عباراته الرنانة، بل
يُفضّل المدعي العام السابق التحدث بجمل طويلة وجادة عن العدالة والواجب.
وكان رهان ستارمر أن
البراغماتية الجافة ستوفر متنفسا، مما يعزز ثقة المستثمرين ويمنح الناخبين استراحة
من الأخبار اليومية عن الفوضى السياسية. ويقول حلفاؤه السياسيون إن نهجه العملي
البسيط يُظهر بوادر نجاح، مع انخفاض أسعار الفائدة وتراجع التضخم. وتشير عدة
مؤشرات بريطانية إلى ارتفاع ثقة قطاع الأعمال.
وأشارت إلى أن فترة حكمه
شابتها، بحسب النقاد، التردد وسوء الحظ، فضلا عن دخوله داونينغ ستريت دون خطة
واضحة لانتشال الاقتصاد البريطاني من ركوده. فبعد أسابيع من توليه منصبه، أقال
رئيس ديوانه الأول. وبعد ثلاثة أشهر، حاول تحسين شعبيته المتراجعة في استطلاعات
الرأي باستراتيجية بعنوان "خطة التغيير - معالم لحكومة ذات رؤية".
وعلى الصعيد الدولي،
نجح ستارمر في كسب ودّ الرئيس ترامب والقادة الأوروبيين، وهو إنجاز دبلوماسي بارز.
وقد أكسبته رحلاته الخارجية المتكررة لقب "كير الذي لا يتواجد هنا أبدا"
في الصحافة البريطانية.
وفي غضون ذلك، امتلأت
أجندته الداخلية بالتراجعات: فقد أُلغي وعده بعدم زيادة الضرائب، وتُرك تعهده بخفض
الإنفاق على الرعاية الاجتماعية وسط تمرد من حزبه، كما خُففت خطة إعادة هيكلة
الدولة البريطانية، بما في ذلك إصدار بطاقات الهوية الرقمية. وقد ساهم في خفض
مستويات الهجرة القانونية إلى مستويات قياسية، لكنه واجه صعوبة في الحد من تزايد
أعداد طالبي اللجوء الذين يعبرون القناة الإنجليزية في قوارب صغيرة، وهي ظاهرة
دعمت حزب الإصلاح في المملكة المتحدة.
وقارن فورد، عالم
السياسة، وضع ستارمر بوضع رئيس الوزراء المحافظ السابق بوريس جونسون في أوائل عام
2022، عندما جعلته سلسلة من الفضائح عرضة للخطر. وتسببت فضيحة أخرى في ذلك الصيف،
تتعلق بتحرش أحد مساعديه برجال آخرين في نادٍ ليلي، في سلسلة من الاستقالات بين
أعضاء حكومة جونسون، مما أدى إلى سقوطه.
وأوضح فورد: "إن قطيع
حزب العمال قلق؛ ولا نعرف أي طلقة بارود في البراري قد تجعلهم يتدافعون للخروج. ستأتي
تلك الطلقة في وقت ما".