"أصوات للبيع".. تقرير استقصائي يتتبع مسار المال السياسي في الانتخابات المصرية

المرحلة الثانية شهدت اختلاف تعامل الداخلية بعد تصريحات السيسي - جيتي
شهدت انتخابات مجلس النواب في مصر جدلا واسعا بعد تداول مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت ممارسات تتعلق بشراء أصوات انتخابية في عدد من الدوائر، في وقت أكدت فيه السلطات الرسمية التزامها بنزاهة العملية الانتخابية واتخاذ الإجراءات القانونية حيال أي مخالفات يتم رصدها.

وأعادت هذه المقاطع فتح ملف "المال السياسي" الذي يبرز عادة خلال الاستحقاقات الانتخابية، وسط مطالبات متكررة بتوسيع نطاق المساءلة وعدم الاكتفاء بملاحقة المنفذين المباشرين.

وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع بيانات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية المصرية تحدثت عن ضبط وقائع شراء أصوات، وإلقاء القبض على عدد من الأشخاص المتورطين فيها، بينما أكدت الهيئة الوطنية للانتخابات من جانبها رصد مخالفات تعاملت معها الجهات الأمنية المختصة، مع التشديد على أن التحقيق القضائي في هذه الوقائع لا يندرج ضمن اختصاصها المباشر.

تتبع الـ" سي إن إن"  لوقائع شراء الأصوات


في تحقيق استقصائي، نشر الخميس تتبعت شبكة الـ"سي إن إن" بالعربية وقائع شراء الأصوات الانتخابية التي أعلنت عنها وزارة الداخلية رسميا، إلى جانب مقاطع فيديو جرى تداولها على نطاق واسع، توثق عمليات توزيع أموال على ناخبين مقابل التصويت لمرشحين بعينهم، كما ربط التقرير بين المقبوض عليهم وأسماء مرشحين ورد ذكرهم داخل هذه المقاطع.



وقالت الشبكة أنه خلال انتخابات مجلس النواب، انتشر مقطع فيديو قصير يظهر فيه شخص محاط بمجموعة من المواطنين، يحملون بطاقاتهم القومية بأيديهم، بينما يمكن سماع أصوات تقول بوضوح: "بيوزع فلوس"، وبعد أقل من خمس ساعات على انتشار المقطع، أعلنت وزارة الداخلية ضبط الشخص الظاهر فيه، واعترافه بالواقعة، لكنها لم تعلن عن اتخاذ أي إجراءات قانونية بحق المرشح الذي تردد اسمه داخل الفيديو.


سماسرة الانتخابات

وفي تعليق لـ"سي إن إن" ، قال رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، ناصر أمين، إن الحكومة "اضطرت إلى القبض على بعض الأشخاص الذين يمكن تسميتهم بالسماسرة"، موضحًا أنهم يتولون استحضار المواطنين، وجمع بطاقاتهم الشخصية، ثم دفع مبالغ مالية لهم مقابل التصويت لصالح مرشح معين.

وبحسب تتبع الشبكة لبيانات وزارة الداخلية، تم رصد عدد من وقائع شراء الأصوات المعلنة رسميا، مع محاولة تحليل العلاقة بين المقبوض عليهم والمرشحين الذين وردت أسماؤهم في مقاطع الفيديو المتداولة.

اختلاف تعامل الداخلية بين المرحلتين

وأضاف التقرير أنه خلال المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب، لم تنشر وزارة الداخلية أي بيانات تشير إلى وجود مخالفات في أي دائرة انتخابية، غير أنه قبل نحو سبعة أيام من انطلاق المرحلة الثانية، أدلى رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي بتصريحات غير معتادة، إذ علق فيها على وجود مخالفات أو وقائع تزوير في العملية الانتخابية، في سابقة هي الأولى من نوعها لرئيس مصري.

ومع بداية المرحلة الثانية، وبعد تصريحات السيسي، اختلف تعامل وزارة الداخلية مع هذه الوقائع، حيث نشرت 41 بيانا بشأن انتهاكات وقعت بالقرب من دوائر انتخابية في محافظات مختلفة.

تحليل البيانات وربطها بالنتائج

وحللت السي إن إن بيانات وزارة الداخلية، وركزت على القضايا المتعلقة بتوزيع مبالغ مالية، والتي بلغ عددها 20 قضية، قبض خلالها على 37 شخصًا بتهمة واحدة، وبعد ربط هذه القضايا بالنتائج النهائية للانتخابات، واستبعاد الدوائر التي لم تتحسن نتائجها مقارنة بالجولة الأولى، تبقى تسع قضايا، ست منها تركزت في دائرتين فقط.

أربع قضايا كانت في دائرة أول السلام شرق القاهرة، بينما وقعت قضيتان في دائرة منوف بمحافظة المنوفية شمال مصر، حيث تنافس 22 مرشحًا على مقعدين في مجلس النواب، من بينهم 15 مرشحًا مستقلًا، والبقية ينتمون إلى أحزاب مختلفة.

منوف والمال السياسي

وكشف التقرير أنه منذ بداية فترات الدعاية الانتخابية في منوف، حذر مرشحون ومستقلون مما وصفوه بانتشار "المال السياسي"، داعين الناخبين إلى عدم الانسياق وراء "الكرتونة أو الأموال"، مؤكدين أن التصويت أمانة.

وأضاف التقرير أن أحد أكثر المقاطع انتشارًا كان في منوف فيديو لشخص تم القبض عليه بعد ساعات قليلة من تداوله، وبالاستعانة بتعليقات أهالي المنطقة، توصلت الشبكة إلى هوية الشخص المقبوض عليه، وتبين أنه أُخلي سبيله لاحقًا بكفالة مالية قدرها 15 ألف جنيه، دفعها له محام لم يكلفه هو بالدفاع عنه، بل جاء بتكليف من جهة أخرى.

وفي النهاية، فاز المرشح سليمان خليل، عن حزب "مستقبل وطن"، وهو الاسم الذي ورد ذكره في مقطع الفيديو، وحاولت الـ سي إن إن بالعربية التواصل معه للحصول على تعليق، لكن دون رد.

موقف الهيئة الوطنية للانتخابات

وأقرت الهيئة الوطنية للانتخابات بوجود وقائع شراء أصوات، قالت إن وزارة الداخلية تعاملت معها، لكنها شددت في الوقت نفسه على عدم اختصاصها بالتحقيق في هذه القضايا.


وتابع التقرير أن من أوائل بيانات وزارة الداخلية، في 24 تشرين الثاني / نوفمبر، إعلان القبض على شخص ظهر في مقطع فيديو داخل إحدى وسائل المواصلات العامة، وهو يوجه المواطنين للتصويت لمرشح بعينه. إلا أن التدقيق في الفيديو، وفق الشبكة، أعطى انطباعًا مختلفًا، إذ بدا أن التوجيه لم يكن مقتصرًا على مرشح واحد فقط.

وبحسب الموقع الرسمي للهيئة الوطنية للانتخابات، فإن المرشحين محمد نور محمد نصرى، الشهير بمحمد العسيوطي، ومحمد الحداد، فازا في النهاية بمقعدي الدائرة.

ردود المرشحين


وتواصلت الشبكة مع النائب محمد الحداد، الذي شدد على عدم معرفته بالشخص المقبوض عليه، مشيرًا إلى أن هناك أشخاصًا "يحبون المجاملة" ويفعلون ذلك من تلقاء أنفسهم دون تنسيق مسبق، في المقابل، رفض النائب محمد العسيوطي الرد على أسئلة الـ سي إن إن بالعربية.

وتتبع التقرير منشورات الشخص الذي ظهر في الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تبين أنه كان داعمًا للنائبين الحداد والعسيوطي، حيث نشر صورًا جمعته بهما قبل الانتخابات، ووصف أحدهما بـ"النائب المنتظر"، وأعلن دعمه الكامل لهما، بل وأشرف على مؤتمر انتخابي وشكره أحد النواب في منشور رسمي.

وعند مواجهة النائب محمد الحداد بهذه الصور، قال إنها لا تمثل دليلًا على وجود علاقة تنظيمية أو تنسيقية، موضحًا أنه التقط عددًا كبيرًا من الصور مع أهالي دائرته خلال حملته الانتخابية، بينما رفض النائب محمد العسيوطي التعليق.