قناة بنما.. كيف ضاق الممر المائي بطموحات أمريكا والصين؟

قالت وكالة بلومبرغ إن الصين طلبت من شركاتها الحكومية وقف المحادثات مع بنما بشأن مشاريع جديدة بعد إلغاء عقد موانئ استراتيجية - جيتي
صعّدت الصين من لهجتها تجاه بنما، عقب قرار صادر عن المحكمة العليا البنمية ينهي حق شركة مدعومة من هونغ كونغ في تشغيل موانئ رئيسية على قناة بنما، محذرة من أن الحكومة ستدفع ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا باهظًا إذا لم تتراجع عن قرارها.

ففي وقت تتجه فيه الأنظار نحو أكثر الملفات سخونة في الشرق الأوسط، وهي المفاوضات ما بين إيران وأمريكا، يصف مكتب بلدية بكين المسؤول عن شؤون هونغ كونغ، في ردٍّ مطوّلٍ مكون من 800 كلمة على قرار المحكمة البنمية، الحكم بأنه "مخزٍ ومثير للشفقة حقًا".


واتهم المكتب ضمنيًا الإجراء بأنه "خاضع للهيمنة ومتواطئ مع الشر"، وأضاف: "تعارض الصين بشدة استخدام الإكراه الاقتصادي". ويُعدّ هذا الرد، الذي نُشر يوم الثلاثاء، دليلاً واضحًا على إدراك بكين مساعي البيت الأبيض الأوسع نطاقًا لاستئصال نفوذ الصين في المنطقة.


وحسب تقرير لشبكة "سي أن أن"، يمثل هذا الهجوم الحاد أحدث محطة في التوتر المتصاعد حول المصالح الصينية في هذا الممر المائي الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو 40 بالمئة من حركة الحاويات الأمريكية سنويًا، والذي أصبح نقطة محورية في مساعي إدارة الرئيس ترامب لإقصاء القوى المنافسة من نصف الكرة الغربي.


ما هي قناة بنما؟

قناة بنما هي ممر مائي اصطناعي طوله 82 كيلومتراً يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي عبر بنما، ما يوفّر للسفن آلاف الأميال والسفر لأسابيع حول الطرف الجنوبي لأميركا الجنوبية الذي يتعرض لأجواء عاصفة وجليدية.


وتُعد الرحلة التي تقطعها السفن المتجهة من لوس أنجلوس إلى نيويورك عبر القناة أقصر بنحو 8 آلاف ميل (أو ما يعادل 22 يوماً) مقارنة بالسفر عبر مضيق ماجلان قبالة تييرا ديل فويغو، وهو أرخبيل في أقصى جنوب أميركا اللاتينية.

وتنقل القناة السفن عبر بحيرة غاتون، التي ترتفع نحو 26 متراً فوق مستوى سطح البحر، عبر سلسلة من الأهوسة المائية. ويتطلب عبور كل سفينة نحو 200 مليون لتر من المياه العذبة.

امتياز غير دستوري

وفق التقرير، تشغّل شركة "CK Hutchison"، وهي مجموعة متعددة الجنسيات مقرها هونغ كونغ، موانئ في أنحاء العالم عبر شركة "Hutchison Ports" وذراعها، من بينها محطتان رئيسيتان عند مدخلي قناة بنما.

وهو امتياز اعتبرته المحكمة العليا في الدولة الواقعة في أمريكا الوسطى غير دستوري في حكم أصدرته أواخر الشهر الماضي، وأكدت بكين أنها ستعمل على حماية الشركات الصينية، مشددة على امتلاكها "الوسائل والأدوات والقوة الكافية للحفاظ على نظام اقتصادي وتجاري دولي عادل".


ولكن في الوقت نفسه، تواجه الصين معضلة استراتيجية تتعلق بمدى تشددها في الرد، خصوصاً مع سعيها للحفاظ على قدر من الاستقرار في علاقاتها مع واشنطن، قبيل زيارة متوقعة للقاء ترامب في الربيع المقبل.

الحكومة البنمية تختار مشغلًا مؤقتًا

في أعقاب حكم المحكمة العليا بعدم دستورية عقد الشركة، أعلنت الحكومة البنمية أن شركة تابعة لشركة الخدمات اللوجستية الدنماركية ميرسك ستتولى إدارة الموانئ مؤقتًا لضمان الحد الأدنى من التعطيل.

ويأتي هذا بعد أن حددت المحكمة مخالفات مالية وعقودًا غير قانونية سمحت لـ "CK Hutchison" بالسيطرة على الموانئ منذ تجديد عقدها في 2021 لمدة 25 عامًا، بعد أن كانت حصلت على الامتياز الأول في 1997.

وفي المقابل، رفضت الشركة الحكم واتهمت الحكومة البنمية بمحاولة حرمانها من حقوقها التشغيلية قبل نشر النتائج القضائية المفصلة.

وأوضحت الشركة أنها ستسعى للحصول على "تعويضات كبيرة" عن خسارة أعمالها المستقبلية من خلال محكمة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية في باريس، مؤكدة أن استثماراتها في بنما تجاوزت 1.8 مليار دولار ووفرت آلاف الوظائف.

الصراع على النفوذ في نصف الكرة الغربي

على مدى سنوات، عززت الصين حضورها في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، حيث يتجاوز حجم تجارتها السنوية نصف تريليون دولار، كما تنتشر شركاتها في قطاعات حيوية مثل الطاقة والاتصالات والتعدين.

وتأتي هذه التطورات، بينما تتعهد إدارة ترامب بمنع "المنافسين من خارج نصف الكرة الغربي" من السيطرة على أصول استراتيجية في المنطقة، ما يجعل قناة بنما اختباراً حاسماً لصراع النفوذ بين القوتين.

ولطالما كرر ترامب مزاعم بأن "الصين تدير قناة بنما"، متعهداً "باستعادتها". وعلى إثر ذلك، أطلقت السلطات البنمية تدقيقاً في عمليات تشغيل الموانئ التابعة لـ"CK Hutchison"، رغم أن الشركة ليست مملوكة للدولة الصينية، بل تابعة لمجموعة يسيطر عليها الملياردير لي كا-شينغ، فإن بكين نفت أي تدخل لها في شؤون القناة.
 

ما علاقة "الحزام والطريق" ببنما؟

دفعت الضغوط الأمريكية بنما إلى الانسحاب من مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، في خطوة شكّلت صدمة لطموحات بكين، خاصة أن بنما كانت أول دولة في أمريكا اللاتينية تنضم إلى المبادرة عام 2017.

وتفاقم الخلاف عندما أعلنت "CK Hutchison" العام الماضي نيتها بيع حصصها في أكثر من 40 ميناء حول العالم، بينها موانئ قناة بنما، إلى تحالف تقوده شركة "BlackRock" الأمريكية، في صفقة أشاد بها ترامب، ولكن بشرط إخضاع الصفقة للمراجعة والإشراف، وهو ما أدى إلى تعثرها.

كيف ستضغط الصين للحفاظ على مصالحها؟

تشتهر بكين بنهجها في استخدام التدابير الاقتصادية المضادة لممارسة الضغط، حيث تمتلك نفوذاً كبيرا على بنما متجاوزة الولايات المتحدة، لتصبح أكبر شريك تجاري لبنما في 2019، وفقاً لبيانات الأمم المتحدة حتى 2024.

ويرى محللون أن بكين قد تدرس خيارات تجارية واستثمارية وغيرها من التدابير للرد، وردع دول أخرى في المنطقة عن اتخاذ خطوات مماثلة، لكن ثمة أسباب تدفع بكين إلى التريث، خاصة بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والذي اعتبرته الصين بأنه "شكل من أشكال الإمبريالية والتسلط".

ويُقدّر خبراء السياسة في بكين أنه في حين أن الاستراتيجية الأمريكية قد تزيد الضغط على الانخراط الصيني في المنطقة على المدى القريب، إلا أنها ستدفع مع مرور الوقت المزيد من دول أمريكا اللاتينية إلى اختيار التعاون مع الصين.


وقد يُقوّض الردّ بإجراءات اقتصادية واسعة النطاق ضد بنما جهود شي جينبينغ الأوسع نطاقًا لترسيخ مكانة الصين كقائد بديل للولايات المتحدة، لا سيما بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي ترى بكين أنها لا تخدمها هيمنة الولايات المتحدة على العالم.

وقال برايان وونغ، محلل شؤون الجغرافيا السياسية في جامعة هونغ كونغ: "على الأرجح، ينبغي أن نتوقع من الشركات الصينية المملوكة للدولة أن تُبدي حذرًا متزايدًا من الالتزام باستثمارات استراتيجية كبيرة في محيط الولايات المتحدة، نظرًا لحرص ترامب الشديد على بسط سيطرته على نقاط الاختناق الجغرافية والمواقع ذات الأهمية في المنطقة".

أول خطوة عقابية

رداً على إلغاء بنما عقد "CK Hutchison"، طلبت الحكومة الصينية من الشركات الحكومية تعليق المحادثات بشأن مشاريع جديدة في بنما، وفق وكالة "بلومبرغ" الأمريكية.


ووفقاً لمصادر مطلعة للوكالة، فإنّ هذه الخطوة قد تعرقل استثمارات مستقبلية محتملة بمليارات الدولارات، وأضافوا أنّ الصين طلبت أيضاً من شركات الشحن النظر في تحويل مسار البضائع عبر موانئ أخرى إذا لم تترتب تكاليف إضافية كبيرة.

وأفادت المصادر بأن السلطات الصينية كثّفت عمليات التفتيش على الواردات البنمية، مثل الموز والبن، وسط مخاوف من تأثير ذلك في المشاريع الجارية، وعلى الرغم من أن التعليمات النهائية لم تُصدر بعد، يبدو أن هذا القرار سينعكس على العلاقات الاقتصادية بين البلدين.