انتحال يهز لبنان.. "ميكانيكي سيارات" يحدث نوابا وسياسيين بصفة أمير سعودي

عامل تصليح سيارات من شمال لبنان انتحل صفة أمير سعودي- جيتي
كشفت صحيفة "فاينانشيال تايمز"، البريطانية، عن عملية احتيال سياسية جريئة هزت لبنان، حيث وقع نواب وشخصيات طامحة إلى العمل السياسي ضحية شخص انتحل صفة أمير سعودي.

وذكرت الصحيفة في تقرير ترجمته "عربي21"، أنه قبل ساعات من تصويت البرلمان اللبناني العام الماضي على اختيار رئيس وزراء جديد، تلقى عدد من النواب اتصالا هاتفيا من شخص ادعى أنه أمير سعودي، حيث جرى وضع المكالمة على مكبر الصوت، وحذر خلالها المتصل من تسمية رئيس الحكومة المكلف آنذاك نجيب ميقاتي، مشددا على أن ذلك يأتي ضمن "تعليمات من الديوان الملكي السعودي".

وقال أحد النواب، ممن تلقوا الاتصال، لزملائه إنه يتواصل باستمرار مع هذا الأمير، بحسب ما رواه أحمد الخير، أحد البرلمانيين الذين كانوا حاضرين.

وأوضح الخير أن هذا التدخل كان مؤثرا، إذ ساهم في إقناع بعض النواب بتغيير أصواتهم لصالح نواف سلام، الذي فاز لاحقا برئاسة الحكومة، رغم أنه كان مرشحا للفوز على أي حال.

وأشارت الصحيفة، إلى أن المتصل لم يكن في الواقع أميرا سعوديا، بل عاملا بسيطا في تصليح السيارات، في العقد الرابع من عمره، ينحدر من شمال لبنان، إذ قال مسؤولون ومحامون إن هذا الرجل نفذ، بتكليف من شيخ محلي نافذ، عملية احتيال سياسية وُصفت بالجريئة وأثارت حالة واسعة من الذهول في البلاد.

وعلى مدى أشهر، تمكن "الأمير" الوهمي، المعروف باسم "أبو عمر"، من خداع نخبة من الشخصيات السياسية البارزة في لبنان. وقيل إن أحد المرشحين للبرلمان اقتنع به إلى حد منحه سيارة لابن الشيخ قبل أن يستعيدها لاحقا، فيما يُزعم أن سياسيا آخر طلب من أبو عمر المساعدة لتمكين ابنه من الفوز بميداليات فروسية في السعودية.

وبلغت عملية الاحتيال ذروتها مع تدخل الأمير المزيف في سباق رئاسة الحكومة، حيث أظهرت رسائل اطلعت عليها الصحيفة أنه حاول أيضا الضغط على كتل برلمانية أخرى قبل التصويت.

وانكشفت الخدعة في الأسابيع الأخيرة، ما فجر موجة إعلامية واسعة وفتح بابا كبيرا للسخرية، إذ عبّر اللبنانيون عن دهشتهم من سهولة انطلت بها الحيلة على قادتهم، وسط اتهامات بأن الرجلين المتورطين كانا يسعيان لتحقيق مكاسب مالية ونفوذ سياسي.

وفي قلب هذه العملية، برز ثنائي غير متوقع من منطقة عكار المهمشة شمالي لبنان: مصطفى الحسيان، عامل تصليح السيارات، وخالدون عريمت، شيخ سني نافذ في السبعينيات من عمره.

وبحسب مسؤولين أمنيين وسياسيين ومحامين، بنى عريمت شبكة علاقات واسعة مع مسؤولين ورجال أعمال خليجيين، وكان يربط سياسيين نافذين وطامحين بأبو عمر عبر الهاتف.


وقالوا إن الحسيان كان يؤدي صوت "الأمير" مستخدما رقما هاتفيا بريطانيا، من دون أي لقاءات شخصية، وكان يناقش السياسة اللبنانية، وأحيانا يقترح دعم أشخاص أو عقد لقاءات.

ويبقى الدافع الحقيقي وراء العملية موضع تساؤل، إلا أن مراقبين بحسب الصحيفة يرون أن المحتالين تحركوا بدافع مزيج من الطمع المالي والرغبة في النفوذ.

ويخضع الرجلان حاليا للتوقيف لدى السلطات اللبنانية، ووجهت إليهما الشهر الماضي تهم الاحتيال والابتزاز والتأثير على قرارات التصويت، وانتحال الصفة، والإضرار بالعلاقات اللبنانية السعودية، بحسب محاميهم ووسائل الإعلام الرسمية.

واستُدعي عدد من السياسيين للإدلاء بشهاداتهم في التحقيق القضائي، كما وُجهت تهمة الإدلاء بشهادة كاذبة إلى شيخ آخر، ولم تبدأ المحاكمة بعد، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان هناك متورطون آخرون.

وأثارت القضية أيضا صدمة أعمق، إذ كشفت صورة محرجة عن صفقات تُدار في الكواليس بين قادة لبنانيين مستعدين لتلقي تعليمات من موفد أجنبي مزعوم لم يلتقوا به يوما، كما يزعم أن مصطفى الحسيان، الذي عرفته وسائل الإعلام اللبنانية، هو من انتحل صفة الأمير السعودي، بينما تؤكد عائلته أنه "تعرّض للتضليل".

وقال سامي عطا الله، المدير المؤسس لمركز "ذا بوليسي إنيشياتيف" البحثي في بيروت، إن "قضية أبو عمر تجسد مدى استسلام النخبة السياسية لقرارات القوى الخارجية، فهم مستعدون لفعل أي شيء بمجرد سماع اللهجة السعودية"، مضيفا أن السياسيين "متعطشون إلى الإشارات والتلميحات من داعميهم إلى درجة أنهم لا يتحققون حتى من صحة المعلومات".

وقال محامي أحد الطامحين للبرلمان إن أبو عمر كان يقترح على موكله "الاهتمام" بعريمت، بما في ذلك تقديم تبرعات لمنظمات مرتبطة به، كما أكد محامو الحسيان أنه كان يطلب من السياسيين "الاعتناء" بالشيخ، لكنهم نفوا أنه طلب المال لنفسه.

ويبقى اللغز كيف تمكن الحسيان، القادم من وادي خالد النائي، من تقمص شخصية أمير من الديوان الملكي السعودي بهذا الإقناع. ويعزو البعض ذلك إلى تشابه لهجة وادي خالد مع اللهجة السعودية بالنسبة لغير المدربين على تمييزها.


وبات الحسيان مرتبطا بشخصية أبو عمر إلى درجة أن حتى محاميه، الذين يقرون بإجرائه الاتصالات لكن يؤكدون أنه تعرض للاستغلال، ينادونه بهذا الاسم.

وفي تسجيل مصور حديث، قالت عائلة الحسيان إنه تعرض للتلاعب. وقال أحد أقاربه، من دون ذكر اسمه، إنه يعيش حياة بسيطة ولا يملك علاقات خارج محيطه الضيق، وإنه، إن صحت الاتهامات، فهو ضحية تضليل.

وبحسب محامي الرجلين، تعرف الحسيان إلى عريمت أثناء تلقيه مساعدات غذائية من الشيخ، ثم أصبح ضيفا دائما لديه، قبل أن يطلب منه عريمت إجراء مكالمات باسم “أبو عمر”، مكتفيا بتعويضه بمساعدات شملت تغطية علاج طبي.

ويُزعم أن الحسيان تعرض للضرب بأمر من طامح سياسي غاضب بعد انكشاف الخدعة.

واعترف مرهف عريمت، محامي الشيخ وابنه، بأن والده كان يعرّف السياسيين على أبو عمر، لكنه قال إنه كان يعتقد أنه عضو حقيقي في الديوان الملكي السعودي، نافيا أي سعي لتحقيق مكاسب مالية. وأضاف أن والده تعرّف إلى أبو عمر عبر شيخ آخر.

وأوضح مرهف أن والده استبعد أن يكون الحسيان هو الصوت وراء أبو عمر، معتبرا أن الأخير شخصية مثقفة ومطلعة على الشؤون اللبنانية والخليجية، "ومن المستحيل أن يكون هو نفسه مصطفى الحسيان".

وبحسب محامي الحسيان، كانت معظم مكالمات أبو عمر مع مبتدئين في العمل السياسي لديهم طموحات انتخابية، لكنه تمكن أيضا من الوصول إلى أعلى مستويات السلطة، فقد وضع رئيس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة أبو عمر على الهاتف مع النائبة السابقة بهية الحريري لتقديم التعازي بوفاة زوجها، وفقا لبيان صادر عن الحريري، بينما نفى مكتب السنيورة أي علاقة له بأبو عمر أو عريمت.


وقال المستشار السياسي للنائب فؤاد مخزومي إن الأخير كان يتحدث بانتظام مع أبو عمر لأشهر بعد أن عرفه عريمت عليه، مشيرا إلى أن الأخير كان يبلغه مسبقا بقرب تلقي اتصال من "عضو الديوان الملكي".

وأوضح المستشار أن أبو عمر كان يتحدث بلهجة سعودية متقنة، وأن مواقفه كانت منسجمة مع مواقف الحكومة السعودية، رغم استغراب مخزومي من تركيزه أحيانا على قضايا محلية غامضة في عكار.

ومع ذلك، أكد المستشار أن مخزومي خُدع بالفعل، رغم أنه لم يُطلب منه المال، وأنه تحدث مع شخصيات عدة بناء على اقتراح عريمت، ما منحهم نفوذا إضافيا.

وأشار عماد سلامة إلى أن هذه القضية كشفت هشاشة النظام الطائفي اللبناني واعتماد نخبه السياسية على الرعاية الخارجية، ما يجعلهم عرضة ليس فقط للتأثر بالتدخلات الخارجية، بل أيضا للتلاعب من أي جهة.

وأضاف: "الضحية الحقيقية لأبو عمر هي نحن، الشعب اللبناني، لأننا محكومون بسياسيين يمكن التلاعب بهم بسهولة".