رغم إعلان رئيس الوزراء البريطاني كير
ستارمر أنه نجح في التصدي لدعوات إقالته، وأنه سيناضل من أجل الاحتفاظ بمنصبه في أعقاب الكشف عن العلاقة بين سفير
بريطانيا بيتر ماندلسون لدى واشنطن وجيفري إبستين، إلا أنه خرج متضرراً بشدة من 24 ساعة مضطربة أوصلت رئاسته للوزراء إلى حافة الهاوية، مع خشيته مما ستجلبه الأيام والأسابيع المقبلة وفقاً لتقرير صحيفة الغارديان البريطانية، حيث أدى ظهور المعلومات الجديدة إلى غرق حكومة ستارمر في أزمة سياسية عميقة وإضعاف الدعم داخل
حزب العمال.
وعقب أشهر من اليأس بشأن وضع الحكومة إلى ذروتها، بدا أن المنافسين المحتملين على القيادة، بمن فيهم أنجيلا راينر وويس ستريتينغ، يستعدون لمنافسة ستارمر مستقبلية، فيما انضم زعيم حزب العمال الإسكتلندي، أنس
ساروار، إلى دعوات الاستقالة، قائلاً: "لقد ارتكب ستارمر أخطاءً كثيرة" وأن القيادة بحاجة إلى تغيير.
وأمام أكثر من 400 نائب وعضو في مجلس اللوردات وخلال اجتماع لحزب العمال البرلماني مساء الاثنين، قال ستارمر إنه سيقاتل أي تحدٍّ يواجهه، محذراً منافسيه: "لقد انتصرت في كل معركة خضتها. لقد ناضلت من أجل تغيير حزب العمال لتمكيننا من الفوز بالانتخابات مرة أخرى. قال لي الناس إنني لا أستطيع فعل ذلك."
بدورهم، قال عدد من النواب الذين غادروا الاجتماع إن هناك تحولاً حقيقياً في المزاج، وقد تحسن ذلك بفضل وعود ستارمر بإعادة بناء علاقته مع النواب، واعترافه بالأخطاء الماضية، لكن آخرين قالوا إنه مع تراجع حزب العمال في استطلاعات الرأي، واستمرار أزمة غلاء المعيشة، فإنهم يشككون في قدرة ستارمر على تغيير الوضع.
وفي مؤتمر صحفي عُقد على عجل في غلاسكو في وقت سابق من الاثنين، قال ساروار إن هناك "أخطاء كثيرة" ارتكبها مكتب رئيس الوزراء منذ وصول ستارمر إلى السلطة، وأنه على الرغم من أن رئيس الوزراء "رجل محترم"، إلا أنه يقوض قدرة حزب العمال على الفوز في انتخابات البرلمان الإسكتلندي في أيار/مايو.
وتُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة تراجع حزب العمال إلى المركز الثالث خلف الحزب الوطني الإسكتلندي وحزب الإصلاح، وقدّر ساروار ومستشاروه أنه من المستحيل على ستارمر التعافي بعد فضيحة علاقات بيتر ماندلسون بجيفري إبستين.
ماكسويني يبرئ ستارمر ويعلن تحمله المسؤولية
وتأتي هذه الأحداث بعد إعلان مورغان ماكسويني، كبير موظفي رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، استقالته من منصبه، وفق بيان صدر عنه، قال فيه إن قراره جاء "بعد تفكير متأنٍ"، مشيراً إلى أن تعيين بيتر ماندلسون "كان خاطئاً".
وجاءت الاستقالة عقب نشر دفعة جديدة من الوثائق ضمن "ملفات إبستين"، كشفت معلومات جديدة عن تواصل ماندلسون مع جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية، وبحسب الوثائق، فإن رسائل إلكترونية أظهرت أن إبستين أرسل مبلغ 10 آلاف جنيه إسترليني عام 2009 إلى رينالدو أفيلا دا سيلفا، شريك ماندلسون.
كما تضمنت الوثائق رسائل يُعتقد أنها تشير إلى قيام ماندلسون، عندما كان وزيراً للأعمال في حكومة غوردون براون عام 2009، بتمرير معلومات حساسة تتعلق بالأسواق إلى إبستين، وعلى خلفية هذه الكشوف، أعلن ماندلسون استقالته من حزب العمال بعد أكثر من أربعين عاماً من الانتماء، كما قرر التنحي عن عضوية مجلس اللوردات.
ويعلق مصدر في حزب العمال لـ"
بي بي سي" بأن رئيس الوزراء كير ستارمر "سيواجه عاصفةً مع رحيل أكثر الشخصيات السياسية موهبةً في فريقه"، مشيراً إلى أنه "لم يكن ليُصبح رئيساً للوزراء لولا مورغان، وأتساءل إن كان سيستمر في منصبه لفترة أطول الآن".
وكان اللورد بيتر ماندلسون سياسياً بريطانياً بارزاً وعضواً في حزب العمال، تولّى عدة مناصب حكومية مهمة في بريطانيا وأوروبا، بما في ذلك مفوضية الاتحاد الأوروبي، وشغل منصب السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة.
وقبل أيام، أمر ستارمر بفتح تحقيق عاجل للكشف عن علاقة ماندلسون بجيفري إبستين، وسط ضغوط متزايدة وإمكانية فتح تحقيق جنائي في تأثير هذه العلاقة على سلوك ماندلسون أثناء توليه مناصب وزارية رفيعة، بما فيها وزارة الأعمال بين 2008 و2010 في حكومة غوردن براون.
وأوضح ماكسويني في بيانه أنه هو من قدم النصيحة لرئيس الوزراء بتعيين ماندلسون، وأنه يتحمل "المسؤولية الكاملة" عن ذلك، مضيفًا أن "تحمل المسؤولية في الحياة العامة يجب أن يتم عندما يكون الأمر في أمس الحاجة إليه، لا حين يكون في متناول اليد".
حلفاء ستارمر يستقيلون
وبعد أقل من 24 ساعة على استقالة ماكسويني، استقال تيم آلان، مدير الاتصالات لدى ستارمر. وقال: "لقد قررت الاستقالة لإتاحة الفرصة لتشكيل فريق جديد في مقر رئاسة الوزراء. أتمنى لرئيس الوزراء وفريقه كل التوفيق".
كما كشفت صحيفة الغارديان أن كريس وورمالد، كبير موظفي الخدمة المدنية في داونينج ستريت، يتفاوض على رحيله كجزء من عملية إعادة هيكلة أوسع نطاقاً لعملية ستارمر، مما يزيد من الشعور بالاضطراب في أعلى مستويات الحكومة.
إعلان ولاء تحت التهديد
من جهتهم، قال نواب البرلمان إنه تم توضيح الأمر لهم بشكل قاطع بضرورة إعلان ولائهم لستارمر عبر تويتر، وقال أحدهم: "كان الأمر أشبه بتهديدٍ صريح: إما أن تُغرّد أو ستُقطع أصابعك". بل زعم مصدرٌ في حزب العمال أن مكتب رئيس الوزراء هدد بالطرد ما لم يُعلنوا دعمهم علنًا. ونفى مكتب رئيس الوزراء هذه المزاعم.
لكنّ عددًا من النواب قالوا إنها كانت لحظة إدراك حقيقية بعد أن دعا ساروار ستارمر إلى الرحيل، وقال أحد النواب: "أعتقد أنهم رأوا مدى خطورة الوضع"، وقال آخر: "بدا الأمر أكثر جنونًا مع مرور الوقت".