"اختبار الوعود".. هل يوقف ممداني تمويل المستوطنات الإسرائيلية من نيويورك؟

مدينة نيويورك تعد مركزًا وطنيًا للبنية التحتية الخيرية الصهيونية - جيتي
سلّطت تقارير حقوقية وإعلامية الضوء على الدور الذي تلعبه مدينة نيويورك في تدفقات مالية توجه إلى المستوطنات الإسرائيلية، معتبرة أن تولي رئيس البلدية الجديد لمنصبه يضعه أمام اختبار لترجمة مواقفه السابقة إلى إجراءات قانونية ملموسة.

ونشر موقع "موندويس" تقريرًا يسلط الضوء على أن فوز زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك وكيفة ترجمة خطابه السابق بشأن فلسطين إلى سياسات عملية، حيث تعد المدينة مركزًا رئيسيًا لتمويل الاستيطان الإسرائيلي عبر جمعيات خيرية مسجلة قانونيًا.

وقال الموقع، في هذا التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن فوز زهران ممداني بانتخابات رئاسة بلدية مدينة نيويورك جعل الكثيرين يعلقون آمالًا كبيرة على التحول الذي قد يحدثه في كيفية مواجهة المدينة للظلم في الداخل والخارج.

وقد استلهم الكثيرون من موقفه حين قدّم مشروع قانون "ليس على حسابنا: إنهاء تمويل نيويورك لعنف المستوطنين الإسرائيليين"، بصفته عضوًا في الجمعية التشريعية في كلية الحقوق بجامعة مدينة نيويورك في أيار/ مايو 2023، وهو مشروع قانون كان سيحظر على المؤسسات غير الربحية المسجلة في نيويورك استخدام الإعفاء الضريبي لتمويل توسّع المستوطنات الإسرائيلية وغيرها من انتهاكات القانون الدولي. لكن على الرغم من سجله السابق قبل توليه منصب رئيس البلدية والضغط الشعبي المستمر، فإن أفعال ممداني منذ توليه المنصب جاءت مخيبة للآمال ولم ترقَ إلى مستوى اللحظة الراهنة.

تُعد مدينة نيويورك مركزًا وطنيًا للبنية التحتية الخيرية الصهيونية، حيث يُجمع سنويًا مئات الملايين من الدولارات المعفاة من الضرائب عبر جمعيات مسجلة في نيويورك لدعم نشاط الاستيطان الإسرائيلي، مما يجعل المدينة قناة رئيسية لتدفقات مالية تُسهم في استمرار التهجير والاحتلال. ولكن عندما احتج ناشطون مؤخراً على فعالية عقارية في كوينز قالوا إنها تسوّق أراضي استيطانية، أدان ممداني علناً هتافات المحتجين قائلاً: "لا مكان في مدينتنا لدعم منظمة إرهابية"، وعندما سُئل لاحقًا إن كان قد أدان مبيعات الأراضي غير القانونية التي تجذب المستوطنين للانتقال إلى الضفة الغربية، أوضح معارضته لبيع الأراضي المحتلة، لكنه لم يصدر بياناً قوياً مماثلاً ضد فعالية بيع الأراضي الاستيطانية.

وبينما يرى بعض مؤيدي ممداني أنه من المبكر انتقاده لعدم اتخاذه إجراءات حاسمة ضد دور مدينة نيويورك في النشاط الاستيطاني الإسرائيلي عبر الضفة الغربية والقدس الشرقية، إلا أن هناك بالفعل عدة خطوات ملموسة وبسيطة يمكنه اتخاذها في الوقت الذي يواجه الفلسطينيون على الأرض واقعًا متسارعًا من توسع المستوطنات اليوم عبر تصاعد العنف وتهجير العائلات من أراضيها.

إيقاف توسّع المستوطنات الإسرائيلية الآن

أشار الموقع إلى أن سياسة الاستيطان الإسرائيلية تستمر في خرق القانون الدولي، مع خطط لبناء 20,000 وحدة سكنية في القدس الشرقية و10300 وحدة في الضفة الغربية، إلى جانب 49 بؤرة استيطانية جديدة، بالإضافة إلى عدد غير مسبوق من البؤر الاستيطانية غير القانونية التي أُنشئت في الضفة الغربية منذ عام 2023.

هذه الأرقام ليست بيانات نظرية، فقد أدى توسّع المستوطنات في قرية بيت إكسا إلى فرض نظام تصاريح جديد يرقى إلى ضم فعلي منذ أيلول/ سبتمبر 2025، وهذه الحقائق تجسّد السبب الذي دفع المنظمين في نيويورك إلى الضغط نحو إنشاء إطار قانوني للمساءلة مثل مشروع قانون "ليس على حسابنا".

لطالما نظم الناشطون في فلسطين وفي مختلف أنحاء الولايات المتحدة حملات ضد تدفق الأموال من المؤسسات غير الربحية الأميركية إلى منظمات ومشاريع المستوطنين. وقد استهدفت التحركات المجتمعية الرعاة الماليين للمؤسسات غير الربحية قبل سنوات من مشروع قانون ممداني، كما استهدفت آليات أخرى يتم عبرها ضخ الأموال والشرعية في الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات، بما في ذلك الحملات المباشرة التي طالبت المدعي العام في نيويورك بإلغاء الإعفاءات الضريبية للمجموعات المرتبطة بقضايا المستوطنين.

وأضاف الموقع أن الحملات المجتمعية كشفت وأوقفت في السنوات الأخيرة فعاليات في نيويورك كانت تعلن وتسوق علنًا لأراضِ في الضفة الغربية، مستخدمةً العمل المباشر والملفات القانونية لتسليط الضوء على القضية والطعن في التصاريح والأماكن التي تروّج لمثل هذه المبيعات، وطالبت هذه الحملات بأن يُستخدم النظام القانوني في نيويورك لمواجهة تمويل المستوطنات وتسويق العقارات بشكل مباشر.

لقد أصبح ممداني في موقع يمكّنه من القيام بذلك. فمدينة نيويورك لديها بالفعل عدة مسارات قانونية متداخلة يمكن أن تضمن اتخاذ المدينة إجراءات ضد النشاط الاستيطاني غير القانوني، وهي أدوات يمكن لرئيس البلدية تفعيلها دون الحاجة إلى سن قوانين جديدة.

وأوضح الموقع أن هناك أربع خطوات ملموسة يمكن لزهران ممداني اتخاذها كرئيس بلدية لمواجهة خط تمويل المستوطنات في مدينة نيويورك: إنفاذ قانون المنظمات غير الربحية من قبل المدعي العام

يمكن استخدام صلاحيات مكتب رئيس البلدية لمطالبة مكتب المدعي العام في نيويورك بالتحقيق في المؤسسات غير الربحية التي يُشتبه في تحويلها أموالاً إلى مشاريع استيطانية، والسعي إلى إلغاء وضعها المعفى من الضرائب.

قانون حماية المستهلك والإعلانات

يحظر قانون مدينة نيويورك الإداري § 20-700 الممارسات التجارية الخادعة، ويمكن لإدارة حماية المستهلك والعاملين التحقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة. ويمكن لممداني، بصفته رئيساً للبلدية، توجيه الإنفاذ أو إصدار تحذيرات عامة تحذر سكان نيويورك من هذه المخاطر.

تطبيق قوانين التخطيط العمراني ومنح التصاريح
تسمح لائحة تقسيم المناطق في نيويورك و"القانون الإداري" للجهات التنظيمية في المدينة بإغلاق أو تغريم الفعاليات العقارية غير المرخصة داخل المدينة، ويشرف ممداني على الوكالات المسؤولة عن ذلك وكان بإمكانه منع استخدام مساحات المدينة للترويج لبيع أراضٍ استيطانية غير قانونية.

التحذيرات العامة وتنبيهات المستهلكين


يمكن لإدارة حماية المستهلك والعمال إصدار تنبيهات عامة بموجب الفصل 64 من ميثاق مدينة نيويورك حول المخاطر القانونية والمالية والسياسية لشراء أراضٍ في الأراضي المحتلة. ويمكن لرئيس البلدية استخدام هذه التنبيهات لتثقيف الجمهور والإشارة إلى معارضة المدينة.

التقاعس تواطؤ في حد ذاته

أكد الموقع أن بيع الأراضي المرتبطة بالمستوطنات غير القانونية وتدفق الأموال المعفاة من الضرائب في الولايات المتحدة إلى مجموعات تمكّن هذا التوسع ليست أضرارًا نظرية، بل هي تغذي بشكل مباشر سلب الأراضي والعنف وقتل الفلسطينيين. وممداني يملك السلطة لمواجهة ذلك ووقفه، لكنه حتى الآن لم يمارسها.

يخشى الناشطون أن يكون هذا جزءًا من نمط أوسع؛ فقد انتُخب ممداني بقوة حركة غذّاها خطابه حول فلسطين قبل الحملة الانتخابية وأثناءها، لكننا رأيناه يتراجع عن مواقف أخرى كان قد اتخذها قبل الانتخابات.

وختم الموقع بالتأكيد على أن مدينة نيويورك لديها الأدوات القانونية للعمل اليوم وتقديم الحد الأدنى من العدالة والمساءلة، لكن اختيار الصمت أو الاكتفاء بإيماءات رمزية بينما يُقتل الفلسطينيون وتُصادر منازلهم وتُمحى مجتمعاتهم ليس موقفًا محايدًا، بل هو تواطؤ، وإذا كان ممداني يؤمن حقًا بالعدالة، فإن تطبيق هذه الإجراءات ليس خياراً، بل هو أول فعل تضامن مادي يتجاوز الخطابات الرنانة.