بعد عام على حكم ترامب.. لماذا دقت منظمات حقوقية ناقوس الخطر؟

قالت مجلة نيوزويك إن احتمالات عزل ترامب وصلت ذروتها وفق تنبؤات أمريكية- البيت الأبيض
اتسم العام الأول للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بسيل من التصريحات الصاخبة والقرارات الصادمة التي أعادت رسم العلاقة بين البيت الأبيض والمؤسسات الدستورية، وفتحت باباً واسعاً للصدام مع القضاء والكونغرس، فيما رجح مراقبون أن يكون 2026 عام "السلطات المضادة" مع اقتراب الانتخابات النصفية التي قد تعيد الديمقراطيين إلى السيطرة.

ترامب: "الرب فخور جدا بعملي"

خلال مؤتمر صحفي مطول، الثلاثاء، حمل الرئيس البالغ 79 عاما ملفا أمام الصحفيين، وهو يسرد 365 إنجازا منذ أدائه اليمين الدستورية في 20 كانون الثاني/ يناير 2025، وقال ترامب إن "الله فخور جدا" بما حققه خلال هذه السنة، وتحدث الرئيس الأمريكي بصوت خافت في أغلب الأحيان ودون حماس يُذكر.


عام كامل مضى على عودة ترامب "مر وكأنه دهر"، كما عنونت صحيفة ليبيراسيون الفرنسية، حمل معه تحوّلات وتساؤلات كبرى، ومنها "إلى أين يتجه العالم، وماذا يخبئ لنا الرئيس الأمريكي من قرارات خلال الأعوام الثلاثة المتبقية من ولايته؟".


منظمة العفو الدولية تدق ناقوس الخطر 

في تقرير جديد صدر لها بمناسبة مرور عام على عودة ترامب إلى منصبه، حذرت منظمة العفو الدولية من تصاعد الممارسات الاستبدادية وتقويض حقوق الإنسان في الولايات المتحدة”، حيث وثّقت وفق التقرير الذي حمل عنوان  "دقّ ناقوس الخطر: تصاعد الممارسات الاستبدادية وتقويض حقوق الإنسان في الولايات المتحدة".

كما أشارت المنظمة الحقوقية في التقرير إلى كيف أدى تصعيد إدارة الرئيس الأمريكي للممارسات الاستبدادية، مثل إغلاق الحيز المدني وتقويض سيادة القانون، إلى تدهور حقوق الإنسان داخل الولايات المتحدة وخارجها.


وقال بول أوبراين، المدير التنفيذي للفرع الأمريكي لمنظمة العفو الدولية: “نشهد جميعًا مسارًا بالغ الخطورة في ظل رئاسة ترامب، أفضى بالفعل إلى حالة طوارئ في مجال حقوق الإنسان. فمن خلال تمزيق الأعراف وتركيز السلطة في أيديها، تسعى إدارة ترامب إلى جعل مساءلتها أمرًا مستحيلاً.”

ترامب قوض ركائز المجتمع الحر

وأضاف: "لا شك أن هذه الممارسات الاستبدادية التي تنتهجها الإدارة تقوّض حقوق الإنسان وتزيد من المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون وكل من يعبّر عن رأيه أو يُبدي معارضة، بمن في ذلك المتظاهرون، والمحامون، والطلاب، والمدافعون عن حقوق الإنسان".

وتناول التقرير اثني عشر محورًا مترابطًا تعمل فيها إدارة ترامب على تقويض ركائز المجتمع الحر، من بينها الهجمات على حرية الصحافة، والحق في الوصول إلى المعلومات، وحرية التعبير والتجمع السلمي، ومنظمات المجتمع المدني والجامعات، والمعارضين السياسيين والمنتقدين، إضافة إلى القضاة والمحامين والنظام القانوني ومبادئ الإجراءات القانونية الواجبة.

كما وثّق التقرير الاعتداءات على حقوق اللاجئين والمهاجرين، وتحميل مجتمعات معينة مسؤولية مشاكل المجتمع، والتراجع عن ضمانات عدم التمييز، وتسخير الجيش لأغراض داخلية، وتفكيك آليات مساءلة الشركات وإجراءات مكافحة الفساد، وتوسيع نطاق المراقبة دون رقابة فعّالة، فضلًا عن الجهود الرامية إلى تقويض المنظومات الدولية المعنية بحماية حقوق الإنسان. 

وكما بيّن التقرير، إن هذه الأساليب الاستبدادية تُعزز بعضها بعضًا، إذ يُعتقل الطلاب ويُحتجزون بسبب احتجاجهم في الحرم الجامعي، وتُروّع مجتمعات بأكملها بحملات مداهمة ينفذها عناصر ملثمون من وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك، فيما باتت عسكرة المدن في أنحاء الولايات المتحدة أمرًا طبيعيًا.

وفي الوقت نفسه، يصعّب الترهيب الإعلامي الكشف عن انتهاكات حقوق الإنسان والتجاوزات، ويؤدي الانتقام من المحتجّين إلى إسكات الناس وبثّ الخوف بينهم، ويجعل توسيع المراقبة والعسكرة المعارضة أكثر خطورة، بينما تجعل الهجمات على المحاكم والمحامين وهيئات الرقابة تحقيق المساءلة أمرًا بالغ الصعوبة.

تصاعد الدعوات لعزل ترامب

وصلت احتمالات عزل الرئيس ترامب خلال ولايته الثانية أعلى مستوى لها على الإطلاق، وفقًا لبعض "أسواق التنبؤ" السياسية، في مؤشر يعكس تصاعد الجدل السياسي المحيط بإدارته، رغم استمرار العقبات الدستورية والسياسية أمام أي مسار فعلي للعزل.

وأفاد تقرير نشرته مجلة نيوزويك الأمريكية بأن سوق المراهنات التابعة لمنصة "كالشي" أظهرت ارتفاع احتمالات عزل ترامب إلى 59%، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ بدء تداول هذه السوق، وأوضح التقرير أن منتقدي ترامب يستندون إلى مواقفه في السياسة الخارجية، ويتهمونه "بإساءة استخدام السلطة" خاصة بعد سياساته الهجومية في فنزويلا، وتهديداته بغزو غرينلاند.

لكنّ هذه الدعوات لم تحرز تقدماً ملموساً في الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، وفق نيوزويك. وكان مجلس النواب قد صوّت ضد مشروع قرار لعزل ترامب في كانون الأول/ديسمبر 2025، ورغم دعم بعض الديمقراطيين للفكرة، إلا أن عدداً منهم صوّت ضدها. 

تراجع لافت في تأييد الأمريكيين لترامب

تُظهر نتائج استطلاعات للرأي أن الأميركيين يفقدون الثقة في قدرة ترامب على التعامل مع ملفات رئيسية على غرار الاقتصاد، وأظهر استطلاع أجرته شبكة "فوكس نيوز" تراجع نسبة التأييد لأداء الرئيس الأميركي من 49% في آذار/مارس الماضي، إلى 44% حاليًا.

وبحسب نتائج الاستطلاع، فإن 38% من الأميركيين راضون عن أداء ترامب الاقتصادي مقابل عدم رضا 56% منهم، في حين أبدى 47% رضاهم عن تعامله مع ملف الهجرة مقابل 48%، وعبر 55% عن رضاهم بشأن أدائه في أمن الحدود، بينما يرى 71% من الناخبين أن الأوضاع الاقتصادية في البلاد سلبية.

أما الاستطلاع الذي أجرته صحيفة إيكونوميست ومركز يوغوف، فقد أظهر تراجع شعبية الرئيس الذي يؤيده حالياً 41% من الأمريكيين مقارنة بنحو 50% في كانون الثاني/يناير الماضي.

وأظهر استطلاع آخر أجراه مركز بيو للأبحاث أن معدل التأييد لأداء الرئيس تراجع من 47% في فبراير/شباط الماضي، إلى 40% حالياً، وهي نسبة أدنى بكثير مقارنة بما حصده سلفه جو بايدن في أبريل/نيسان 2021 وقد بلغ يومها 59%.

ترامب يفكك ركائز النظام العالمي

لا تقتصر الفوضى التي تسببت بها قرارات ترامب على الداخل الأمريكي فحسب، فلطالما هدّد عودته إلى البيت الأبيض باستخدام القوة ضد دول صديقة وعدوة على السواء.

فبعد العملية العسكرية في فنزويلا، ما زال مصراً في السيطرة على غرينلاند، الجزيرة ذات الحكم الذاتي والتابعة لحليف أطلسي هو الدنمارك، وهدد بضرب إيران في وقت شهدت تظاهرات حاشدة تواجهها السلطات بقمع عنيف.

كما لوّح بتحرّك عسكريّ في كولومبيا والمكسيك، ولو أنه تراجع على ما يبدو عن ذلك بعدما تحادث مع رئيسي البلدين، كما تخلّى الرئيس الأمريكي الذي شنّ حرباً جمركية مستخدماً الرسوم كسلاح، عن أساليب الحكم التقليدية، فعمد إلى التفرّد بالقرار في تطبيق سياسته "أميركا أولاً".


كما سحب بلاده من عشرات الهيئات الدولية بما فيها وكالات تابعة للأمم المتحدة، وكلّها مؤسسات ندّد بها ترامب معتبراً أنها غير منصفة لبلاده، ورأت ميلاني سيسّون الباحثة في معهد بروكينغز أنّ الولايات المتحدة نجحت لفترة طويلة في تحقيق أهدافها "من غير أن تضطرّ إلى أن تهاجم وتجتاح وتحتلّ".

وقالت: "نجحنا عموماً في الحصول على ما نريد، في غالب الأحيان بواسطة أدوات نفوذ أخرى، تُستخدم من خلال منظمات وتحالفات دولية"، لكنها لفتت إلى أن قوى أخرى ستحذو بالتأكيد الآن حذو الرئيس الأمريكي وستسعى لتحقيق مصالحها الخاصة.
 

العالم بحاجة إلى "أمم متحدة" أقوى.. وليس "مجلس سلام" بقيادة ترامب

في محاولة على ما يبدو لتهميش "مجلس الأمن" الدولي، اقترح ترامب إنشاء ما يسمى "مجلس السلام"، الذي سيرأسه شخصياً، وعرض الرئيس الأمريكي مقاعد في مجلسه على قادة حكومات تنتهك حقوق الإنسان، منها دولة الاحتلال، وبيلاروسيا، وروسيا، والصين، وفيتنام، والمجر.

منظمة هيومن رايتس ووتش قالت إن الهدف من مجلس السلام كان في الأصل الإشراف على إدارة غزة بعد أكثر من عامين من الهجمات والدمار على يد القوات الإسرائيلية، والتي كانت الولايات المتحدة متواطئة فيها. لكن ميثاق المجلس لا يذكر غزة حتى، مما يشير إلى أن طموحات ترامب بشأن هذه الهيئة قد توسعت بشكل هائل منذ أن تم تصورها.


وأضافت أن الميثاق المقترح للمجلس لا يذكر حقوق الإنسان. ويبرز بوضوح أن ترامب، بصفته رئيسًا للمجلس، سيكون له السلطة العليا "لاتخاذ القرارات أو التوجيهات الأخرى" كما يراه مناسبًا. كما أن المقعد في مجلس السلام ليس رخيصًا: هناك رسوم عضوية تبلغ مليار دولار أمريكي.

وأوضحت المنظمة الحقوقية أن نظام الأمم المتحدة له مشاكله، لكنه أفضل من أن يكون نسخة عالمية من المكاتب السياسية للأحزاب الاستبدادية. بدلًا من دفع مليارات الدولارات للانضمام إلى مجلس ترامب، على الحكومات التركيز على تعزيز قدرة الأمم المتحدة على حماية حقوق الإنسان.